مليونية خلع الحجاب ليست عودةً للعصر الجميل بل جولة في الحرب على الإسلام
April 22, 2015

مليونية خلع الحجاب ليست عودةً للعصر الجميل بل جولة في الحرب على الإسلام

مليونية خلع الحجاب ليست عودةً للعصر الجميل بل جولة في الحرب على الإسلام

دعا الكاتب الصحفي شريف الشوباشي، عبر تدوينة له على "فيس بوك" فتيات مصر لخلع الحجاب في ميدان التحرير؛ وذلك خلال تظاهرة عامة (مليونية)، في يوم بالأسبوع الأول من شهر أيار/مايو المقبل، وقال أنه يدعو إليها من أجل تصحيح المفاهيم الوافدة من الحركات الوهابية. وقد رحبت هدى بدران - رئيسة الاتحاد العام لنساء مصر - بدعوة الشوباشي، وقالت بدران، لـ"الوطن"، إن دعوة الشوباشي لخلع الحجاب "صحوة سياسية للمرأة المصرية"، و"صفعة" على وجه "الإخوان" والدعوات السلفية. وأكدت رئيس الاتحاد العام لنساء مصر، أن جماعات الإسلام السياسي منذ انتشارها في فترة السبعينات والثمانينات، وهي تحاول تغيير مفاهيم الهوية الثقافية للمجتمع المصري، كي يتلاءم مع حلم "دولة الخلافة"، الذي بدأوه بفرض الحجاب على المرأة المصرية، وانتشار بعض الشعارات، مثل "أختي المسلمة" و"الحجاب فريضة".


إن الدعوة لمليونية خلع الحجاب تأتي في إطار الحرب على الإسلام وأحكامه، والتي تشنها الدول الغربية وأتباعها من الحكام ووسائل الإعلام والمضبوعين بها من المفكرين والناشطين في مجال حقوق المرأة، فالهجوم على الحجاب هو هجوم على عبادة المسلمة لخالقها، هجوم على كونها ملتزمةً بأحكام الشريعة الإسلامية وليس بأفكار الرأسمالية العفنة ودعاوى التحرير التي تطلقها.


ولو نظرنا في التاريخ لوجدنا أن المسلمات التزمن باللباس الشرعي على مر العصور دون أن يتحول إلى موضوع أخذ ورد بين المسلمين، أو يعتبر ارتداؤه حرية شخصية، إلى أن ظهرت حركة تحرير المرأة، التي نشأت في مصر في بادئ الأمر، ثم انتشرت في أرجاء البلاد الإسلامية، تدّعي أنها تريد إزالة الظلم الواقع على المرأة وتحريرها من التبعية للرجل، ومن الشقاء والتعاسة اللذين تعاني منهما، وأنها ستحقق لها السعادة والهناء، وهي في حقيقتها تدعو إلى تحرير المرأة من الآداب الإسلامية والأحكام الشرعية الخاصة بها مثل الحجاب، وأول مرحلة للسفور كانت عندما دعا سعد زغلول النساء اللواتي يحضرن خطبه أن يزحن النقاب عن وجوههن. وهو الذي نزع الحجاب عن وجه هدى شعراوي مؤسسة الاتحاد النسائي المصري، وذلك عند استقباله في الإسكندرية بعد عودته من المنفى. وفي عام 1919م قادت هدى شعراوي مع زوجة سعد زغلول المظاهرة النسائية التي طافت شوارع القاهرة هاتفة بالحرية، «وتجمعت النساء وهتفن ضد الاحتلال... ثم بتدبير سابق، ودون مقدمات ظاهرة، خلعن الحجاب، وألقين به على الأرض، وسكبن عليه البترول، وأشعلن فيه النار... وتحررت المرأة!!!


وها هو السيناريو نفسه يتكرر في مصر اليوم، ومن الجهة نفسها، وبالشعار نفسه "تحرير المرأة وحقوقها" ولكنهم في هذه المرة يضيفون إليه ذريعةً واهيةً جديدةً يحاولون من خلالها تمييع القضية وإخفاء حقدهم على الإسلام وحربهم على أحكامه، بتصوير الموضوع على أنه تصدٍّ لفكر جماعة أو تيار معين، وتصوير الإخوان على أنهم هم الذين يمثلون الدين، خاصةً بعد ثورة يناير وتولي مرسي للحكم، فقد قال الشوباشي عن دعوته لخلع الحجاب بأنها لـ"تصحيح المفاهيم الوافدة من الحركات الوهابية"، والتصدي "للإسلام السياسي والتيار المتطرف" من خلال التصدي لأهم رموزهم وهو الحجاب، وقد طالب الدولة بمحاربته كما تحارب الإرهاب، كما أن هذه الدعوة هي "لتوجيه صفعة على وجه الإخوان والدعوات السلفية" بتعبير رئيسة جمعية نساء مصر. فهل الحجاب هو جزء من أدبيات الإخوان والجماعات السلفية ومشروعهم السياسي أم إنه فرض من عند الله الرحمن حيث قال تعالى في سورة النور: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِ‌هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُ‌وجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ‌ مِنْهَا وَلْيَضْرِ‌بْنَ بِخُمُرِ‌هِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾. وقال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾؟


ثم لماذا يقرنون بين "الإرهاب" "والتطرف" وبين ارتداء الحجاب؟ أم أن الإرهاب ذلك المصطلح المطاط قد أصبح تهمةً لصيقةً بالمسلمين وذريعةً للبطش والتنكيل بهم والتضييق عليهم في أداء شعائرهم الدينية، بينما "الإرهابيون" الحقيقيون وما يرتكبونه من أفعال إجرامية تجاه شعوبهم، وتجاه الشعوب الأخرى (خاصةً المسلمين) لا يتم اعتبارها إرهابًا وتطرفًا.


كما أن دعوات خلع الحجاب هذه المرة تأتي في ظل دعوات تجديد الخطاب الديني التي أطلقها السيسي، حتى تصبح أحكام الإسلام مفصلةً على مقاس النظام وأسياده، حيث قال في كلمته التي ألقاها في الاحتفال بالمولد النبوي والذي نظمته وزارة الأوقاف موجهًا خطابه لأحمد الطيب شيخ الأزهر قائلًا: (أنتم والدعاة مسئولون أمام الله عن تجديد الخطاب الديني وتصحيح صورة الإسلام، وسأحاججكم به أمام الله)، وأضاف قائلًا: (أنا بقول الفكر ده إلي تم تقديسه، نصوص وأفكار تم تقديسها على مئات السنين وأصبح الخروج عليها صعب قوي لدرجة إنها بتعادي الدنيا كلها.. بتعادي الدنيا كلها، لدرجة إن الواحد وستة من عشرة مليار هيقتلوا الدنيا كلها إلي فيها سبعة مليار عشان يعيشوا همّه، لأن الأمة دي بتمُزق.. الأمة دي بتــُدمر.. الأمة دي بتضيع وضياعها بإيدينا إحنا.. إحنا اللي بنضيعها).


فإذا كانت جرأة السيسي على دين الله قد بلغت هذا الحد في ظل صمت بل تواطؤ من قبل بعض علماء الأزهر، فإنه من غير المستغرب أن يتطاول الشوباشي وأمثاله على الإسلام وأحكامه، وأن تخرج مثل هذه الدعوات في عهده، وأن تغير المناهج وتحذف بعض المواد منها استجابة لأوامر أمريكا، وتحرق الكتب الإسلامية بحجة التحريض على "العنف والتطرف".


أما ما قالته رئيسة الاتحاد العام لنساء مصر في حديثها لجريدة الوطن حيث اعتبرت دعوة الشوباشي لخلع الحجاب "صحوةً سياسيةً للمرأة المصرية"، فإنها والله لقمّة الانحطاط والتخلف والرجعية، أن نجعل من الدعوة لمحاربة أحكام الإسلام، والتخلي عن شرع ربنا صحوة، فما وصل حال أهل مصر عمومًا والمرأة خصوصًا لهذا المستوى من الانحطاط والمعيشة الضنكى إلا بعدما ابتعدنا عن شرع ربنا وصرنا نطبق أحكامًا وقوانين وضعية، ونرفع شعارات الدولة المدنية والديمقراطية والحريات...، فالصحوة السياسية الحقيقية للمرأة تكون بتمسكها بأحكام ربها ونبذها للشعارات والأفكار المخالفة لها، والعمل على تغيير الواقع الفاسد، تغييرًا جذريًا وليس فقط بتغيير الوجوه وبقاء النظام على حاله كما حصل في ثورة يناير، والسعي لإيجاد أحكام الإسلام مطبقةً عمليًا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، والتي هي ليست حلمًا كما تدعي بدران، بل هي قاب قوسين أو أدنى ان شاء الله.


وختامًا نقول لمن وصف فترة الخمسينات والستينات والسبعينات بالعصر الجميل، ورفع شعار مصر كانت أجمل "بدون حجاب"، إن حال مصر وأهلها اليوم (خاصةً بعد ثورتهم على نظام مبارك) يختلف عما كانت عليه في تلك الفترة، فهم متمسكون بدينهم رغم محاولات إبعادهم عنه، ورغم كل حملات التشويه والتضليل التي تمارس ضده، خاصةً من قبل الإعلام، وما الغضب والرفض العارم لدعوة خلع الحجاب إلا خير دليل على ذلك، ونحن على ثقة بأن الله سيرد كيدهم في نحورهم، وسيعود العصر الجميل حقًا، ولكن ليس عصر الخمسينات والستينات والسبعينات، بل العصر الذي طبق فيه الإسلام في ظل دولة الخلافة لمدة ثلاثة عشر قرنًا من الزمن، وحينها سينعم أهل مصر بل جميع المسلمين به.


﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أختكم براءة مناصرة

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني