April 17, 2009

قضايا مصيرية في حياة الأمة الإسلامية- القضية الثالثة- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - الأستاذ أبي إبراهيم

الحمدُ للهِ حَمْدَ الشاكِرينْ, وَالعَاقبَة ُ للمُـتقينْ, وَلا عُدوانَ إلا َّ عَلى الظـَّالِمينْ, وَالصَّلاة ُ وَالسَّلامُ عَلى المَبعُوثِ رَحْمَة ً لِلعَالمِينْ, وَعَلى آلهِ وَصَحْبـِهِ الطـَّيبينَ الطـَّاهِـرينْ, وَمَن ِاهـْـتـَدَى بـِهَديـِهِ, وَاستنَّ بسُنـَّـتِهِ, وَسَارَ عَلى دَرْبـِهِ, وَدَعَا بـِدَعْوَتـِهِ إلى يَوم ِ الدِّينْ , وَاجعَلنـَا مَعَهُم, وَاحشُرنـَا في زُمرَتـِهمْ, بـِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمينْ. أمَّا بَعدُ:

قـالَ اللهُ تعَالى في مُحكـَم ِ كِتـَابـِهِ وَهُوَ أصْدَقُ القـَائلينْ:
{ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }آل عمران104
إخوَة َ الإيمان :
الأمرُ بالمَعرُوفِ وَالنـَّهْيُ عَن ِ المُنكـَر ِ وَاجبَان ِ عَـلى المُسلِمِينَ بـِمُـقتـَضَى هذِهِ الآيَةِ الكـَريمَةِ, وَذلِكَ مِنْ أجْـل ِ نـََقـَاءِ المُجتـَمَع ِ الإسْلامِـيِّ مِنْ شـَتـَّى أنوَاع ِ المُنـْـكـَرَاتِ وَالمُخَالـَفاتِ الشـَّرعِيَّةِ, صَغيرِهَا وَكـَبيرهَا, فإذا تـُركَ الأمْرُ بـِالمَعرُوفِ والنـَّهيُ عَن ِ المُنكـَر ِ ظـَهَرَ الفسَادُ وَعَمَّ البَلاءُ, وَفـُـقِدَ الأمْنُ عَلى الأنفـُس ِ وَالأعْرَاض ِ وَالأمْوَال ِ, وَفـَسَدَتِ الذمَمُ, وَظـَهَرَ الكـُـفرُ وانحـَلــَّتِ المُجتـَمَعاتُ, وانتـَشَرَتِ المُوبـِقاتُ.

والنـَّاسُ بالنـِّسبَةِ لِهذا الأمْر ِ الجـَـلِيل ِ عَـلى ثــَلاثةِ أضرَابٍ :

  • صِنفٍ يَفعَـلُ المُنكـَرَاتِ يُجَاهِرُ بهَا وَيَتـَحَدَّى مُجتـَمَعَهُ وَلا يُبَالي, وَالعِيَاذ ُ بالله ِمِنْ ذلكَ الصِّنفِ.
  • وصِنفٍ يَأمُرُ بالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَن ِالمُنكـَر ِ وَيَعمَـلُ عَـلى تـَغييرهِِ وَإزَالـَتِهِ, وَهَؤلاء ِ هُمُ الرَّحمَة ُ المُهدَاة ُ, والنـِّعمَة ُ المُسدَاة ُمِـنَ اللهِ لِعبَادِهِ في الأرضْ.

وَهَذا الصِّنفُ مِنَ النـَّاس ِهُمْ أرْهَفُ النـَّاس ِ إحْسَاسَا ً, وَأمْضَاهُمْ عَزيمَة ً, وَأقوَاهُم إيمَانا ً, وَأكثــَرُهُم صَبرا ً, جَعَلـَـنـَا اللهُ وَإيَّاكـُم مِنهم.

وَقـَد ذكـَرَاللهُ سُبحَانـَهُ وَتعَالى الأمرَ بالمَعرُوفِ وَالنـَّهيَ عَن ِالمُنكـَر ِ فـَقـَالَ عَلى لِسَان ِلـُـقمَانَ وَهُوَ يُخَاطِبُ وَلـَدَهُ:

{ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }لقمان17

فـَالأمْرُ بالمَعرُوفِ, وَالنـَّهيُ عَن ِالمُنكـَرِ يقتضِي وَيَتطلبُ أربَعَة َ أمُور ٍ, ذكـَرَهَا اللهُ لنـَا في سُورَةِ العَصْر ِ, والذي يفتقدُهَا أو يَفتقدُ وَاحِدا ً مِنهَا يَكونُ مِنَ الخَاسِرينَ ألا وَهِيَ: الإيمانُ باللهِ, وَالعَمَـلُ الصَّالحُ, والتواصِي بالحَقِّ, وَالتواصِي بالصَّبر, وَيَنبَغي أنْ تكونَ هذهِ الأمُورُ مُجتمِعَة,ً وَمُـكتمِلة ً غَيرَ مَنقـُوصَةٍ, حَتى يُؤتيَ العَمَلُ ثِمَارَهُ المَرْجُوَة َ مِنهُ, وَحَتى يَكونَ كمَا أرَادَهُ اللهُ سُبحَانـَهُ وَتعَالى.

فقالَ جَلّ مِنْ قائل: { وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} العصر

  • أمَّا الصِّنفُ الثالثُ فهُم السَّاكتونَ عَنْ قول ِالحَقّ, الذينَ لا يُحَركـُونَ سَاكنا مُؤثِـرينَ السَّلامَة عَلى تـَحَمُّّـل ِ تـَبـِعَاتِ هَذا الوَاجبِ العَظيم ِ. وَلقد صَوَّرَ لنـَا اللهُ تبَارَكَ وَتعَالى في كتابـِهِ العَزيز ِ المُجتـَمَعَ مِنْ خِلال ِ ضَرْبِ الأمثـلةِ الوَاضِحَةِ الجَـليّةِ,

يَقولُ اللهُ جَلَّ وَعَلا: {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }الأعراف163

فهَذِهِ القريَة ُ, قريَة ُ الصَّيادينَ ابتلاهُمُ اللهُ بابتعادِ السَّمكِ عَن ِ الشَّاطئ في أيـَّام ِالأسبُوع, فـَيُلاقـُونَ العَناءَ وَالعَـنـَتَ الشديدين ِفي صَيدِهِ, وَأمَّا في يَوم ِالسَّبتِ فكانَ السَّمكُ يأتِيهم إلى الشاطئ يتلاعبُ أمامَ أعيُنـِهمْ, فمَا عَـليهم إلا أنْ يَمُدّوا أيديَهُمْ ليَصْطادُوهُ دُونَ شِبَاك.

ففي هَذا الإمتحان ِ تـُظهـِرُ التصَرَفاتُ النـُّـفوسَ :

  • فمَرضَى النفوس ِ لا يَصْبرُونَ, فلا بُدَّ مِنْ حِيلةٍ أو وَسِيلةٍ لكي يَعْدُوا في السَّبتِ, فأغوَتهُم شَيَاطينُهُم بحَفر ِ بـِركةٍ عَظيمَةٍ وَشقـُّوا لهَا قناة ً تـَصِلـُهَا بالبَحر ِ فعندَمَا تأتي الحِيتانُ شُرَّّّّّعا ً في يَوم ِ السَّبتِ يَدفـَعُهَا المَوجُ إلى القناةِ فالبـِركةِ حَتى لا يَرجعَ السَّمَـكُ إلى البَحر ِ.
  • وَهُـنـَا تـَحَركَ العُـقلاءُ المُـتقونَ فنـَصَحُوهُم, وَأنكرُوا عَـليهم, فقالـُوا لهُم: نـَحنُ لا نـَعدُوا في السَّبتِ, فبيَّـنـُوا لهُم أنَّ حِيلتـَهُم لا مُسوِّغ لهَا, فإن ِ انطلـَتْ عَلى السُذََّج ِ مِـنَ النـَّاس ِ, فإنـَّها لا تنطلِي عَلى اللهِ تعَالى رَبِّ النـَّاس ِ, وَشدَّدُوا عليهـِم أمْرَهُم وَنـَهيـَهُم.
  • وهُـنا بَرَزَ الصِّنفُ الثالثُ, وَهُمُ الشَّياطينُ الخُرْسُ, الذينَ يَطلبُونَ مِنَ الناصِحِينَ أنْ يَكفـُّوا عَن ِ النـَّصِيحَةِ, وَالمَوعِظةِ لِهؤلاء ِ العُصَاةِ, لأنَّ هَذا الأمرَ فِي نـَظرهِمُ القاصِر ِ الأعمَش ِ لا يُجدِي فتيلا ً, وَسَيذهَبُ سُدىً, فمَا كانَ مِنَ النـَّاصِحِينَ إلا َّ أنْ بَيـَّـنـُوا لهَمْ أنَّ القيَامَ بالأمر ِ بالمَعرُوفِ وَالنَّهي ِعَن ِ المُنكر ِحُكمٌ شرعيٌ, وَلا يَجُوزُ تركـُهُ, وَهُوَ مَعذِرَة ٌ إلى اللهِ عَنْ فِعْـلةِ هَؤلاء ِ القوم ِ, وَلعلــَّهُم يَرتـَدِعُونَ عَنْ غـِيِّـهـِم,

قالَ اللهُ تعَالى: { وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }الأعراف164

إلا َّ أنَّ القومَ تـَمَادَوا في غِـيِّهـِم وَمُنكـَرَاتـِهـِم, فكانتِ النتيجُة ُ أنْ نـَجََّى اللهُ الآمِرينَ بالمَعرُوفِ, النـَّاهينَ عَن ِ المُنكـَرْ, وَأخـَـذ الذينَ ظلمُوا بالعذابِ الأليم ِ, وَلمْ يذكـُر ِالمَولى جَـلَََّ وَعَلا الصِّنفَ الثالثَ وَهُمُ الشياطينُ الخُرسُ تـَحقيرا ً لِشأنـِهـِم, بَـلْ جَعَـلهُم مَعَ الظلمَةِ, وَجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَة َ والخَنَازيرَ ،

قالَ تعَالى: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) } الأعراف

إخوَة َ الإيمان :
صُورَة ٌ أخرَى مِنْ صُوَر ِ المُجتمَع ِ يُصَوِّرُهَا لنـَا رَسُولـُنا الكريمُ عَـليهِ أفضلُ الصلاة ِ وأزكى التـَّسليم ِ, ففي الحديثِ الشريفِ الذي رَوَاهُ البُخَاريُّ عَن ِالنـُّعمان ِ بن ِ بَشير ٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عَن ِالنـَّبي صلى الله عليه وسلم أنـَّهُ قالَ:

( مَثـلُ القائِم ِ في حُدُودِ اللهِ, وَالوَاقِع ِ فيهَا كمَثـل ِقوم ٍ استهَمُوا عَلى سَفينةٍ, فصَارَ بَعضُهُم في أعْلاهَا, وَبَعضُهُم أسفلهَا , فكانَ الذينَ في أسفلهَا إذا استقـَوا مِنَ المَاء, مَرّوا عَلى مَنْ فوقـَهُم, فقالـُوا: لـَو أنـَّا خَرَقنـَا في نَصِيبـِنـَا خَرقا ً وَلمْ نُؤذِ مَنْ فـَوقـَنا, فإن تـَرَكـُوهُم وَمَا أرَادُوا, هـَـلـَكـُوا وَهَـلـَكـُوا جَمِيعا ً, وَإنْ أخـَذوا عَلى أيدِيهـِم, نـَجَوا وَنـَجَوا جَميعا ً).

في هَذا الحَديثِ النبويِّ الشريفِ تـَصْويرٌ دَقيقٌ وَصَادِقٌ للمُجتمَع ِ, فهَؤلاء القـَومُ اقترَعُوا فيمَا بَينـَهُم عَلى رُكوبِ السَّـفينةِ, أيـُّهُم يَركـَبُ في أعلاهَا, وَأيـُّهُم يَركـَبُ في أسفلـِهَا, وَللحُصُول ِ عَلى المَاء كانَ لا بُـدّ لِمَنْ هُم في أسفل ِالسَّـفينةِ مِنَ المُرُور ِ عَلى مَنْ فـَوقـَهُم فـَيتـَسَبـَّـبُـونَ لهُم ببعض ِ الأذى, وَلكي يَحُولـُوا دُونَ ذلكَ رَأوا أنْ يَخرقـُوا في نـَصيبـِهـِمْ مِنَ السَّـفينةِ خـَرقا ً حتى لا يُؤذوا مَنْ فـَوقـَهُم, وَذلكَ بنيـَّـةٍ حَسَنةٍ , لا بنيـَّـةٍ سَيئةٍ كمَا يـَفعَـلُ مُـفسِدُوا زَمَانـِنـَا.

فلو تـَرَكـُوهُم يفعَـلونَ ذلكَ, لـَغـَرقتِ السَّـفينة ُ بمَن فيهَا, مِنَ الصَّالِحينَ وَالطالِحينَ, أي لـَعَمََّ الفسَادُ, وََحَـلَّ العَذابُ بكـُـلِّ مَنْ في السَّـفينةِ, وَصَدقَ اللهُ العظيمُ إذ يَقولُ:

{ وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }الأنفال25

فالفِتنةُ عندَمَا تقعُ وَتعُمُّ تـُخـَرِّبُ المُجتمعَاتِ, وَعندَهَا لا تـَنفعُ الاستغاثاتُ, وَلا يُستجَابُ الدُّعَاءُ. وَلقدْ أخبَرَنا الحَبيبُ المُصطفى عليهِ الصَّلاة ُ وَالسَّلامُ, بخَبَر ِ القوم ِ مِنْ بني إسْرائيلَ, لنعتبرَ ونتعظ َ, وَلا نقعَ فيمَا وَقعُوا فيهِ. فعَن ِ ابن ِمَسعُودٍ رَضيَ اللهُ تعَالى عنهُ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ِ صلى الله عليه وسلم:

( إنَّ أولَ مَا دَخلَ النقصُ عَلى بني إسرائيلَ أنـَّهُ كانَ الرَّجلُ يلقـَى الرَّجُـلَ فيقولُ: يَا هَذا اتـّق ِاللهَ وَدَع ْ مَا تصنعُ فإنـَّهُ لا يَحِـلُّ لكَ, ثـُمَّ يلقاهُ مِنَ الغـَدِ, وَهُوَ عَلى حَالـِهِ, فلا يَمنعُهُ أنْ يكونَ أكيلـَهُ وَشريبَهُ وقعيدَهُ, فلمَّا فـَعـَـلـُوا ذلكَ ضَرَبَ اللهُ قلوبَ بَعضِهم ببعض ٍ).

ثمّ تلا قولـََهُ تعَالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ(78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) } المائدة

هذا وإنّ مِنْ أعظم ِالمنكراتِ التي تعيشُها أمتـُنا اليومَ هُو فـُرقتـُها إلى نيـِّـفٍ وخمسينَ دُويلةٍ هزيلةٍ تابعةٍ للكافر ِالمُستعمر ِ, تدُورُ في فلكِهِ وَتـُواليهِ, وَتفعَلُ كلَّ شيءٍ يُرضِيهِ, وَلو كانَ في ذلكَ غضبُ ربِّ العالمينْ.

وكما ذكرنا في الحلقة السابقةِ أن الأصلُ في الأمةِ أنْ تكونَ أمة ً واحدة ً, فرَبُّها واحدٌ, ونبيُها واحدٌ, ودينُها واحدٌ, وقرآنُها واحدٌ, وقبلتـُها واحدة ٌ, وَينبغي أنْ يكونَ لهَا خليفة ٌ أو إمامٌ واحدٌ, يَحكـُمُها بالإسلام, يُطبقه على نفسِهِ وعليها, وَيحمِلـُهُ إلى العالم جَميعا ً بالجهادَ في سبيل ِ اللهِ. لقولِهِ تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } الأنبياء92. ولقولِهِ: { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ }آل عمران103.
وختاماً إخوة الإيمان نسأل الله عز وجل أن يستخلـِفـنـَا فى أرْضِه، وأن يمَـكـِّنْ لنـَا دِينـَنـَا الذي ارتضاه لـَنـَا, وأن يجْعَـلنـَـا مِنَ الذينَ إنْ مَكـَّـنـتـَهُم في الأرض ِ أقامُوا الصَّلاة َ, وآتـَوُا الزَّكاة َ وَأمَرُوا بالمَعْرُوفِ, وَنـَهَوا عَن ِالمُنكر ِ, وَجَاهَدُوا في اللهِ حَقَّ جـِهَادِهْ.
وَالسَّلامُ عَليكـُم وَرَحمَة ُ اللهِ وَبَرَكاتهُ.

المزيد من القسم null

نفحات إيمانية- الدخول في السلم كافة


الحمد لله الذي فـتح أبواب الجـنـان لعباده الصائمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسـلين، المبعوث رحمة للعالمين، وآله وصحبه الطيـبين الطـاهرين، ومن تبـعه وسار على دربه، واهتدى بهديه واستـن بسنــته، ودعا بدعوته إلى يوم الدين، أمـا بعد:


إخــوة الإيمـان: في أيام شهر رمضان المبارك، يبرز إلى الأذهان سؤال مفاده ومؤداه: هل يجوز أن يكون الصيام والصلاة لله تعالى، وتكون الحاكمية لغير الله سبحانه؟


للإجابة عن هذا السؤال نقول وبالله التوفيق: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }البقرة208 فكلمة (السلم) هنا الإسلام كما فسره ابن عباس رضي الله عنه والمقصود من الإسلام كله أي الإيمان به كله دون استثناء والعمل بشرعه كله دون غيره. و (كافة) حال من (السلم) أي السلم كله بمعنى الإسلام كله..


فالمراد من الآية الكريمة هو الأمر بالأخذ بتكاليف الإسلام جميعها: ما تميل إليه النفس منها، وما يخالف هواها. فالآية الكريمة تصرح بأن عدم الأخذ بالإسلام كاملا نوعا من اتباع الشيطان، فالتفريط بشيء من ذلك المنهج سيكون فيه اتباع آلي لسبيل الشيطان حيث لا يوجد أي خيار آخر، فإما اتباع لمنهج الرحمن، وإما اتباع لسبيل الشيطان.


لذلك قال الله تعالى عقب ذلك: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين).


نفهم من ذلك إخوة الإيمان أنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ بعض أحكام الإسلام ويترك بعضها، فأن يصوم المسلم ويصلي، ولا يزكي إن كان معه ما يستحق الزكاة لا يجوز، وأن يصلي ويصوم ويزكي، ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر لا يجوز، أي لا يجوز للمسلم أن يترك فرضا فرضه الله عليه، حتى ولو قام بجميع الفروض وترك فرضا واحدا كالحكم بما أنزل الله مثلا فهذا غير جائز، فالإسلام هو ما جاء وحيا من الله، أي ما جاء بالكتاب والسنة، وما ارشد إليه الكتاب والسنة من أدلة، ‎هذا وحده هو الإسلام، وما عداه كفر سواء أكان موافقا للإسلام أم كان لا يخالفه.

والدليل على ذلك إخوة الإيمان أن الله تعالى أمرنا أن نأخذ ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن نترك ما نهانا عنه, وأمرنا أيضا أن نحتكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي إلى ما جاء به، قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).


فهو نص في وجوب أخذ ما جاء به الرسول، وترك ما نهى عنه، وإذا قرنت هذه الآية بقوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم) وعرف أن ( ما) في قوله: (ما آتاكم) وقوله: ( ‎وما نهاكم) للعموم ظهر جليا وجوب أخذ ما جاء به، وترك ما نهى عنه، وأنه عام في جميع ما أمر به وجميع ما نهى عنه والطلب في هذه الآية سواء طلب الفعل أو طلب الترك طلب جازم يفيد الوجوب بدليل تهديد الله لمن يخالفه بالعذاب الأليم.


وقال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).


أي أن من دخل في الإسلام إخــوة الإيمـان: ، عليه أن يدخل فيه كله، فلا يبقي شرعا غيره، فالإسلام ناسخ لغيره من الشرائع لقوله تعالى: (مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) (المائدة 48) أي: ناسخا له، والإبقاء على شيء من الشرائع السابقة، التي لم يقرها الإسلام، يكون اتباعا لدين غير دين الإسلام، وهذا مرفوض وغير مقبول، بل إن صاحبه يكون يوم القيامة من الخاسرين. لقوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).


على أن الله تعالى لم يكتف بذلك بل إنه نهى نهيا صريحا عن الأخذ من غير ما جاء به الوحي من الله، فنعى على الذين يريدون أن يتحاكموا لغير ما جاء به الرسول قال تعالى: (‎ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم امنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا).


وقد نزلت عشرات الآيات إخــوة الإيمـان من القرآن الكريم في موضوع الحكم والسلطان تأمر المسلمين بالحكم بما أنزل الله.


* وقال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). (المائدة44)
* وقال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون). (المائدة 45)
* وقال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون). (المائدة 47)
* وقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). (النساء:65)
* قال تعالى: (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق). (المائدة48)
* وقال: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ). (المائدة49)
* وقال:(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). (النساء59)
* وقال: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل). (النساء58).


وغيرها من عشرات الآيات المتعلقة بالحكم من حيث هو حكم وسلطان.


وقد آن الأوان لهذه الأمة العظيمة والتي أدركت أن خلاصها بالإسلام أن تسود في دولة واحدة، هي دولة الخلافة التي وعدنا الله بها في قوله عز وجل: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون). والتي بشرنا بقدومها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهي عزنا ومجدنا قال صلى الله عليه وآله وسلم ( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) . وفي قوله صلى الله عليه وسلم : (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ) .


لقد آن الأوان لهذه الأمة العظيمة أن تتلبس بالعمل مع العاملين المخلصين من أبناء هذه الأمة للعمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة، ( الخلافة على منهاج النبوة) . كيف لا و قد قرر علماء الإسلام و أعلامه أن الخلافة فرض أساسي من فروض هذا الدين العظيم بل هو (الفرض الأكبر) الذي يتوقف عليه تنفيذ سائر الفروض، و إن الزهد في إقامة هذه الفريضة من ( كبائر الإثم )، وما الضياع والتيه والخلافات والنزاعات الناشبة بين المسلمين كأفراد و بين الشعوب الإسلامية كدول إلا لتفريط المسلمين في إقامة هذه الفريضة.


وختامـــا إخوة الإيمان: نسأل الله عز وجل، في هذا اليوم المبارك من أيام شهر رمضان الفضيل، أن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة، وأن يجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين. إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكـم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أبو إبراهيم