مسافة قصيرة والرحلة طويلة!!
August 22, 2015

مسافة قصيرة والرحلة طويلة!!

مسافة قصيرة والرحلة طويلة!!

منذ فجر التاريخ والإنسان يسعى للتعرف على ما خلق الباري واكتشافه، وتدبر إبداعه سبحانه وتصويره، فسبحان الذي جعل الأرض مهادًا والجبال أوتادًا، وغطى الأرض بسماء من غير عمد. وكل هذا يحتاج إلى الترحال والانتقال من مكان إلى آخر، وإلى عقل سليم، وقلب خاشع، وإحساس قوي.


في هذه الحياة يجد الإنسان كيف أن الله قد سخّر هذه الأرض له، ولكن الإنسان بفعل يديه فرض أمورًا تنغص عليه حياته. وهنا نتكلم عن الحدود بين الدول التي وضعها الإنسان، وفرض على من يريد العبور "جوازًا"، وليس هذا من باب التنظيم، وإنما من باب التنغيص وحماية لما وراء الحدود. ففصلت الحدود بين الشرق والغرب، وبين المسلم والكافر، وحتى بين المسلم والمسلم، وكأنهما يختلفان. فما يميز ابن الأردن عن ابن الحجاز، وما يميز ابن العراق عن ابن الكويت هو حد خُطّ على الورق. وليس هذا فقط، بل زادوا على ذلك بأن اشترطوا لعبور الحدود شروطًا لها أول وليس لها آخر. ما يجعل في القلب حرقة لا تُطفئها سوى الدماء الزكية للشهداء المُنتظرين من جنودنا المخلصين.


ودعوني يا ضباط أمتي وجيوشها وقادتها أعرض عليكم ما يقوم به كيان يهود المتغطرس كل يوم على عين وبصيرة من حكامكم في أرض الإسراء والمعراج، فحكام الأردن منذ أن قام كيان يهود في فلسطين، وهم لا يسمحون بالانتقال من غرب النهر إلى شرقه - في مسافة لا تزيد عن نصف كيلو متر! - إلا بإجراءات معقدة، ذلاًّ يذيقونه للمسافرين كل يوم. وتجد أنّ السلطة الفلسطينية ترسل أعدادًا معينة في أوقات معينة إلى نقطة معينة أُطلق عليها نقطة التفتيش الأولى، المسافر فيها جالسٌ يستغل ويهان في مكان قذر، وبعد انتظار طويل يرسلونه إلى أسيادهم، إلى مكان آخر يبعد بضعة مئات من الأمتار، فيستقبله جنود مسلحون، ويجعلونه ينتظر في مركبة تحت الشمس، لدرجة لا يعود يتمنى شيئًا سوى الانتهاء من هذا الموقف، بعدها يرى أحد إخوة القردة والخنازير يشير بيده للمركبة أن تقدمي، فتتقدم المركبة بخُطا خجولة حتى لا تزعج صاحب القول الأول والأخير - الذي بين كيانين يحمونه وينفذون أوامره، هما سلطة مسخ تسمى السلطة الفلسطينية وكيان أطلق على نفسه "هاشمي" - فتتقدم المركبة والناس قد أرهقوا من الحرارة وتصلبت أقدامهم، ليستقبلهم شخص يوحي لهم بأنه الخوف بنظارته السوداء وبندقيته الحديثة ولباسه الخاص، ليؤكد للمسافرين أنه صاحب الأرض وصاحب الكلمة في ذلك الموقع. بعد هذا يدخل المسافر في زحام مقيت بين الرجال والنساء، ليهان على مرأى من الجميع، ثم يذهب إلى مكان بارد يكاد ينسيه عناء الذل الذي وقع فيه، لكن ما هي إلا لحظات حتى تناديه إحدى الموظفات بصوت فيه استفزاز كأنها تأمره، فهو إن لم يجب ألقوا به في الخارج، فيظهر لها أوراقه وتنظر إليه من أعلى إلى أسفل كأنه أدنى منهم درجة وتحت أمرهم. لكننا نعلم أن هذه الموظفة جزء من احتلال احتل أرضًا ليست له، وأن لهذه الأرض أصحاباً يغطون الشمس من كثرتهم. وما أن يتجاوز المسافرُ الموظفةَ حتى تستقبله أخرى، كأنهم يريدون أن يهينوه لآخر نَفَس. والسؤال الذي يتبادر في الذهن: أليس في كيان يهود رجال حتى يخرجوا ويعاملوا المسافرين؟ نعم، ليس فيهم رجال. وما أن يخرج المسافر حتى يجد أمتعته ملقاة على الطريق، ويجد موظفين في وجوههم البؤس والإرهاق من شدة الحر، ليحملوا له ما يريد ويضعونه في المركبات. ثم تسير المركبة بضعة أمتار حتى الضفة الشرقية، فيجد المسافر نقطة تفتيش تابعة للأردن، يستقبله فيها جنود من الجيش الأردني حاملين أسلحة من غير ذخيرة - وهم لا يعلمون أتعمل أم لا، فلا مجال لفحصها وتجربتها -، يقفون كأنهم خائفين من أن يرد أحدهم اعتبار ما اقترفه يهود بأهل فلسطين، ثم يستقبله ضابط من الشرطة الأردنية على كتفيه نجوم، ينطق بما لا يعيه، وبما حُفّظ. ثم يدخل المسافر إلى غرفة انتظار، فيها أعداد كبيرة من الناس ينتظرون، والموظفون يدخنون وينفخون في وجوه القادمين، كأنهم يريدون القول لا أهلًا ولا سهلًا بكم، فأنتم من أرض لا يعنينا ما يحل بها، ثم يتقدم المسافر إلى الموظفين الجالسين على الكراسي، فيسألونه باستهزاء إلى أين أنت ذاهب؟ وكأنهم يقولون لا تبقى في أرض قد رواها أجدادك من الشهداء بالدماء الزكية، فهي لم تعد كما كانت، فقد احتلت وجُعل عليها حكام يأمرون الناس بالمنكر وينهون عن المعروف.


إنّ هذا المشهد يتكرر كل يوم، في مسافة لا تزيد عن اثنين كيلو متر! لو قطعتها سيرًا لن تستغرق أكثر من نصف ساعة. كل هذا والجيوش في ثكناتها ترى أهل البلاد يهانون على أيادي الاحتلال، ولا يحركون ساكنًا، فلماذا سميت جيوشًا؟! وما هي وظيفتها؟! والحكام، ألا يعلمون بما يجري للمسلمين في فلسطين على أيادي يهود من بطش وإذلال؟! أم إنه التآمر على هذا الشعب، بأن يظل يهود يقتلون منه من يشاءون ويحرقون منه الشيخ والصبي وشجرة الزيتون. نعم إن حكامنا متآمرون علينا مع يهود لإبقاء الاستعمار فوقنا، وفي كل ركن من حياتنا، فبقاؤهم على العروش مرتبط ببقاء يهود والكافر المستعمر.


لكن هناك أمة لن ترضى بالهوان، ولن تسكت عما يحدث لها من غير أن تحرك ساكنًا، أمةٌ قائدها ومرشدها في التغيير محمد ﷺ، وهذه الأمة ليست كباقي الأمم، فقد خرج من رحمها أبطال أمثال عمر الفاروق، وصلاح الدين، وهي لم تعقر بعدها، فهي شابة بما فيها من فكر وحملة للفكر، أمثال شباب حزب التحرير، وهي ستقلب الأمور وتغير الحال بعون الله وتوفيقه.


إن هؤلاء الجنود الحارسين للحدود هم الذين سيزيلونها لتصبح ثغورًا، وهم الذين سيخلعون يهود من جذورهم، ويكتبون التاريخ من جديد، وينصرون المستضعفين، ويحمون الضعيف، ويرفعون كلمة الحق فوق الرؤوس، وينشرون العدل، إن هم نصروا حزب التحرير في إقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة، وإن هذا الأمر بإذن الله لقريب، فإن الأمة قد ذاقت من صنوف العذاب الكثير، وآن لها أن تعود حرة أبية، على أيادٍ متوضئة زكية مخلصة.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. ماهر صالح - أمريكا

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني