ما هكذا يُدَافَعُ عن المرأة: وحدها أحكام ربّها هي التي أنصفتها!!
July 09, 2015

ما هكذا يُدَافَعُ عن المرأة: وحدها أحكام ربّها هي التي أنصفتها!!

ما هكذا يُدَافَعُ عن المرأة: وحدها أحكام ربّها هي التي أنصفتها!!


محاولات عديدة ومتنوعة لترويض هذه الأمة العريقة التي أقضت مضاجع الغرب وأقلقته قرونا طويلة فكان إخراجها عن الطريق وتغريبها عن مفاهيم الإسلام النقية الصافية وإدخال مفاهيم غريبة غربية من أبرز مساعيه التي كللت بالنجاح فهاجم الإسلام وزوّر تاريخه ودلّس أفكاره.


لقد آتت فكرة التغريب أكلها لضرب الإسلام وغزو بلاد المسلمين ثقافيا حتى يقام السد المنيع بين المسلم ودينه ويرى فيه نقصاً عن مواكبة العصر ومسايرة التقدم والرقي فتتجه أنظاره نحو الغرب لاقتفاء أثره والسير على نهجه في جميع نواحي الحياة فينفصل بذلك عن دينه ويحيا حياة على النمط الغربي وحسب مفاهيمه، فإذا كان ذلك... صار الإسلام عقيدة روحية فحسب ولا مكان لنظامه فيتمكّن الغرب من السيطرة عليه آنذاك وهزمه "لنبدأ حرب الكلمة فهي وحدها القادرة على تمكيننا من هزيمة المسلمين" لويس التاسع.


لقد تأكد الغرب أن لا ولوج لهذا الحصن إلا بفصل نظام الإسلام عن عقيدته وإلغاء مفاهيمه من الحياة، يقول المستشرق المبشر (لورنس براون): "ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام وفي قوته على التوسع والإخضاع وفي حيويته إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي".


سعي حثيث وعمل دءوب قام به الغرب للنيل من الإسلام حتى يسود مبدؤه الرأسمالي ويتسنم قيادة العالم وسيادته فلمّع الشعارات ونمّق المفاهيم وقدّمها زهورا لا تحمل سوى الأشواك الجارحة والتي سببت الآلام والمتاعب لكل من تعاطاها وسار على خطاها.


لطالما ركّز الغرب اهتمامه على المرأة المسلمة لما تلعبه من دور مهم في بناء الأسرة وفي تربية الأجيال، ولعل اجتياحه لبلاد المسلمين بعد سقوط دولتهم وفقدانهم لإمامهم - جُنَّتِهم - ساهم مساهمة بالغة في تركيز مفاهيمه وتمريرها لتحلّ محلّ المفاهيم الإسلامية التي عاش بها المسلمون قرونا عديدة فكانوا بفضلها أسيادا قادة يحفظون للإنسان كرامته وآدميته ويحفون المرأة بكل عناية وحماية فتجيّش للذود عنها الجيوش وتحطّم من أجلها العروش.


لقد تفطّن إلى أنّ الطريق سيكون أسهل للولوج إلى البلاد الإسلامية وضرب المفاهيم فيها إن هو توجه إلى المرأة وحاول صرفها عن أحكام دينها وتشكيكها في صلاحية شريعتها...


شجّع الغرب العديد من الجمعيات ودعمها ماديا حتى تمكّن من تكوين أصوات له تنادي بأفكار دخيلة على مفاهيم الأمة وتشجع المرأة على الخروج عن أحكام دينها ووظف لذلك الإعلام وخاصة المكتوب الذي صار يدافع عن المرأة المسلمة فصور "درية شفيق" زعيمة حزب بنت النيل على أنها داعية رائدة لتحرير المرأة المصرية من أغلال الإسلام وتقاليده.


إنّ رفع شعار تحرير المرأة هو سلاح آخر يستخدمه الغرب في هجمته الشرسة على الإسلام وشريعته حتى تتفتت الخلية الأولى ومنها تزيد الأمة تمزقا وتشتتا وقد صارت عليلة مريضة ضعيفة بعد سقوط دولتها وحصنها المنيع.


وما زالت مطالب الحركات النسائية قائمة تنادي بما نادت به منذ قيامها فقد ركزت على الدعوة إلى السفور وخلع الحجاب من خلال الدعوات كدعوات قاسم أمين ومن خلال المؤلفات التي كتبت للهجوم على هذا الحكم الشرعي والرد على كل من يدافع عنه. فها هي نظيرة زين الدين تؤلف كتاب "السفور والحجاب" تدّعي فيه أنّ الحجاب ليس من أحكام الإسلام فتلقى استنكارا من الشيخ مصطفى الغلاييني وتردّ عليه بكتاب آخر "الفتاة والشيوخ" تدافع فيه عن السفور وتدعو إلى اختلاط الجنسين...


لم يقتصر العمل على ضرب الأحكام الشرعية وحكم الحجاب تحديدا على الجانب النظري بل تعداه للناحية العملية فقامت هدى شعراوي بمسرحية خلع الحجاب في مصر ونزعت عنبرة سلام في لبنان حجابها...


صاحبت الدعوة إلى السفور دعوة أخرى إلى تعليم المرأة وهي تعتبر أن لا سبيل للمرأة غير التعليم حتى تتحصل على حقوقها وتدافع عن نفسها فبه تحقق ذاتها واستقلاليتها وتؤمن مستقبلها... حتى إنها صارت ملزمة بالإنفاق مثل الرجل حسب ما جادت به عليها الاتفاقيات والقوانين والمواثيق لتحسب نفسها فازت فوزا عظيما وقد باءت بالخسران المبين: خسرت حياة الكرامة والعز التي يُلزَم فيها الرجل شرعا بالإنفاق عليها وعلى أولادها.


لقد تزعمت "هدى شعراوي" هذه الدعوة المنادية بضرورة عمل المرأة فأكدت أن لا فائدة من علم بلا عمل وأن المرأة المتعلمة إن لم تعمل ذهب علمها هباء منثورا.


كانت هدى شعراوي ورفيقتها زينب محمد مراد أوّل من نزع الحجاب وذلك بعد عودتهما من مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي الذي عقد في روما أيدتهما درية شفيق التي رفعت دعوة التحرر من أغلال الإسلام وتقاليده المكبلة للمرأة - على حد زعمها - والقائمة تطول في ذكر من وُظّفْن لضرب أحكام الإسلام المتعلقة بالمرأة خاصة كأمينة السعيد وسهير القلماوي ونوال السعداوي التي لا زالت إلى اليوم لا تتوانى عن نشر أفكارها الهدامة الساعية من ورائها إلى صرف المرأة عن دينها وإفسادها وهو ما يؤدي حتما وبالضرورة إلى إفساد المجتمع.


متعددة ومتنوعة هي الأساليب التي انتهجها الغرب في التعامل مع المرأة أو كما أطلق عليها "قضية تحرير المرأة" حيث جعلها شغله الشاغل وصارت محط نظره واهتمامه لعلمه "إنّ رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنية تتمناها أوروبا" (محمد طلعت حرب)


إنّ سقوط دولة الخلافة بعد ضعف "الرجل المريض" ساعد الغرب على تمرير أفكاره بسلاسة ممزوجة بمكر ودهاء كبيرين إذ روّج لأفكار جديدة أوهم الناس أنها الدواء الشافي فقام أعوانه المضبوعون بهذا الدور، فنادى رفاعة الطهطاوي بالحرية بعد عودته من فرنسا وطالب بجعل الشريعة الإسلامية على غرار القوانين الغربية وركز على المرأة وتعليمها ومنع تعدد الزوجات واختلاط الجنسين...


حرب طويلٌ مداها شنها الغرب على الإسلام وما زال أعوانه لا يتوانون عن تكريسها فالعلمانيون لا يدخرون نفوذا سياسيا ولا منبرا إعلاميا إلا وظّفوه لذلك وللحديث عن المرأة والتركيز عليها فكانت على رأس قائمة اهتماماته، فحاول تسليط الضوء على مفاهيم إسلامية للتشكيك فيها ولجعل المرأة تنفر منها وتعتبرها مهينة لها غير صالحة في زمنها هذا...


...رغم كل هذه المحاولات لا زال الغرب يبحث عن نتائج أفضل لتُخرِج المرأة المسلمة عن أحكام دينها فأسّس الجمعيات النسوية الضاربة لمفاهيم الإسلام وشجّعها علنا تحت شعار الحريات كـ"جمعية فيمن" التي تدّعي أنّها تدافع عن المرأة وهي في الواقع تهينها وتنظر إليها نظرة دونية لا ترقى عن الحيوانية.


لا زال يضخّ الأموال الطائلة حتى تحيد المرأة المسلمة عن الأحكام الشرعية وتشك في إنصافها لها فتراه بجمعياته ومنظماته يجوب بلاد المسلمين يتنقّل من بلد إلى آخر ليعلّم نساءه الحرية والكرامة وليرقى بهنّ - كما يروّج لذلك - وهو يمرّر أفكاره ومفاهيمه الهدّامة.


لقد بان جليا ما يخطّط له الغرب للنيل من الأمة بوسائل متنوعة ولكن ما يملأ القلب كمدا ما نراه من أبناء الأمة الذين يعملون مع عدوّها وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا يكرّرون مفاهيم الغرب الهدامة ويحسبون أنهم متمسكون بمفاهيمهم... فهل هو الجهل أم العمالة في إحدى صورها؟؟؟


تخرج علينا كاتبة متحجبة تدّعي من جهة أنها تدافع عن المرأة المسلمة الملتزمة بحجابها التي سلبها حجابها أنوثتها فمنعها من التمتع بهذه الأنوثة ومن الإحساس بجمال جسدها، ومن جهة أخرى تنفي فكرة أن تنزع حجابها فهي مقتنعة به فرضا. وهي إن طرحت هذه المسألة، فإنّها فقط لتعبّر عما يختلج في صدر المسلمة وعما تحسّ به من كبت لمشاعرها كأنثى تتباهى بجمالها أمام المرآة وترغب في أن تظهره للجميع ولكن الحجاب يحول دون ذلك.


تناقض في الطرح وضبابية في الفهم فكيف تعيش المرأة المسلمة الملتزمة هذا؟ كيف للمسلمة أن تعيش ازدواجية تجعلها تظهر عكس ما تبطن؟ كيف تعتبر الحجاب فرضا من خالقها وفي الآن نفسه قيدا وكبتا؟


إنّ هذه الدراسة دراسة لا تختلف في محتواها عما قدمته أخريات غير محجبات فزاوية النظر واحدة وهي التعامل مع المرأة كأنثى لا كإنسان خلقه ربه ليعبده ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ فالحجاب حكم شرعي لا قيداً أبدياً للمرأة المسلمة فرضه الله عليها شأنه شأن الأحكام الأخرى التي بتطبيقها تستقيم الحياة وتحيا المرأة حياة العز والهناء كما يرضى لها ربها وخالقها.


فهي تقوم به طائعة مسلمة راضية وإن حدّثتها نفسها بأمر فعليها أن تضعه في ميزان الحلال والحرام فتدرك ما عليها فعله وما عليها اجتنابه حتى تسعد برضوان ربها، يقول عليه أفضل الصلاة والسلام «لا يؤمن أحدكم حتىّ يكون هواه تبعا لما جئت به».


ما خفي على هذه الأديبة أنّ المسلمة مهما حدّثتها نفسها فإنها لن تسمع لها وتسعى جاهدة للتغلب عليها وترويضها حسب ما شرّعه ربها، وإن فعلت ذلك فبناء عن قناعتها بأنّ فيه كل الخير والسعادة وعليها أن تكيّف سلوكها وهواها حسب أحكام ربها يقينا بصلاحها.


هذا ما على المسلمة البحث عنه - إرضاء ربها وطاعته - أما أن تتحدث هذه الكاتبة بلسان المرأة المسلمة فتدّعي أنّها تعبّر عما يراودها من مشاعر أنثوية ومن شعور بقمعها فنقول لها كما قلنا سابقا لكاتبة أخرى علمانية تزعّمت حركة الدفاع عن المرأة عبر مؤلفاتها المسرفة في الهجوم على أحكام الإسلام: "لم تمثلي جدتي ولا أمي ولن تمثليني وابنتي!"


أتوجه إليك أيتها الأديبة: أما كان الأجدر أن تَسُني قلمك للبحث في مشاعر المرأة المسلمة وهي تغتصب في سجون الطغاة؟.. وهي تفقد زوجها وابنها وأباها وأخاها في غياهب السجون؟... وهي ترى العباد والبلاد جثثا وركاما تحت البراميل المتفجرة والأرجاء يملؤها الدمار.؟.. وهي ترى فلذات كبدها يموتون جوعا تحت الحصار؟... وهي ترى أهلها يحرقون أحياء أو يموتون وسط البحار... هل جفّ حبر قلمك وتحجّر قلبك وإحساسك أمام كل هذا؟! أم أنّ "قضية المرأة" موضوع مربح يجنى منه المال والشهرة وهذا ما لا تحققه جوانب الطرح الأخرى؟!


ما هكذا تُطرَح القضايا وما هكذا تُحَلّ الأمورُ وما هكذا تُنصَف المرأةُ! وحده خالقها هو الذي أنصفها بشريعته العادلة وبها وحدها تحيا عزيزة مكرمة!!


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
زينة الصامت

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني