روسيا إلى أين ...؟؟ (1)
October 07, 2015

روسيا إلى أين ...؟؟ (1)

روسيا إلى أين ...؟؟ (1)


روسيا جغرافياً:


روسيا معروفة رسميًا باسم روسيا الاتحادية، وهي دولة تقع في شمال أوراسيا، وهي ذات حكم جمهوري بنظام شبه رئاسي، ولروسيا حدود مشتركة مع كل من النرويج، وفنلندا، وإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، وبولندا، وكذلك روسيا البيضاء، وأوكرانيا، وجورجيا، وأذربيجان، وكازاخستان، وجمهورية الصين الشعبية، ومنغوليا، وكوريا الشمالية، كما أن لديها حدودًا بحريَّة مع اليابان في بحر أوخوتسك، والولايات المتحدة عن طريق مضيق بيرينغ. تُعد العاصمة الروسية موسكو أكبر مدن روسيا اليوم وإحدى كبريات مدن العالم من حيث عدد السكان، ولا تُوجد مدن تماثلها في عدد السكان سوى مكسيكو سيتي عاصمة المكسيك، وسيئول عاصمة كوريا الجنوبية، وميناء روسيا الرئيسي هوَ سانت بطرسبرغ الواقعة على بحر البلطيق. وروسيا هي أكبر بلد في العالم من حيث المساحة، حيث تغطي نسبة 8/1 من مساحة الأرض المأهولة بالسكان في العالم بمساحة تبلغ 17،075،400 كيلو متراً مربعاً، كما أنها تاسع أكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم بأكثر من 143 مليون نسمة، تمتدُّ روسيا عبر كامل شمال آسيا و40% من أوروبا، كما تُغطي تسع مناطق زمنية وتضم طائفة واسعة من البيئات والتضاريس وتمتلك أكبر احتياطي في العالم من الموارد المعدنية والطاقة، ولديها أكبر احتياطيات العالم من الغابات والبحيرات، التي تحتوي ما يقرب من ربع المياه العذبة في العالم.


روسيا سياسيا:


في أعقاب الثورة البلشفية أصبحت روسيا أحد أكبر مؤسسي الاتحاد السوفيتي، وباتت أوَّل دولة دستورية اشتراكية وقوة عظمى معترف بها في العالم، كما لعبت دورًا حاسمًا في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، حيث تكبَّدَ الاتحاد السوفيتي خسائر بشريَّة أكثر من أيِّ طرف آخر أثناء الحرب، وقد تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991م، وتأسست عدّة جمهوريات مستقلة بدلاً منه، كان من أبرزها روسيا الاتحادية. تُعتَبرُ روسيا سابع أكبر اقتصاد في العالم حسب الناتج المحلي الإجمالي، والسادسة من حيث القدرة الشرائية، والثالثة من حيث الميزانية العسكريَّة. إن روسيا واحدة من الدول الخمس الوحيدة المعترف بامتلاكها أسلحة نووية في العالم، إضافة إلى أنها تملكُ أكبر مخزون من أسلحة الدمار الشامل في العالم. تُعد روسيا إحدى القوى العظمى العالمية، وهي عضو دائم في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، كما أنها عضو في مجموعة الثماني، ومجموعة العشرين، ومجلس أوروبا، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي، ومنظمة شانغهاي للتعاون، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.


روسيا والعالم الإسلامي:


تحيط روسيا خمس جمهوريات "إسلامية" وهي: كازاخستان، وأوزبيكستان، وتركمانستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان. وهي جمهوريات كبرى وذات كثافة سكانية مسلمة كبيرة، وقد تم تجهيل أهلها بدينهم خلال سبعين عامًا من الحكم الشيوعي إبان حكم الاتحاد السوفياتي، وهناك بلاد إسلامية لها حدود مع روسيا وهي: تركيا، وأفغانستان، وإيران، فإذًا هي محاطة بعشرات الملايين من المسلمين. لروسيا تاريخ سيئ مع العالم الإسلامي، سواء فترة الحكم الشيوعي السابق أيام الاتحاد السوفياتي، حيث حكمت شعوبها المسلمين بالحديد والنار، وعملت بكل صلف على إغلاق مساجد المسلمين في كل البلاد، ومنعت أي مظهر يخص الإسلام والمسلمين. وفي نهاية القرن الماضي احتل الروس أفغانستان وطردوا منها شر طردة، ومرغ أنفهم بالتراب رغم قلة الإمكانات، وبُعد أفغانستان عن بلاد العالم الإسلامي والعربي إلا أن المسلمين هاجروا إلى أفغانستان للدفاع عنها بوصفها بلدًا إسلاميًا، وكان لها قبل ذلك سجالات وحروب مع دولة الخلافة العثمانية، وبقيت لصالح المسلمين حتى أواخر أيامها وضعفها حيث تمادوا على بلاد المسلمين. واليوم نرى الدب الروسي وبغباء سياسي منقطع النظير يتنمر على المسلمين في سوريا عله يحصل على جزء من كعكة، أو خروج من عزلة وعقوبات أوروبا بسبب أوكرانيا، ولكنها اسم على مسمى فقد اشتهرت روسيا جيوسياسيًا بوصف الدب الروسي، وبالفعل من لا يعي ولا يعقل اتركه يقع بالحفرة التي يحفرها وحده، ولكنه بعون الله تعالى سيقع في أرض بلاد الشام التي رواها الصحابة بدمائهم يوم فتحها، ويوم تحريرها من أيدي الصليبيين، ويكون للمسلمين سبب قوي للانقضاض على الدب وقتله من كل بلاد المسلمين المحيطة بروسيا القيصرية، والتي كانت دومًا تحقد على تقدم الإسلام والمسلمين. وصلفها يحض المسلمين على التوحد وإعادة نظرهم إلى أن قوتهم هي بتوحدهم لا بفرقتهم، وذلك ما بدأ يحصل بين الفصائل الثائرة في الشام أرض الحشد والرباط، والأرض التي وعد رسولنا الكريم أن تكون فيها أرض الملحمة الكبرى التي ينقسم فيها الناس إلى فسطاطين: فسطاط كفر، وفسطاط إيمان، وتلك البلاد التي وصفها الرسول ﷺ أن الملائكة باسطة أجنحتها على الشام، فهي بلاد مجاهدة تاريخيًا، وما زال أهلها في جهاد، رغم كل محاولات الغرب والاستعمار إلى تدجين أهل الشام، وتجهيلهم، وإبعادهم عن دينهم الإسلام، ولكن ما أن انتفضت الأمة بربيعها العربي الذي أقضَّ مضاجع الكفر وعملائه حتى عاد أهل الشام والمنطقة بأكملها إلى دينهم يضحُّون بالغالي والنفيس من أجل عزتهم وعزة دينهم. عندما حوصرت روسيا بسبب أوكرانيا وفرض عليها عقوبات دولية، ووصل الأمر إلى تدهور وضع عملتها بسبب انهيار أسعار النفط والحصار، ولولا قوة مبيعات الغاز لكانت النتائج كارثية، ولأصبحت دبًا يلعب به الأطفال ولا يخافه أحد، وقد واتت الفرصة على أرض الشام لإبراز أن روسيا ما زالت موجودة على الساحة الدولية وأن لها دورًا سياسيًا عالميًا، ونسي لافروف أن كل مراقب للسياسة الأمريكية أصبح يعلم أن "ما تريده أمريكا هو ما تنفذه روسيا"، وخصوصًا في المناطق التي تقع فيها أمريكا بمأزق، سواء مع المسلمين أو بصراع غير ظاهر مع أوروبا، ودليل ذلك حين صرح وزير خارجية روسيا بدخول سوريا، ومقاتلة الإرهاب، فقد صرح كيري وزير خارجية أمريكا: "لقد كان بيني وبين لافروف سبع عشرة ساعة من المحادثات خلال هذا الأسبوع، ولا خلاف بيننا". وهم ينسقون فيما بينهم في كل العمليات الجوية، بل إن بنك معلومات الأهداف الروسية هو من أمريكا نفسها. وللعلم فإن سبب ذلك هو إدراك كل دول الكفر سواء روسيا، أو أمريكا وأوروبا، بأن المسلمين حددوا تجاه بوصلتهم بوعي فكري وسياسي كيف تستعاد القوة والعزة والكرامة؟ وكيف يكون للأمة دولة ذات سيادة؟ وكيف يعاد للأمة سلطانها: فتبني دولتها وجيشها الذي لا يقهر؟ وكيف تتوحد بلاد المسلمين التي قسمها الغرب باستعماره لنهب خيرات المسلمين البترولية ونهب ثرواتهم المعدنية؟ فضلاً عن عقول أبنائهم العلمية والصناعية؛ ولذا فالغرب وروسيا يتفقون عندما يرون أي حركة تؤدي لنهضة المسلمين، وبناء دولتهم، وتوحيد بلادهم، ولكنهم ذوو قلوب شتى عند اقتسام المنافع والمصالح بصفتهم الرأسمالية الجشعة، وعليه لن تدع روسيا أي محاولة لقتل المسلمين بطريقة بشار وأبشع من ذلك، ولكننا نبشرهم برسالة يعلمونها علم اليقين، وهي أن القتل للمسلمين شهادة، وهي أحب إليهم من الحياة الذليلة البائسة. ولذلك سيجدون كل أهل بلاد الشام تسري بهم روح الشهادة ومن ورائهم كل مسلمي العالم، والشواهد لهجرة الجهاد تكاد لا تعدُّ ولا تحصى من كل بلدان العالم بلا استثناء، وهم بعنجهيتهم يحيون في الأمة الإسلامية روح الوحدة والجهاد، والنهضة الحقيقية، فالأمة الإسلامية اليوم ليست هي قبل عقدين من الزمان، وذلك بشهادة مراكز الدراسات الأجنبية، وواقعها الذي نعيش والتي نصحت دول الغرب وأمريكا بأن الفكر لا يقاوم بالسلاح والطيران والدبابات، وأن الفكر إذا تجذر في أمة لا يمكن اجتثاثه، إلا بفكر مثله أو أقوى منه، وأنى لهم بفكر يضاهي الفكر الإسلامي الرباني؟ ذلك الفكر الذي فرض على المسلمين التوحد، وبناء دولة واحدة، ومبايعة خليفة واحد، ورفع راية واحدة، وهي راية رسول الله ﷺ مكتوب عليها: "لا اله الا الله محمد رسول الله"، وهي راية ذات لون أسود، وهي تلك الراية نفسها التي رفعت في ثورة الشام المباركة، والتي أقلقت الغرب وعملاءه فهبوا لوأدها، وسمح لزبانيته بقتل أهلها واستعمال الكيماوي، وكل سلاح محرم لقتل شعب أعزل إلا من عقيدته الإسلامية التي يموت من أجل بقائها ووجودها في الحياة.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الأستاذ وليد نايل حجازات - الأردن


لقراءة الجزء الثاني اضــغـط هـنــا

لقراءة الجزء الثالث اضــغـط هـنــا

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني