من كامب ديفيد المصرية إلى كامب ديفيد الخليجية
May 26, 2015

من كامب ديفيد المصرية إلى كامب ديفيد الخليجية

من كامب ديفيد المصرية إلى كامب ديفيد الخليجية

وقعت اتفاقية كامب ديفيد المصرية، بين كيان يهود ومصر برعاية أمريكية، وكان الهدف الأساس منها هو فتح الطريق للاعتراف بدولة يهود، وقد اشتملت على عدد من البنود السرية وكان من أهم تلك البنود السرية، حسب الصحف اليهودية، عدم اشتراك مصر في أي حرب تنشب بين كيان يهود وأي دولة عربية، وتبادل المعلومات الأمنية بين مصر وكيان يهود، ومتابعة المفاوضات حول قيام تعاون عسكري، وإرسال خمسة آلاف فني ومستشار عسكري أمريكي إلى مصر للعمل بقواتها المسلحة. تتدخل أمريكا في حالة نقض مصر للاتفاقية أو لأي بند من بنودها بوصفها الطرف الضامن للاتفاقية، وبهذا ثبتت أمريكا أقدامها في أرض الكنانة وبموجب ذلك تلتزم واشنطن بحماية حكم أنور السادات.


وبعد ست وثلاثين سنة، وقع الأمريكان كامب ديفيد جديدة، ولكن هذه المرة بين أمريكا ودول الخليج، فلماذا كامب ديفيد، ولماذا تصر أمريكا على إعادتها مع حكام الخليج والسعودية؟ ولو بوجوه جديدة وسيناريو جديد، مع المحافظة على هدف الهيمنة بوصفه جوهر القضية؟


ولفهم طبيعة العلاقة بين أمريكا ودول الخليج سوف نرجع بذاكرتنا إلى الوراء لنستشف من التاريخ بداية وتطور هذه العلاقة. فقد كان الخليج مستعمرة بريطانية، حيث عقدت بريطانيا معاهدات مع مشايخ الخليج تحظر منح امتيازات لأجانب غير بريطانيين دون موافقة الحكومة البريطانية، وقد أدت هذه المعاهدات إلى عرقلة المساعي الهادفة في أعتاب الحرب العالمية الأولى للحصول على امتيازات نفطية في منطقة الشاطئ العربي للخليج.


وفي العام 1920م، طالبت الولايات المتحدة بريطانيا، في مؤتمر (سان ريمو) بضرورة مشاركتها بنفط الخليج، لكن الأخيرة رفضت ذلك رفضًا قاطعًا في ذلك الوقت، مما حدا بالرئيس الأمريكي وودرو ويلسون لإرسال رسالة إلى الحكومة البريطانية يقول فيها: (إنكم تريدون ممارسة نوع من الاستعمار أصبح موضة قديمة). وفي عهد روزفلت جرى ضغط شديد على رئيس الوزراء البريطاني (ونستون تشرشل، من أجل حصول الولايات المتحدة على نصيب أكبر في نفط الخليج. وبرسالة تشرشل إلى اللورد أوليفر بروك، التي قال فيها ردًا على ضغط الولايات المتحدة: (إنني أفهمك جيدًا، ولكني أخشى أن عالم ما بعد الحرب قد ينهار إذا دخلناه ونحن في معركة مع الولايات المتحدة حول النفط).


فهذه الرسالة هي إيذان بأن الولايات المتحدة قد اخترقت الحواجز البريطانية، حول نفط الخليج، وقد بعث روزفلت بلجنة رئاسية للشرق الأوسط، زارت كلاً من السعودية والعراق وإيران والبحرين والكويت وقطر، وعند عودتها قدمت تقريرًا للرئيس روزفلت بدأ بالعبارة التالية: (إن بترول الشرق الأوسط هو أعظم كنز تركته الطبيعة للتاريخ، وإن التأثير الاقتصادي والسياسي لهذا الكنز سوف يكون فادحًا). ولما سئل وزير الخارجية جيمس بيرنز ما هي الحصة يا سيادة الرئيس التي ينبغي أن نسيطر عليها من بترول الشرق الأوسط؟ سكت روزفلت برهة ثم أجابه (لا أقل من 100%).


كتب هارولد اكس إلى روزفلت يقول: (إن الشرق الأوسط مجرة كونية هائلة من حقول البترول، لا يعرف أحد نظيراً لها في الدنيا، وأن السعودية هي شمس هذه المجرة، فهي أكبر بئر بترول في الشرق الأوسط، وأن الظروف فيها مناسبة، حيث فيها الملك عبد العزيز آل سعود يريد شيئين، المال وحماية العرش، وإن على الولايات المتحدة أن تقوم بتأمين ذلك). وبالفعل فقد تم ترتيب الأمر مع الملك عبد العزيز، عندما التقاه روزفلت على ظهر الطراد الأمريكي (كوين) في البحيرات الحرة وسط قناة السويس، فحصلت أمريكا على نفط السعودية بموجب اتفاق بين الملك وشركة أرامكو.


لقد وقف رئيس أكبر شركة نفط أمريكية (سكسوني فلكوم) عام 1945م ليقول بالحرف الواحد: (إن إدارة شئون البترول تختلف عن إدارة شئون أي سلعة أخرى، ذلك لأن شئون البترول في 90% منها سياسية، و10% منها بترول)، ثم زاد: (إذا كان محتمًا على الولايات المتحدة أن تدير شئون البترول في العالم، فإن عليها أن تدرك طوال الوقت بأنها مطالبة بأن تفعل ذلك حتى خارج حدود سياستها الإقليمية، وخارج حدود القانون الدولي إذا دعا الأمر ذلك).


أما الرئيس كارتر فقد أعلن أمام الكونغريس في 1980/01/23م ما عرف آنذاك بمبدأ كارتر، حيث قال: (إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز سيطرة في منطقة الخليج، سوف يعتبر في نظر الولايات المتحدة هجوماً على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل بما فيها القوة العسكرية.)


هذا السرد التاريخي كان لا بد منه لإيجاد خلفية تساعد على فهم مؤتمر كامب ديفيد بين أوباما ودول الخليج، فإن نظرة أمريكا لمنطقة الخليج، باعتبارها مجرة من البترول، وأنها لن تقبل بأقل من 100% منها، وأنه يجب وضع اليد عليها، ولو خالف ذلك القانون الدولي، وأنها تعتبر من المصالح الحيوية الأمريكية والمحافظة عليها واجبة ولو بالقوة العسكرية. هذا كله يجعل للخليج أهمية قصوى لدى أمريكا.


هذه هي الخلفية التي تحاور بها أمريكا حكام الخليج، وهي من الثوابت التي لا تقبل المساومة عليها، لذلك فهي تريد أن تضع منطقة الخليج بالكامل تحت إبطها. وبالرغم من التحالفات والقواعد العسكرية المنتشرة في كل أنحاء دول الخليج، إلا أنها - أي أمريكا - تحتاج إلى المزيد من التأمين، خاصة بعد بروز الإسلام السياسي كعنصر فاعل في التأثير على قضايا المنطقة، في ظل الأوضاع المضطربة في الشرق الأوسط الحبلى بالمفاجآت، ومن أجل ذلك كان مؤتمر كامب ديفيد؛ الذي وُقِّت له بعناية فائقة، حيث جاء بعد إحراز تقدم في ملف إيران النووي، الذي يصلح أن يكون فزاعة لحكام الخليج، فيقبلون على العرض الأمريكي بالحماية والوصاية. إن أمريكا كانت قد اتخذت من تنظيم القاعدة مبررًا جيدًا لاحتلال أفغانستان، ومن تنظيم الدولة حجة قوية للبقاء في العراق، والآن تريد أمريكا أن يكون نووي إيران فزاعة لتحكم قبضتها على منطقة الخليج، وذلك بدفع حكامها لطلب الحماية والرعاية والعناية الأمريكية.


ولكن هيهات هيهات، أن تستطيع أمريكا أن توفر لهم الحماية، فعندما أصابت الرصاصة الرئيس السادات، قال (موش معقول). فقد ظن الرجل أن الخبراء الذين أرسلتهم أمريكا سوف يحمونه، ويعتنون بحراسته الشخصية، ولكن هذا لم يحدث فقتل أمام الآلاف من جنوده، أمام أعين كاميرات التلفزيون، وكلها لم تغنِ عنه شيئًا. ثم جاء نظام مبارك وكان أشد النظم حرصًا على البقاء في الحكم، وأكثرها ولاء، وقد سهر على المصالح الأمريكية في المنطقة كلها وليس في مصر وحدها، ومع ذلك انتهى به المطاف إلى السجن، ولم تقدم له أمريكا شيئًا.


إن أمريكا هذه؛ دولة رأسمالية استعمارية، لا تعرف غير مصالحها، وإنها عدوة للإسلام والمسلمين، فينبغي أن يتعامل معها على هذا الأساس لا غير، ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. وبما أن هذه الدول القطرية تعجز عن الوقوف في وجه أمريكا فرادى، كان لا بد من التفكير الجاد في الطريقة التي ندفع بها - نحن الأمة الإسلامية - عن أنفسنا هذا الشر، ونجمع بها شتات هذه الدويلات، ولا طريق غير الجهاد في سبيل الله كما قال الصديق رضي الله عنه (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا)، ومن المعلوم أن الجهاد يحتاج إلى من يقاتل من ورائه ويتقى به؛ خليفة رباني راشد، يجمع شتات هذه الدويلات ويعز الله به الإسلام والمسلمين ويحمي بيضتهم، ويذل به الكفر وأهله. اللهم اجعل ذلك قريبًا.



كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس/ حسب الله النور

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني