مناجم الذهب في الإسلام ملكية عامة وفي الرأسمالية نهب للحكام والشركات
مناجم الذهب في الإسلام ملكية عامة وفي الرأسمالية نهب للحكام والشركات

في ظل الأنظمة الرأسمالية تبحث الحكومات عن المال في كل مكان وتلهث لهثا من أجل حفنة من الثروات وتسعى لامتلاكها بأية كيفية كانت وتتصرف دون إذن من الشارع عز وجل فتعطي بعض الشركات الامتيازات بطرق ملتوية للتنقيب عن الذهب، فقد أكد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي السوداني جبريل إبراهيم على ملكية معدن الذهب للدولة وليست للأفراد. وأضاف: "رغم ذلك سمحنا للأفراد بالعمل في التنقيب عن الذهب وتصديره وهذا أمر غير موفق"، وفي 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 أوردت الحرة كوم، تحت عنوان (السودان تلال من ذهب في السودان ...

0:00 0:00
السرعة:
June 28, 2021

مناجم الذهب في الإسلام ملكية عامة وفي الرأسمالية نهب للحكام والشركات

مناجم الذهب في الإسلام ملكية عامة وفي الرأسمالية نهب للحكام والشركات

في ظل الأنظمة الرأسمالية تبحث الحكومات عن المال في كل مكان وتلهث لهثا من أجل حفنة من الثروات وتسعى لامتلاكها بأية كيفية كانت وتتصرف دون إذن من الشارع عز وجل فتعطي بعض الشركات الامتيازات بطرق ملتوية للتنقيب عن الذهب، فقد أكد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي السوداني جبريل إبراهيم على ملكية معدن الذهب للدولة وليست للأفراد. وأضاف: "رغم ذلك سمحنا للأفراد بالعمل في التنقيب عن الذهب وتصديره وهذا أمر غير موفق"، وفي 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 أوردت الحرة كوم، تحت عنوان (السودان تلال من ذهب في السودان.. ما قضية جبل عامر والبشير و"حلفائه الألداء"؟) جاء فيه: "تم اكتشاف الذهب في تلال جبل عامر من معدنين متجولين في نيسان/أبريل 2012، ليتحول إلى أغلى مورد طبيعي في البلاد، إلا أن رموز النظام السابق استغلوه لتحقيق ثروات ضخمة. وفي وقت كان الشعب يعاني من الفقر والبطالة والاقتصاد ينهار، سخر الرئيس المخلوع، عمر البشير، وحلفاؤه ذهب جبل عامر لمصالحهم الخاصة".

وأوردت أيضا وكالة سونا للأنباء في 16/10/2020 خبرا تحت عنوان: "السودان يمنح عقود امتياز تنقيب عن الذهب لسبع شركات ويستعد لطرح عطاء دولي لاستقطاب 8 شركات أخرى"، جاء فيه: "أعلن السودان، منح 10 عقود امتياز للتنقيب عن الذهب لست شركات محلية وواحدة صينية". وقالت وكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا)، إن وزير الطاقة والتعدين خيري عبد الرحمن وقع العقود عن الحكومة مع مدراء الشركات، بحضور السفير الصيني في الخرطوم ماشين مين، وتشمل أيضا التنقيب عن المعادن المصاحبة للذهب. ووفقا للوكالة، كشف خيري عن عطاء دولي قريب للإعلان عن 16 عقدا جديدا للتوقيع مع 8 شركات أخرى.

من جهته، قال مدير عام الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية سليمان عبد الرحمن إن إجمالي المساحات الصالحة للتعدين بالبلاد تصل مليوناً وثمانمائة ألف كيلومتر. وأكد السفير الصيني ماشين مين سعادته بتوقيع الاتفاقيات، قائلا إنها ستدعم العلاقات بين البلدين. وفي 15/03/2021 أوفدت الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية بالسودان، فريقا متكاملا لاستئناف العمل في مشروع إنتاج الذهب بجبل عامر بشمال دارفور. وتأتي زيارة البعثة بعد تنازل شركة "الجنيد" عنه لصالح الحكومة السودانية ممثلة في وزارة المعادن. عن رئيس المأمورية الجيولوجي محمد الحافظ بانقا القول إنهم يتوجهون اليوم لمنطقة جبل عامر للبدء في إنتاج الذهب خلال هذا الأسبوع، بعد انتهاء عملية التسليم والتسلم بين شركة الجنيد والحكومة.

هكذا أصبح أمر الذهب في هذه البلاد يُعطى لشركات بعد تعاقدات من الحكومة معها فيمتلكها أفراد بعد إبرامهم اتفاقيات مع الحكومة مع توضيح نسبة الحكومة والشركة المنتجة، ورغم وجود هذه الثروات الضخمة من الذهب في هذا البلد الذي يعتبر من أكبر البلاد التي تنتج الذهب ولا يظهر هذا في حياة أهل البلد الذي ورث الفقر والعوز من هذه الأنظمة الرأسمالية، وليت هذه الأموال تنفق على أهل البلد في الصحة والتعليم والأمن بل تذهب إلى جيوبهم النتنة. وعلى حسب هذا الواقع يخرج علينا وزير المالية مدعيا أن الذهب ملك للدولة! فأصبح هذا المعدن النفيس ملكية للدولة وتارة تعطيه الدولة لشركات مع تخصيص نسبة للحكومة وليس لأهل البلد. وطبيعي أن تتعامل الدولة بهذه العشوائية في ظل غياب منهج راق يستند إلى عقيدة أهل البلد؛ الإسلام العظيم الذي فصل في هذه الملكيات تفصيلا دقيقا ولم يترك لعقل الإنسان القاصر أن يبدي فيه رأياً.

فالإسلام جعل الملكية في ثلاثة أصناف هم الأفراد والدولة وعموم الناس. أما ملكية الأفراد فقد ثبتت بأحكام كثيرة منها أحكام الميراث التي جعلت نصيبا للأفراد في مال الموروث، وأحكام الأجر على العمل والمنفعة، وأحكام الصيد والشركات وغيرها كثير. أما ملكية الدولة فقد ثبتت بأحكام كثيرة منها الجزية، وخمس الركاز، والخراج، والفيء والأنفال. وأما الملكية العامة فقد ثبتت بأحكام اشتراك الناس بالماء والكلأ والنار، والمعادن المتوفرة بشكل كبير كالحديد والمنغنيز والذهب وغيرها.

إن الإسلام جعل للفرد الحق في أن يتملك ما يقوم بحاجته وحاجة من يعول. والدولة بوصفها راعية لشؤون الرعية لا بد لها من مال تستعمله للقيام بواجبها تجاه الرعية وحماية الرعية والبلاد من الأخطار الداخلية والخارجية، والقيام على أمن الناس وسلامتهم. فجعل الإسلام للدولة الحق في تملك ملكيات معينة تعود عليها بالمال اللازم للقيام بواجباتها دون الحاجة لأموال الأفراد التي فرضها الله تعالى لهم. وكذلك فإن هناك حاجات للرعية لا يختص بها فرد دون غيره فهي حاجات للرعية بوصفهم جماعة من الناس وليس بوصفهم الفردي. وذلك مثل المراعي والغابات والأنهار وشواطئ البحار والطرقات ومراكز التعليم والتطبيب وغيرها. والإسلام قد خص الجماعة بملكيات خاصة بالجماعة تؤدي للحفاظ على الجماعة وعدم تفرقها والبقاء عليها دون الحاجة لمال الأفراد أو مال الدولة.

والملكية العامة تعرف بأنها إذن الشارع للجماعة في الانتفاع بالعين. وهذه الأعيان تتحقق في ثلاثة أنواع هي: الأعيان التي تعتبر من مرافق الجماعة بحيث إذا لم تتوفر للجماعة تفرقوا في طلبها، والمعادن التي لا تنقطع، والأشياء التي طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الفرد بحيازتها. فعن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ». ما يعني أن الماء كالأنهار والبحار وشواطئها والأحواض المائية والمراعي الشاسعة في الجبال والسهول والمروج والغابات، والنار بمعنى مصادر النار كالغابات الخشبية ومناجم الفحم والغاز والنفط كلها ملكية عامة، أي تكون هي أو ما ينتج عنها من مال مملوكة لجميع أفراد الرعية سواء بسواء ويمكَّن الجميع من الانتفاع بها مباشرة أو من خلال تنظيم معين تقوم به الدولة. أما المعادن التي لا تنقطع أي التي تتوفر بشكل لا ينفد فقد روى الترمذي عن أبيض بن حمال «أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ فَقَطَعَ لَهُ، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمَجْلِسِ: أَتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ؟ إِنَّمَا قَطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ. قَالَ: فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ» والماء العد الذي لا ينقطع، فشبه الملح بالماء العد لعدم انقطاعه. ما يدل أن مثل هذا المعدن كمناجم المعادن المختلفة كالحديد والنحاس والفوسفات واليورانيوم والذهب وغيرها كلها من الأشياء التي لا يجوز أن تكون مملوكة للأفراد. أما الأشياء التي طبيعتها تمنع أن تكون مملوكة للأفراد فتشمل الطرق وترددات الأمواج اللاسلكية والممرات المائية والجوية ومدارس الدولة ومستشفياتها وجامعاتها فملكية الفرد للطريق أو الممر المائي والجوي ومستوصفات الدولة قد يحرم غيره من الأفراد الانتفاع بهذه الأعيان.

والذهب إذا كان بكميات كبيرة ولا ينقطع لا يجوز للشركات والأفراد أو حتى الدولة امتلاكها فهي ملكية عامة لجميع الناس فللدولة أن تنفقها عليهم في شكل خدمات أو تعطيها لهم نقدا. أما إذا كان بكميات صغيرة وليس عداً لا ينقطع فيجوز للأفراد تملكها.

هذا هو نظام رب العالمين الذي أنزله على نبيه محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، النظام الذي ساس الناس وأسعدهم ولم يظلم أحدا؛ نظام الخلافة الذي أعطى كل ذي حق حقه ولم يتعد على حقوق الناس.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الخالق عبدون علي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني