كسر إرادة الأمة
May 22, 2015

كسر إرادة الأمة

كسر إرادة الأمة

الإرادة هي قرار داخلي يكون في أغلب الأحيان مرتبطاً بواقع معين يحيط بالإنسان، لكن القليل من الناس يستطيع تطبيقه في الواقع. وهي إحساس ينتج إما عن فكر وإما عن عاطفة. ونتيجتها يكون أمراً رائعاً لا يشعر به إلا الأقوياء، وهي ليست مرتبطة بالضرورة بالتربية أو بالثقافة، وتعتبر أفعال الناس وسلوكهم مظاهر لهذه الإرادة. ويمكن القول أن العالم المحيط بالإنسان هو من المؤثرات الشديدة على القرارات المتعلقة بالإرادة. فالعالم المحيط، منظور إليه من خلال المتغيرات من ظروف داخلية أو ذاتية ومن خلال الحاجات والمصالح والرغبات المتعلقة بالمرء، يمكّنه من أن يحدد لنفسه أهدافًا ثابتة، وأن يتخذ قرارات قوية، وأن يتصرف على نحو آخر ربما غير مألوف عند العامة. أما الإرادة التي تُختار فقط على أساس الرغبات الذاتية أي ناتجة عن عواطف أو أحاسيس أو ردات فعل فإنها ليست إرادة ثابتة ولا منتجة. فهي سرعان ما تتقهقر وتتراجع ويحل محلها الخوف والتردد. وإنما الإرادة المنتجة والناهضة فهي التي تنتج عن تفكير عميق مستنير فتكون كالصخر لا تتفتت.


تحدث الفلاسفة من أمثال إنجلز أن حرية الإرادة لا تعني شيئًا إلا المقدرة على اتخاذ القرارات بمعرفة الذات. وأن الطابع الإرادي لفعل ما، يظهر بوضوح شديد حينما يتعين على شخص أن يتغلب على عقبات معينة، خارجية أو داخلية، ليحقق هدفه، والمرحلة الأولى لفعل إرادي تكمن في وضع الهدف واستيعابه، ويتبع هذا قرار الفعل واختيار أنجح وسائل الفعل. ولا يمكن وصف فعل بأنه فعل إرادة إلا إذا كان تنفيذاً لقرار ذاتي. (انتهى كلامهم).


إن قوة الإرادة ليست منحة تولد مع المرء بل هي ناتجة عن الفكر الأساسي الذي تشبع به العقل وأصبح مقياسًا طبيعيًا لصاحبه في الحياة، كالتسليم المطلق بأن الله بيده كل شيء، وكالقناعة بأنه "على قدر أهل العزم تأتي العزائم". وتزداد الإرادة هذه وتقوى متناغمةً مع قوة العقيدة. فالمهارة والمقدرة على اختيار هدف ما، واتخاذ قرارات سليمة وتنفيذها، وإتمام ما بُدئ فيه هي ثمار الفكر والمعرفة والخبرة. وعدو الإرادة هو التردد، وهو مما ابتليت به الأمة نتيجة سيطرة الفكر المتخاذل عليها والمطبق من قبل وكلاء الكافر المستعمر، حكام العالم الإسلامي، الذين ساموا الأمة سوء العذاب بمخططات خارجية، كانت مخفية قبل عصر الثورات لا يراها إلا أصحاب الفكر المستنير والإرادة الصلبة من أبناء الأمة، ثم أصبحت واضحة جلية في عصر الثورات وخاصة من مجريات ثورة الشام الكاشفة الفاضحة.


وتظهر أهمية الإرادة عند اصطدام المرء بظروف قاهرة، كالمرض الشديد أو التغيير الجذري في الحياة أو اتخاذ قضية ما قضية مصيرية. وهذا ما علمنا إياه رسولنا الكريم ﷺ من قرارته الحاسمة في ظروف قاهرة كانت تحتاج لإرادة صلبة قوية، كعرض قريش عليه المال والنساء والملك ورفضه لكل ذلك وهو بأمس الحاجة والفاقة وبإصراره على موقفه وتبيانه ذلك بكلمات واضحة نيرة: «يَا عَمُّ، وَاَللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ، مَا تَرَكْتُهُ». ومن ذلك تخويف العرب للرسول الكريم بأن قريشا جمعت الجموع لسحق دولته قبيل غزوة الأحزاب فكان موقفه صلبًا راسخًا لا يتفتت فرد عليهم قولهم وأرعبهم بقوة إرادته حين قال: «يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ، دَخَلُوا فِي الْإِسْلاَمِ وَهُمْ وَافِرُونَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ، فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، وَاللَّهِ إِنِّي لَا أزالُ أُجَاهِدُهُمْ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ لَهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ لَهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ».


إن ثورات الأمة اليوم بحاجة لمثل هذه الإرادة العارفة والمستنيرة كي لا تتقهقر قوتها ولا تضيع تضحياتها ولا تتزحزح عن هدفها، وفي كل موقف من هذه المواقف المصيرية تحتاج الأمة لقائد فذّ مُلهم يقف صلبًا بإرادة وعزيمة ورؤية ساطعة نيرة كفلقة البدر في الليلة المعتمة، يأخذ بيدها ويجنبها منزلقات الأعداء وفخاخ المنافقين. تثق به وتتبعه بدقة. تبرز هذه الحاجة الملحة اليوم في الأمة عامة وفي بلاد الثورات خاصة. فها هي الشام تُستهدف من كل حدب وصوب كي تبتعد عن هدفها بتحكيم شرع الله وإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فماذا تفعل؟


ليس لها إلا عملين تقوم بهما وتعض عليهما بالنواجذ، الالتجاء إلى الله أولًا، ثم الوثوق بحملة الدعوة المخلصين أصحاب الإرادة الصلبة والقرارات الثابتة ثبات الشرع الحنيف ثانيا، حينها ستهزم كل المؤامرات وستركل كل الحوارات وسترى أن مكر الله أشد وأبقى وأن العمل الصالح والإرادة الصلبة هما مفتاح النصر والظفر. ذلك أنها - أي الأمة - رأت أن من التفّت حولهم وعلقت الآمال عليهم كي يخلّصوها من جلاديها، قد خذلوها وتنازلوا عن ثوابتها وتراجعوا عن تبني إرادتها الصلبة التي أعلنتها من أول يوم قامت به لخلع رويبضاتها واسترداد سلطانها المغتصب. وأيقنت أنها أخطأت حين أعطتهم القيادة - مع أنها قيادة جزئية - وأنهم ليسوا أهلًا للثقة التي منحتها لهم. فقد رأتهم يهرولون إلى دول ترتهن في قراراتها لأعدائها وعلمت وأيقنت أنهم تنازلوا عن مواقفهم وتبنوا خططاً متخاذلة ستودي بهم وبثورتهم للهلاك وللهزيمة. ورأت أنه رغم المال والسلاح المكدس عند هؤلاء إلا أنهم لم يحركوا ساكنًا لرفع الحصار عنهم وللدفاع عن أعراضهم وبيوتهم، بل إن منهم من يتحداهم أي يتحدى الأمة في خروجه من الحصار ورجوعه بأمان وفي استعراضات للمال والسلاح والجند والغذاء دون إحساس بآلامها ودون ذب عن أوجاعها ولا حتى بمواجهتها بجرأة وصدق، لذا سارعت بطبيعتها الخيّرة كخير أمة أخرجت للناس لدمغه بالخيانة والتواطؤ ضدها.


لم تكن هذه الأحداث أبدًا عرضية في معترك الثورات، ولم تكن الأمور بحاجة لأن تتفاقم بهذا الشكل في الشام حتى تتضح الصورة وتبرز كل ملامحها لو أن الأمة أمسكت بمقياسها الشرعي وقاست به كل هؤلاء المتشدقين الراكبين لكبريائها ولثوراتها من أول يوم، إلا أن الهروب من إرادة اتخاذ القرارات الصعبة والانزلاق في البحث عن الحلول السهلة التي تلمع في أعين الناس المنهكين من الحصار والقصف والتشرد جعلهم يقنعون أنفسهم أن هذا الذي يلمع هو ذهب رغم يقينهم أنه معدن بخس لا قيمة له. ولكن، هل بهذا السلوك تنجو الأمة وتتخلص من آلامها؟


بكل تأكيد أن الذي سيحصل هو العكس تمامًا، فآلامها ستزداد وتضحياتها ستتوسع وخلاصها سيتأخر. لذا فإن حلها الوحيد لكل ما يجري فيها هو نفض غبار الولاء لكل من يمد يده للخارج. والخارج هنا يعني خارج الشرع الحنيف وخارج أهداف الثورة. فقد رأت الأمة أن الكل خذلها، فلا يصح أن تقيس موقف تركيا إلى موقف الأردن أو لبنان فتخرج بنتيجة إيجابية! بل الأصل أن تقيس موقف تركيا بالإسلام، فيجيبها الشرع أن تركيا هي بلاد إسلامية وجيشها جيش إسلامي قوي ولم ينصرها هذا الجيش وتخاذل عن رفع آلامها رغم أن الإسلام يفرض عليه ذلك، لكنه استجاب للقانون الدولي الكافر وابتعد عن القانون الإسلامي الملزم. وهكذا كل من يضع يده بيد تركيا أو غيرها فإنه يشد على يد مَنْ منع نجدة المسلمين وقبل بأنصاف الحلول أي بالتخاذل والهوان لأمته رغم الكلمات الرنانة التي يستعملونها من "إنهاء المعاناة" و"إيقاف القتل" و"القبول بأية مبادرة تنقذ الناس" وغير ذلك من تخاذلٍ لا ولن يقبل به من ضحى وصبر بانتظار الظفر.


أما كسر الإرادة، فعندما تقف موقفًا شديدًا أمام عدوك ويظهر له أن إرادتك قوية صلبة وأن لا حيلة بيده أمامك وأمام ثباتك، فإنه يعمد إلى الالتفاف عليك والقيام بما يفضي إلى كسر إرادتك. من ذلك قول أوباما "لا حل لما يحدث في سوريا إلا حلًا سياسيًا" أو قوله: "لا بد من الحفاظ على الدولة في سوريا". فإن هذه التصريحات تهدف إلى تيئيس الثوار والضغط النفسي عليهم أن لا مخرج لكم إلا بالقبول بالحل الأمريكي. ومن ذلك بث شائعات إعلامية أن الثوار لا يستطيعون إسقاط النظام إلا بمساعدة الغرب أو إلا بموافقة مجلس الأمن أو أن النظام بيد إيران وروسيا. كل ذلك كي يكسروا إرادة الثورة وحتى يوجدوا الغطاء الذي يحمي أولئك الذين يحاولون تنفيذ خطط أمريكا فيهرولون من أجل ذلك إلى جنيف وإلى روسيا وإلى الرياض، وهم يزعمون "أننا نفعل ذلك حبًا بالثورة وخوفًا على أرواح الناس"!.


إن كسر إرادة الأمة تم في الماضي وانتصر أعداء الإسلام ليس بقوتهم المادية وإنما بتحطيم إرادة المسلمين. ومن ذلك بث الأكاذيب عن ظلم الخلفاء أو بث الرعب من تطبيق الإسلام. وهذا ما قام به حكام المسلمين عملاء الغرب في موضوع فلسطين فرسموا للأمة أن دولة يهود هي نمر سيفترسكم، ثم تبين للأمة بعد نصف قرن أنها نمر من ورق وأن حكامهم كذبوا عليهم.


ولمنع كسر إرادة الأمة وكسر إرادة أهل الثورة يلجأ المؤمنون لله وحده ويعتصمون بحبله المتين دون تأويلات المتلونين الذين يتحدثون بلسان الغرب، حين يطالبون بدولة مدنية لا إسلامية، ويلصقون الديمقراطية الغربية بالإسلام كي يحرفوها عن نقاوتها، ويمدحون دعاة الحوار كي تقبل بهم الأمة وبعد أن تقبل بهم يفاوضون باسمها ويتنازلون باسمها ثم يكتمون ما تنازلوا عنه خوفًا من غضبها، ثم بعد عقود تتكشف الحقائق ويكون الوقت قد فات كما حدث في وعد الحلفاء في الحرب العالمية الأولى بتحويل دار الخلافة من الأتراك إلى العرب. ثم نكثوا وغدروا بهم، فانكسرت إرادة الأمة وغرقت في يأسها، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، قال ابن جريج في تفسير الأية هذه، عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا، أي: لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بباقي صنيعهم، فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون أي: ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم، ولا ناصر يخلصكم من عذابه. انتهى.


لهذا لم يبق لأهل ثورة الشام إلا أن يثبتوا مع من دعاهم لما يحييهم، إنهم حملة الدعوة المخلصين الذين لا يرجون من دعوتهم للأمة لا منصباً ولا مالاً بل فقط رضوان الله تعالى، تعرفهم من رفعهم لراية نبيهم ﷺ، إنهم الثابتون على طريقته المثلى السائرون على سنة النبي محمد عليه الصلاة والسلام المتمسكون بهدفهم رغم كل المؤامرات. فلا نجاة ولا حياة كريمة لهذه الثورات إلا بالسير معهم والتماس طريق العزة باتباع طريقهم. قال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾.


اللهم لا تكسر إرادة أمتنا واجعل بأس أعدائها بينهم شديداً، اللهم وامضِ لهذه الأمة أمر رشد ترتفع به عزائمها وتقوى إرادتها وتنتصر باعتصامها بحبلك المتين يا رب العالمين.


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
م. هشام البابا
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني