من خواطر ذكرى رجب الأليمة بهدم الخلافة - حال التعليم
من خواطر ذكرى رجب الأليمة بهدم الخلافة - حال التعليم

نعيش هذه الأيام أجواء الذكرى الأليمة بهدم الخلافة التي فقدنا بسببها الدولة الراعية والحاكم العادل الذي يحكم بشرع الله في كل مناحي الحياة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وتعليميا وكل شيء، فصار هناك أنظمة ذليلة تابعة للغرب الكافر تركت شرع الله إلى شرع البشر، تنفذ ما يمليه عليهم الغرب المستعمر. ومن ضمنها  نظام التعليم وكل ما يتعلق به في المدارس والجامعات.

0:00 0:00
السرعة:
April 13, 2018

من خواطر ذكرى رجب الأليمة بهدم الخلافة - حال التعليم

من خواطر ذكرى رجب الأليمة بهدم الخلافة

حال التعليم

نعيش هذه الأيام أجواء الذكرى الأليمة بهدم الخلافة التي فقدنا بسببها الدولة الراعية والحاكم العادل الذي يحكم بشرع الله في كل مناحي الحياة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وتعليميا وكل شيء، فصار هناك أنظمة ذليلة تابعة للغرب الكافر تركت شرع الله إلى شرع البشر، تنفذ ما يمليه عليهم الغرب المستعمر. ومن ضمنها  نظام التعليم وكل ما يتعلق به في المدارس والجامعات.

فقد كثر الكلام عن التعليم وسياسته وتغيير مناهجه في العالم الإسلامي عامةً وفي البلاد العربية خاصة بما يتناسب مع مصلحة الأعداء في حربهم القائمة على الإسلام والعقيدة الإسلامية، ومع أن تلك المناهج كانت أصلاً عقيمة، إلا أنها ازدادت عقما وإفساداً وابتعاداً عن جوهر الدين والعقيدة، وكذلك قتلا للإبداع والتفكير، وذلك بمباركة الحكام وأعوانهم على الباطل مبتعدين جدا عن سياسة خلفاء المسلمين وحكامهم.. هؤلاء الخلفاء الذين أضاءوا الدنيا باتباعهم شرع الله في حكمهم.

وأنا أنظر حولي لحال التعليم عندنا وما نعانيه، أخذني الخيال إلى تصور الوضع لو جاء أحد هؤلاء الخلفاء خاصة الراشدين منهم ورأى  وشاهد حال التعليم عندنا..!! لو جاء مثلا الفاروق عمر بن الخطاب، فهو رضي الله عنه  من الخلفاء الذين تشدني سيرتهم وشخصيتهم الإسلامية وتثير إعجابي بل وانبهاري، وهو الخليفة الذي نأمل - وبحول الله نعمل – أن يكون مثله بيننا في أيامنا هذه.. فهو الخليفة العادل والصارم والرحيم; عدله وشموخه، قوته وشدته في الحق ورحمته بالضعفاء، قسوته على الظالمين وخشوعه بين يدي خالقه، قوة شكيمته في مواجهة أعداء الإسلام  سواء من الخارج أو من الداخل..

تخيلته جاء وعلم بما يملوه علينا من تعليم لأبناء المسلمين!! بالأفكار الهدامة التي يغزون عقولهم بها مثل الحريات والوسطية  والديمقراطية والعلمانية وحوار الأديان والعولمة.. وغيرها من مفاهيم غربية تناقض الإسلام. عن تحريف حقيقة العهدة العمرية التي يتشدقون بها دائما في كلامهم عند الحديث عن التعددية والتسامح بين الأديان!!

عن المدارس الأجنبية التبشيرية والعلمانية المنتشرة في بلادنا طولا وعرضا، والتعليم المختلط الذي جعلوه حقيقة واقعة وبأساليب خبيثة في عدد من البلاد والمدارس، فهذا نوع من الرّقي والتقدم الفكري والثقافي!!

عن" الفن الراقي" في المدارس والجامعات من نحت وتمثيل ورسومات غير مفهومة، ليبتعدوا عن "الانغلاق والرجعية" ويلحقوا بركب الحضارة الغربية!!! عن الغناء والرقص والموسيقى والرياضة بما يصاحبها من كشف للعورات واختلاط  لا يقبله الشرع، وغيرها من الأنشطة الفاسدة المفسدة بحجة الترفيه والتخفف من ضغوطات الحياة أو بحجة الوطن والمناسبات الوطنية والتراث الشعبي!!

عن "جنون الرياضة" التي ألصقوا بها "العقل السليم في الجسم السليم" مع أنهم حولوها بطريقتهم إلى سباق محموم من أجل الفوز فقط وليس من أجل سلامة العقل أو الجسم، بل من أجل تخريب العقل والجسم بإدخالهما في دوامة التنافس غير الشريف والسباقات التي لا فائدة منها سوى العائد المادي أو الشهرة الزائفة بغض النظر عن توافقها مع الدين أو الأخلاق؟!

 
يرى كتب "التربية الإسلامية".. عفواً.. أقصد "التربية الدينية" التي لا تتعدّى بعض الأحكام والعبادات بدون حتى إثارة الدافعية لدى طلابنا للبحث والتعمق في العقيدة الإسلامية التي صوّروها جامدة ومعقدة وغير مفهومة!! وكأن ديننا فقط هو دين عبادات وليس نظام حياة شامل وكامل يتعلق بكل أمور الحياة ويصلح لكل زمان ومكان!! ولا يفهّمونهم أنَّ أساس أي عمل هو الحكم الشرعي وأوامر الله ونواهيه! وحذفوا منها كل ما يتعلق بالجهاد وبأن الدين عند الله الإسلام.. وحتى من يدرّس العلوم الدينية يدرسها كمادة أكاديمية بحتة مثلها مثل أي علمٍ دنيويٍّ آخر، فلا تنعكس هذه المفاهيم على سلوكه وتصرفاته، ولا يحاول حتى أن يجتهد فيما يدرسه إلا من رحم ربي.

يرى العلوم من رياضيات وفيزياء وفلك وكيمياء وأحياء وتكنولوجيا وغيرها جامدة، يحفظها الطالب ويلفظها على ورقة الامتحان وينساها بعد ذلك!! بدل أن تكون علوما عمليّة إبداعية كأساس للتقدّم الفكري والرّقي العلمي وتنشيط العقل الذي هو نعمة منحها الله للبشر!!

 
يسمع اللغة العربية الفصيحة أين وصلت بها الحال من الانحدار، لغة القرآن العظيم الذي أصبح من يتكلم بها في غير مكان الخطب والحوارات في وسائل الإعلام وكأنه إنسان غريب.. يراها مهجورة، وطاقتها الإسلامية مفصولة عنها، فأصبحت باهتة  في عيون متكلميها ولا تساعدهم على فهم الإسلام الصحيح، بل وإن كثيرا من التافهين يصرُّ على إدخال ألفاظٍ أجنبية وسط كلامه حتى يظهر لغيره أنه إنسان مثقف ومتحضر!! ولا يعرف أنه بذلك يعلن جهله وإفلاسه وسطحيَّته!!!

يرى أن العلم أصبح وسيلة لنيل الشهادة أو "الكرتونة" حتى لو بطريق الغش والخداع والكذب.. لم يعد العلم لينهض بنفسه وأمته على أساس العقيدة الإسلامية لإيجاد الشخصية الإسلامية القوية التي ستعمر الأرض وتبني الإنسان وتنشر الإسلام...  يرى .. ويرى.. ويسمع.. ويسمع.. و.. و.. و........

 
ماذا ترى الفاروق سيفعل آنذاك عندما يرى ويسمع كل هذا وغيره كثير؟! من المؤكد أنه أول ما سيحاسب سيكون الحكّام لأنهم القائمون على أمور الأمة والبلاد والمسؤولون عنها، وهو من كان صارماً ودقيقاً جدا في اختيار ولاته وشديداً عليهم في المحاسبة.. أغلب الظنِّ أنه سيأمر بقطع رؤوسهم على الملأ، فهم أهم أسباب الفساد والإفساد .. ولا مجال لسماع حتى دفاعهم المزعوم فلا عذر لهم في التفريط بحق الله والعباد، ومن لا يخاف الله لا يخاف العبد .


نسأل الله تعالى أن يعيد لنا مثل خليفتنا الفاروق رضي الله عنه ..نسأله سبحانه أن يكون يوم النصر قريباً ..نسأله أن يجعلنا من  شهود وجنود الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بإذنه تعالى..

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مسلمة الشامي ( أم صهيب)

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني