March 10, 2012

كلمة أمير حزب التحرير العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة لافتتاح المؤتمر العالمي للمرأة - الخلافة: نموذج مُضيء لحقوق المرأة ودورها السياسي

كلمة أمير حزب التحرير العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة لافتتاح المؤتمر العالمي للمرأة - الخلافة: نموذج مُضيء لحقوق المرأة ودورها السياسي

أيتها الأخوات الكريمات


السلام عليكن ورحمة الله وبركاته.


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد،


إنكن أيتها الأخوات من أمةٍ عظيمة ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ))، أمةٍ ضاربةٍ جذورُها في التاريخ، أضاءت الدنيا بنور الإسلام، وعدل الأحكام... أمةٍ عزَّت بدينها، وخوطب رجالُها ونساؤها على السواء بأحكام ربها، يدعون الله العلي القدير أجر الدنيا والآخرة، فيجيبهم سبحانه، رجالاً ونساءً، بمنِّهِ وفضله ((رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ 74 فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)).


هكذا عزَّت الأمة برجالها ونسائها، يسابقون إلى مغفرة من ربهم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فازوا في الدنيا وفازوا في الآخرة بإذن الله، إسلامهم يزيل الظلام، ويضيء الأرض، وخلافتهم تقيم الحق وتنشر العدل، يخاطب خليفتهم السحاب أن أمطر حيث شئت فموطن قطراتك دارُ الإسلام! واستمرَّت خلافتهم تقيم العدل وتنشر الخير في ربوع العالم إلى أن خلف من بعدهم خلف أضاعوا الخلافة، وأضاعوا حكم الإسلام، وصدق فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإسلام عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ» أخرجه أحمد، فمُزِّقت بلادهم إلى أكثر من خمسين مزقة، وانتُهِبت خيراتهم، وبعد أن كانوا يُمسِّكون بالإسلام، أصبحوا يُفرِّطون فيه، فسهُل على الكفار أن يغزوهم بالفكر قبل السلاح، وينشروا بينهم الأباطيل والأضاليل، تارة بأيديهم وألسنتهم، وأخرى بأدواتهم، أتباعهم وعملائهم...


لقد وصل الحال بتلك الأقوام أن تُوجِّه سهامها إلى الإسلام والمسلمين بأن المرأة في الإسلام مهضومةُ الحقوق، حبيسة البيوت، لا دور لها في الحياة العائلية، ولا قيمة لها ولا وزن في الشئون السياسية! ومن يقول هذا؟ يقوله الذين يدوسون كرامة المرأة، ويعدّونها سلعة في الدعاية والإعلان، ومتعة لكل إنسان، يريدونها بينهم كاسية عارية، ويقدرون قيمتها بقياسات جسمها البالية!... يقولها الذين يجعلون المرأة تكدُّ وتشقى لتحيا، فإن لم تعمل لا تجد من ينفق عليها، بل تأكل بامتهان كرامتها، وهم بها يلهون! يقولها أولئك الذين أفسدوا المرأة بالحضارة الغربية، فأهدروا كرامتها لتباع وتشترى بجسدها في البيت والسوق والعمل... لقد ظلموا المرأة عندهم فأصبحت بحاجة لمن ينقذها من جحيم الحضارة الغربية الفاسدة، وبحاجة لمن يحررها من مفاهيم الكفار المستعمرين الخرِبة الكاسدة، التي تجعلهم يرون خمار المرأة تخلُّفاً، وأما أن تكشف من جسمها أضعاف ما تستر، فإنهم يرونه تقدماً! ويرَوْنَ تكوين الأسرة من رجل وامرأة بعقدٍ صحيح أمراً تقليدياً عفا عليه الزمن، وأما تكوين الأسرة من رجل وامرأة دون زواج، بل ومن النوع نفسه، فهي عندهم أسرة راقية تصفِّق لها الأيادي وتزغردُ لها الألسن! حقاً لقد اضطربت قيمهم ومرضت أفهامهم، وصدق الله رب العالمين: ((لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)).


أيتها الأخوات الكريمات:


لقد أعلى الإسلام شأن المرأة في الوقت الذي كانت فيه منزلة المرأة في الأمم الأخرى هي بين منزلة الحيوان والإنسان، ليس في الجاهلية فحسب، بل إنها في أعظم دولتين آنذاك، فارس والروم، فكانت أقل وزناً حتى منها في الجاهلية! بل إنها اليوم، عند أتباع الحضارة الغربية، في الغالب الأعم، جسدٌ يباع ويشترى لترويج التجارة، أو للمتعة، فتقدير المرأة عندهم هو لجمالٍ أو مال أو لسمعة زوجٍ أو والد... وقليلٌ ما يكون لإبداعٍ في عمل أو قول أو علم...


أما المرأة في الإسلام فحقها ثابت في الأحكام، لا هو لجمالٍ أو مال، ولا لنسبٍ ولا لحسب، بل لكونها إنساناً، أَمةً لله، كما هو أخوها الرجل إنسانٌ عبدٌ لله... هكذا جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله «نَعَمْ. إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» رواه أبو داود، وقد أوصى صلى الله عليه وسلم بها في حجة الوداع «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا...» أخرجه ابن ماجه.
أيتها الأخوات الكريمات:


المرأة في الإسلام هي خديجة رضي الله عنها المؤمنة المؤازرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثته... هي سمية أول شهيدة في الإسلام حاملة الدعوة، القوية الصابرة... هي أم عمارة وأم منيع المبايعتان للرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة الثانية على النصرة والحكم... هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها الفقيهة العالمة، راوية الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم... هي رفيدة الأسلمية رائدة الطب في الإسلام... هي أم سلمة أم المؤمنين حصيفة الرأي في الحديبية...


المرأة في الإسلام هي خولة بنت الأزور التي قارعت الأَسْر مع أخواتها، فنجت من الأعداء دون خوف منهم ولا وجل، لأنها كانت قوية بربها عزيزة بدينها، تهون لديها الدنيا في سبيل الله... المرأة في الإسلام هي خنساء القادسية التي يستشهد أبناؤها الأربعة في سبيل الله فتحمد الله الذي شرفها باستشهادهم... المرأة في الإسلام هي التي وقفت لعمر في بيته تجادله وتناقشه حتى قال: "وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي الجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا، حتى أنزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ..."، المرأة في الإسلام هي التي وقفت لعمر في بيت الله تحاسبه فيقول... "أَصَابَتِ امْرَأَةٌ وَأَخْطَأَ عُمَرُ".


المرأة في الإسلام، هي القاضية الشِّفَاءُ أم سليمان... هي التي تنتخب الخليفة، فيسألها عبد الرحمن بن عوف رأيها في الخليفة بعد عمر أعثمان أم علي رضي الله عنه، كما يسأل الرجل سواء بسواء، وذلك في الوقت الذي كان الحاكم فيه عند الأمم الأخرى يكاد يكون إلهاً لا يقبل رأياً من أحد في تتويجه أو انتخابه أو بيعته.


المرأة في الإسلام هي فاطمة الزهراء رضي الله عنها التي قامت على تنشئة سيِّدَيْ أهل الجنة في الجنة، الحسن والحسين رضي الله عنهما... هي زينب بنت الحسين التي وهي خارجة من فاجعة كربلاء تقف أمام يزيد تُقرِّعه بأشد الكلام لاغتصابه السلطة وقتله الحسين رضي الله عنه.


أيتها الأخوات الكريمات:


هذا من جانب، حيث رفع الإسلام شأنها في نفسها وفي بيتها وفي أمتها، وأدلة هذا الجانب أشهر من علم على رأسه نار.


ومن جانب آخر فالمرأة في الإسلام هي قطب الرحى في الدولة الإسلامية، من حيث الرعاية والحماية... لم يفرض الإسلام عليها العمل لتنفق على نفسها، بل جعلها بالخيار إن شاءت عملت وإن لم تشأ لا تعمل، لأن نفقتها على أب أو أخ أو زوج، فإن لم يكن فالخليفة وليُّها... فلا تتعرض للشقاء والعنت لتعيش... يحمل الخليفة إليها على ظهره مؤونتها إن جاعت، ويقود الخليفة جيشاً لنصرتها إن استغاثت، ويجيب "وامعتصماه" إذا انطلقت... صرخة منها تجعل محمداً بن القاسم قائد الجيش المسلم يؤزُّ عرش ملك السند لأنه احتجز سفينة المسلمات، وأَخَذهن أسيرات...، وعدم الأمن لها يجعل قتيبة قائد المسلمين يمسك بمن روَّعها ولا يقبل كنوزَ الذهب والفضة التي عرضها ذلك الشقي لفدية نفسه، بل يرفض قتيبة ذلك ويقول: "لا والله لا تروع بك مسلمة أبدا، وأمر به فقتل".


هذه هي المرأة في الإسلام، حاملة الدعوة، ناصرة النبوة، الثابتة على الحق، أول شهيدة وأول طبيبة في الإسلام، العالمة الفقيهة، السياسية البارعة، تربي الطفل وتلاعبه، وفي الوقت نفسه تنتخب الحاكم وتحاسبه... هي القاضية صاحبة الشأن، والعرض الذي يجب أن يصان.


أيتها الأخوات الكريمات:


تلك هي المرأة المسلمة في عهد النبوة والخلافة الراشدة والتابعين بإحسان، وستعود كذلك بإذن الله في عهد الخلافة الراشدة الثانية: قوية صابرة تقول الحق ولا تخشى في الله لومة لائم، ونحن نرى منها بشائر هذه الأيام، فهي قد ساهمت مساهمة فعالة في إزالة عروش الطغاة في تونس ومصر وليبيا واليمن... وهي التي مع أخيها الرجل تقارع طاغية الشام دون أن تقعدها المحن... هي التي داست بأقدامها الافتراءات التي يشيعها الرأسماليون العلمانيون بأن المرأة المسلمة بلباسلها الشرعي لا تستطيع العمل السياسي، قاتلهم الله أنى يؤفكون...


لقد ذهبت افتراءاتهم أدراج الرياح، وصعقتهم صفوف المرأة الثائرة، وهتافاتها الهادرة... فهم يرون المشهد أمامهم تقوده ربات الخمار ولابسات الجلباب، والمتلفعات بالمروط وصاحبات النقاب، وليس بينهن نسوة على غير ذلك إلا النزر اليسير وقليل ما هن!


هذه هي المرأة المسلمة الملتزمة بدينها، سواء أكانت في بلاد العرب أم في بلاد العجم: من إندونيسيا شرقاً حيث تخوم المحيط الهادي إلى رباط المغرب غرباً حيث شواطئ الأطلسي، ومن آسيا الوسطى شمالاً حيث طواغيت كازاخستان وأوزبكستان وطاجاكستان إلى موريشوس جنوباً حيث أعماق المحيط الهندي... تراها في أواسط بلاد العرب تقاوم احتلال يهود للأرض المباركة فلسطين فتدخل السجون وتُعذب، وتراها كذلك في أواسط بلاد العجم تقاوم ظلم الظالمين في آسيا الوسطى فتدخل السجون وتُعذب... وفي الحالتين لا تخشى في الله لومة لائم.


أيتها الأخوات الكريمات:


هذه هي المرأة في الإسلام، هي أنتن العاملات للخلافة، أقوى عمل سياسي في الأمة، هي أنتن في مؤتمركن هذا، المؤتمر العالمي للمرأة حول الخلافة... فأنتن تُعِدن سيرة المرأة في الإسلام، حاملة الدعوة، المؤمنة الصابرة التي تربي الأجيال، وتنشئ الأبطال... التي تحفظ بيتها، وتنصح أمتها، الواعية على أحكام دينها في الاقتصاد والتعليم والعلاقات الاجتماعية، الواقفة على أمن أمتها في السياسة الداخلية والخارجية... العاملة لإقامة الخلافة وانتخاب الخليفة، السياسية العالمة الفقيهة...


وقد يقول قائل إن حزب التحرير لم يكتف باستنهاض الرجال للعمل للخلافة، بل استنهض النساء كذلك، فنقول إن العمل للخلافة فرض على كل قادر من الرجال والنساء، سواء أكان ذلك قبل إقامة الخلافة كما دلت على ذلك مشاركة المرأة للرجل في بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم العقبة الثانية، بيعة النصرة بإقامة الدولة في المدينة المنورة، أم كان ذلك بعد قيامها كما دل على ذلك عمل عبد الرحمن بن عوف على ملأ من الصحابة بسؤال النساء والرجال على حد سواء في انتخاب وبيعة الخليفة: أعليٌ أم عثمان، وذلك بعد عمر رضي الله عنهم أجمعين.


ثم إننا نعمل للخلافة رجالاً ونساء، لأنها فرض رب العالمين، ومبعث عز المسلمين، ونحن مطمئنون بعودتها، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بشرنا بأن عروة الحكم بعد أن تنقض على أيدي طغاة الحكم الجبري، فإن الحكم سيعود إسلامياً خالصاً لله ولرسوله من جديد، خلافةً على منهاج النبوة بعد هذا الحكم الجبري كما جاء عند الإمام أحمد، ومسند الطيالسي من حديث حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ فِي النُّبُوَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، ثُمَّ سَكَتَ.


وفي الختام، فإني أسأل الله سبحانه لمؤتمركن، المؤتمر العالمي للمرأة حول الخلافة بعنوان "الخلافة: نموذج مُضيء لحقوق المرأة ودورها السياسي"، التوفيق والنجاح، وأن يكون لقاؤكن القادم في ظل راية العُقاب، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيكون لكنَّ الأجرُ والنصر مرتين: الأولى خلال عملكن للخلافة في الظروف الصعبة، والثانية خلال شهودكن للخلافة وهي قائمة تشرق الأرض بنورها، وما ذلك على الله بعزيز.


ومسك الختام، آيات بينات، للرجال وللنساء على السواء: ((إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)).


والسلام عليكن ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك