لقاء مع رئيس جريدة التحرير في تونس
لقاء مع رئيس جريدة التحرير في تونس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها الإخوة الأكارم عبر أثير راديو حزب التحرير/ ولاية سوريا وعبر إعلاميات حزب التحرير، نلتقي مع الأخ (حسن نوير) من بلد عقبة بن نافع وجامع الزيتونة، لنسأله عن جريدة التحرير التي تصدر في تونس، وندردش معه عن بعض الأمور السياسية في العالم الإسلامي عامة وتونس والشام خاصة...

0:00 0:00
السرعة:
January 04, 2019

لقاء مع رئيس جريدة التحرير في تونس

لقاء مع رئيس جريدة التحرير في تونس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها الإخوة الأكارم عبر أثير راديو حزب التحرير/ ولاية سوريا وعبر إعلاميات حزب التحرير، نلتقي مع الأخ (حسن نوير) من بلد عقبة بن نافع وجامع الزيتونة، لنسأله عن جريدة التحرير التي تصدر في تونس، وندردش معه عن بعض الأمور السياسية في العالم الإسلامي عامة وتونس والشام خاصة:


1. الأخ الكريم، بداية حبذا لو تعطينا فكرة موجزة عن جريدة التحرير (متى تأسست؟ وما الغاية من تأسيسها؟ وفي أي يوم تصدر؟)

تأسست جريدة التحرير سنة1434ه الموافق 2013.. تصدر كل يوم اثنين.. الغاية من تأسيسها.. وضع لبنة لإعلام هادف يلتزم بقضايا الأمة


2. هل يمكن اعتبار جريدة التحرير جريدة رسمية ناطقة باسم حزب التحرير/ ولاية تونس؟ أم ماذا؟


الجريدة هي إحدى الوسائل التابعة للمكتب الإعلامي وهي  تعبر عن رأي الحزب ومواقفه الفكرية والسياسية كما هي النشرات والبيانات الصحفية


3. كيف يتم نشر جريدة التحرير في تونس؟ وكيف يستطيع المسلمون في العالم متابعتها؟


في بداية الأمر كان التوزيع يتم عن طريق موزع رسمي للصحف المقروءة في تونس ودام الأمر مدة ثلاث سنوات ثم ارتأينا ان يتم توزيعها عن طريق شبابنا لإيصالها لأكثر عدد ممكن من القراء.


أما بالنسبة لمن يريد الاطلاع عليها حول العالم فلها صفحة رسمية على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك: www.facebook.com/journal.tahrir وموقع رسمي على الانترنت "www.attahrir.info"


4. هل جريدة التحرير تهتم فقط بالشأن التونسي أم أنها تهتم بكل المسلمين عالميا؟


قلنا أن الغاية من تأسيس جريدة التحرير هو الانحياز للأمة والالتزام بقضاياها لهذا  فهي لا تقتصر بالشأن التونسي  وإنما تهتم بكل المسلمين عالميا ولا تتوانى في تبني مصالحهم أينما كانوا.

5. من هم الذين يكتبون عادة في جريدة التحرير؟ وهل هؤلاء الكتاب من تونس فقط أم من العالم الإسلامي كله؟


غالبهم من تونس ومعظم من يكتبون في جريدة التحرير هم من شباب الحزب..

6. في ظل طغيان القنوات المرئية والمسموعة، فضلا عن زحمة مواقع التواصل والمواقع الإخبارية عموماً، ما هو دور وأثر الإعلام المقروء؟ وهل هو عمل له ثمرة بين الناس؟

يمكن للإعلام المقروء أن يتبوأ مكانا رياديا بين الكم الهائل من القنوات المرئية والمسموعة.. وأن لا يترك لمواقع التواصل الاجتماعي أن تسحب من تحته البساط متى تحرى الصدق.. واشتغل على معالي الأمور وترفع على سفاسفها.. ولم ينجر نحو الرداءة والابتذال.. وكلما تسلح بالجرأة ولم يهادن أصحاب النفوذ والحكام.. وهنا يمكن أن يحدث أثرا لدى الناس وتكون له ثمرة بينهم.. فدور الإعلام المقروء اليوم هو لفت أنظار الأمة نحو قضاياها الفعلية ..وتوضيح سبل معالجتها

• جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم، وننتقل معك أخي الكريم لنناقش بعض الأمور السياسية، خاصة وأن تونس انطلقت منها الشرارة الأولى التي جعلت الأمة تغلي بالثورات ضد الحكام الظلمة العملاء، ونحب أن نبدأ أسئلتنا عن تونس:


1. هل هناك من فارق بين الوضع السياسي الحالي في تونس، والوضع السياسي الذي كانت عليه قبل الثورة؟


قبل الثورة في تونس كان الوضع السياسي يتسم بالرتابة والجمود بحكم هيمنة الفئة الحاكمة على الوضع.. ونجاحها في تنفير الناس من الاهتمام بالسياسة إما بإلهائهم أو بترهيبهم، بعد الثورة اختلف الأمر ولم يعد الخوض في السياسة من المحظورات، وبدأت تتكشف للناس حقيقة من يحتلون الكراسي وحقيقة بطانتهم، تلك البطانة أصبحت بعد الثورة تتموقع داخل أحزاب في ظاهرها أحزاب معارضة لكنها في الواقع هي ظهير للحزب الحاكم لكونها تسعى جاهدة لتكريس النظام الديمقراطي والذود عنه.. أي أنها لا تختلف مع الماسكين بالحكم وإن كان هناك اختلاف فهو محكوم بالمصالح الحزبية والمصالح الشخصية.. وبعبارة أوضح تكريس النظام الديمقراطي يجمعهم والمصالح الذاتية تفرقهم.. والنتيجة استمرار معاناة المسلمين في تونس.

2. على فرض أن الأيام عادت إلى بداية الثورة في تونس، ما هو السياق الذي يجب أن تمضي فيه الثورة، وما هي النتيجة التي يجب أن تصل إليها، حتى نعتبرها ناجحة وفق النظرة المبدئية؟

لنتفق أن الثورة في تونس انطلقت في تونس بشكل عفوي ولم تكن هناك من غاية سوى التعبير عن امتعاضهم ..فالناس ملوا ظلم "بن علي" وزمرته ولم تكن هناك رؤية واضحة ..أو مشروع يخرج الناس من الضنك الذي يعيشون فيه.. لهذا سهل على أعداء الثورة ركوبها ثم حرفها عن مسارها والعودة بالبلاد للوضع الذي كانت عليه زمن بن علي أو ربما أسوأ، لذا لو عادت الأيام إلى بداية الثورة هنا في تونس.. كان لزاما أن تكون انطلاقتها ومحطتها الختامية محددتين مسبقا.. أي يجب أن يكون هناك مشروع حضاري يختلف كليا مع ما هو سائد الأن.. أي لا بد من إجاد بديل، وهذا البديل موجود في وجدان الناس، فقط هو في حاجة أن يتخطى عتبة المشاعر ويصبح مطلب الناس ليسوسهم، وهذا البديل هو طبعا الإسلام بوصفه ذلك النظام الذي يعالج جميع المشاكل.

3. هل يصح القول بأن ثورة تونس انتهت، أم أن الأيام حبلى بالمفاجآت؟

الثورة انتهت.؟ لا.. ولكن أعداؤها يسعون لوأدها بكل ما أتوا من قوة بدعم من المستعمر الكافر.. ولو أنهم نجحوا في تشويهها وشيطنتها وذلك بتعليق فشل الحكومات المتعاقبة عليها.. نجحوا في زرع اليأس في نفوس الناس.. وأوهموهم أن بقاء بن علي كان أفضل لهم، وقد لعب الإعلام دورا كبيرا في ذلك.. لقد دخلت الثورة نفقا شديد الظلمة.. لكن هناك بصيص نور في آخره.. فالنفس الثوري لم ينقطع كليا.. وبارقة الأمل موجودة ومنسوب الوعي لدى الناس يرتفع شيئا فشيئا.

4. ما هو الدور الذي لعبته ما تسمى بالحركات المعتدلة والمحسوبة على الإسلام أو العلمانية الملتحية، ما هو الدور الذي لعبته في تبريد حرارة الثورة في تونس، أو حتى تجميدها؟

لقد فاجأت الثورة في تونس القوى الاستعمارية وأسقط في أيديها.. لكنها وجدت في الحركات الإسلامية المعدلة  تحديدا حركة النهضة قشة النجاة.. فمنذ عودة رئيسها الغنوشي إلى تونس أخذ على عاتقه حماية النظام الديمقراطي الوضعي ومن ثمة حماية مصالح تلك القوى ففي أول تصريح له وهو لم يغادر مطار تونس قرطاج بعد تصريحاته: لا مجال لتطبيق الشريعة في تونس.. وسنعمل على تكريس ديمقراطية تقوم أساس على التوافق.. وبعد فترة تبين أن ما صرح به الغنوشي هو في الأصل إملاءات عاد لينفذها بحذافيرها دون زيادة أو نقصان. وتجلى ذلك في دستورهم الوضعي الجديد. وفي ما أسموه سياسة التوافق التي تحت جناحها عاد أزلام بن علي وكل جيوب حزب التجمع المنحل..

5. ماذا قدمت هذه الجماعات العلمانية الملتحية للإسلام والمسلمين في تونس؟

ذكرنا أن أول من تصدى لفكرة تطبيق الشريعة هو رئيس حركة النهضة.. بل ذهب إلى أبعد من ذلك   تطبيق أحكام الاسلام يحدث فتنة و يحدث تفرقة بين أبناء البلد الواحد بتعلة أن هناك في تونس من يرفض الاحتكام لشرع الله. لذا قال نكتفي بالفصل الأول من الدستور القديم الذي ينص على أن تونس دولة الإسلام دينها والعربية لغتها. قال هذا عقب خروج الآلاف إلى الشارع مطالبين بتطبيق شرع الله دون نقصان ورافضين للقوانين الوضعية برمتها. كما أن حركة النهضة المتأسلمة كانت في الصفوف الأولى في الدفاع عن الشذوذ الجنسي وزواج المسلمة  من غير المسلم ..وعن بيع الخمر و دور الدعارة. كما اعتبر الغنوشي  قضية فلسطين شأننا داخليا لا يعني حركته لا من بعيد ومن قريب ووقف ضد تجريم التطبيع. وعليه، فان هذه الجماعات العلمية الملتحية  قدمت الكثير الكثير ليس للإسلام وانما لأعدائه باسم الإسلام وباستعمال فرية التدرج وفقه الواقع ونحو ذلك.

6. في ظل الأوضاع الراهنة يتساءل أهل الشام: كيف ترون مستقبل تونس؟

مستقبل تونس لا يختلف على مستقبل باقي بلاد المسلمين سيكون مستقبلها بإذن الله مثل ماضيها لما كانت تعيش في ظل دولة الاسلام دولة الخلافة سبق وأن ذكرنا أن منسوب الوعي لدى الناس في تزايد مطرد، صحيح بنسق بطيء ولكن بإذن الله سيأتي اليوم الذي يطالب فيه أهل تونس بالعيش تحت راية دينهم والمؤشرات على ما نقول عديدة وقوية.

• نشكرك أخي الكريم، ونحب لو ننتقل معك إلى المحور الثالث والأخير في لقائنا، ألا وهو تونس والشام، ونتساءل وأنتم بلد الشرارة الأولى في الثورات التي خرجت ضد الحكام الظلمة:


1. كيف تفاعل أهالي تونس مع ثورة الشام؟

في البداية كان هناك تفاعل كبير مع ثورة الشام.. هناك من كان يؤيد بشار وهم قلة مما يسمونهم بالنخبة.. من اليساريين والعلمانيين والقوميين.. وأغلب الناس هنا يؤيدون ثورة الشام.. لكن بمرور الوقت خفت حماس الناس وقلّ الاهتمام بثورة الشام لأن الإعلام أصبح يركز على الشأن المحلي وتمكن مع الأسف من صرف أنظارهم عما يحدث خارج تونس وسبق أن قلنا إن الوعي لدى أهالي تونس لم يبلغ بعد الدرجة المطلوبة.

2. كان واضحا من خلال الثورات مدى تأثر بلاد المسلمين بعضها ببعض، هل استطاع الإعلام المعادي للأمة فصل الأمة عن بعضها؟ أم أن الناس في تونس تعتبر ثورة الشام امتداداً لثورتهم، ويتطلعون لنجاحها؟

نجح ولم ينجح كما ذكرت لك منذ قليل في بداية اندلاع الثورة في بلاد الشام كان هناك تعاطف كبير مع أهلنا في سوريا وكان هناك غضب عارم وسخط شديد على بشار بسبب المجازر التي ارتكبها في حق المسلمين بالشام.. وكانت الآمال معلقة على نجاح الثورة.. ولكن ذلك لم يدم طويلا لأن الأمر لم يتعد حد المشاعر.. لم يكن هناك إدراك حقيقي لخطورة ما يحدث في سوريا وأهمية الثورة هناك.. ومدى انعكاسها بالسلب أو بالإيجاب على باقي الأمة. هذا ما استغله الإعلام وتمكن من صرف الأنظار عن ثورة الشام تماما كما هو الحال مع قضية فلسطين.

3. نرى أن ثورة الشام قد لفتت أنظار العالم إليها وقد أخذت بُعداً عالميا وسياسيا وسميت ثورة أمة، ما السبب في ذلك؟ وما الذي يميزها عن بقية ثورات (الربيع العربي) حتى تكالب عليها الكفر بأكمله؟

بالفعل هي كذلك ثورة أمة وتكالب قوى الكفر عليها لم يأت من فراغ لأنها منذ الوهلة الأولى وعلى عكس الثورة هنا في تونس لم تكن المطالب متعلقة بتوفير مواطن شغل والخفض في الأسعار وما شابها ذلك كان الطلب واضحا ومحددا وهو العيش في كنف نظام الإسلام.. وهذه سابقة في العالم الإسلامي.. فلا تسمع غير: هي لله هي لله. إسلامية إسلامية.. ثم أن حجم القمع الذي سلطه بشار على أهلنا في سوريا لا يمكن تحمله لو لم يكن ما يطلبونه غاليا ويهون في سبيله تحمل جميع صنوف العذاب ألا وهو العيش في كنف نظام الإسلام. وهذا ما ميز ثورة الشام عن بقية الثورات أو ما بات يعرف بالربيع العربي..

4. خلال السنوات الماضية التي صدرت فيها جريدة التحرير، كيف كانت متابعة جريدة التحرير لثورة الشام بشكل عام؟

تقريبا لم يصدر عدد واحد من جريدة التحرير دون التطرق لثورة الشام وفي مرات عديدة كانت ثورة الشام هي المحور الأساسي للجريدة وكانت هناك أعداد خاصة غطت مجازر النظام التي ارتكبها في حق أهلنا في داريا. وحلب وباقي مناطق سوريا.

5. هل قامت جريدة التحرير بعمل شيء خاص عن فضح مؤتمر سوتشي الخياني؟


للأمانة اكتفينا بنشر المقالات الواردة في جريدة الراية لأنها تكفلت بفضح مؤتمر سوتشي وبينت بالدليل القاطع خيانة من تهافتوا على المؤتمر السيء الذكر. ولم تترك لنا ما نضيفه

6. ما هي النصيحة التي توجهها لأهل الشام، من خلال تجربتكم التي عايشتموها في ثورة تونس التي غيرت رأس الهرم في النظام دون باقي أركانه؟

أنصحهم بأن يتشبثوا بمطلبهم ولا يحيدوا عنه ألا وهو العيش في كنف نظام الإسلام. وألا ينخدعوا بزخرف القول الذي ينثره راكبو ثورتهم هنا وهناك وأنصحهم بان لا يأمنوا مكر أمريكا  وأشياعها.

في نهاية اللقاء نشكرك أخي الكريم وبارك الله فيكم، وكلنا ثقة بالله سبحانه أنه سيجمع المسلمين تحت ظل راية رسول الله عليه الصلاة والسلام، في ظل خلافة راشدة على منهاج النبوة، تزيل من الأمة هذه الحدود الوهمية التي رسمتها سكاكين الغرب الكافر في جسد الأمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني