روسيا... إلى أين؟ (2)
October 18, 2015

روسيا... إلى أين؟ (2)

روسيا... إلى أين؟ (2)

الدب الروسي.. وثورة الأمة في الشام:


الدولة الروسية كسائر بلدان العالم، أناس عاديون، ولكن يوجد لديهم ما يوجد لدى الأمم الكبرى من الوطنية والشعور الذاتي والوجود المؤثر، ولديهم ما لدى الأمم الكبرى والدول الكبرى من حب السيطرة والغزو، ولذلك ظلوا محافظين على وضعهم العالمي دولة كبرى كسائر الدول الكبرى، لا فرق في ذلك بين عهد القياصرة وعهد الحزب الشيوعي، ولذلك فإن دخول روسيا عسكريًا فيه مصلحة استراتيجية وعداء تاريخي مع المسلمين ودولة الخلافة الإسلامية، وعليه فقد رأت أن سقوط بشار يعني احتمالية عودة دولة إسلامية، توحد بلاد المسلمين، وتكسر كل الحدود المصطنعة.


وتعتبر روسيا جيوسياسيًا المتأثر الأول من ذلك، ولكن أمريكا لن تسمح بأن يكون أي دور سياسي لروسيا أو غيرها في سوريا، وكونها أي روسيا ليست دولة عميلة، ولا تدور بفلك أمريكا، بل دولة تعمل لمصالحها، فإن ذلك لا يعني أن لا تتعاون مع الدولة الأولى في العالم، وتتبنى خدمة مصالحها وتنفيذ ما تطلبه لتبقى ضمن الموقف الدولي العالمي، وتحقق مصالحها الذاتية الجانبية، ويظهر لكثير من الناس والمتابعين والرأي العام أنها أي روسيا تزاحم أمريكا، وأنها ما زالت دولة كبرى ويحسب لها حساب، وقد يعطيها هذا مكاسب في الملف الأوكراني.


روسيا وكل الدول الغربية عدوة للإسلام، لأنها تعتنق ديانات ومبادئ تناقض الإسلام، ولها وجهة نظر في الحياة تخالف، بل تناقض وجهة النظر الإسلامية، والدول الكبرى بشكل خاص تزيد على ذلك بأنها تطمع في البلاد الإسلامية، ولذلك قضت على الدولة الإسلامية للقضاء على الأمة الإسلامية، ورسمت الخطط بعيدة المدى للحيلولة دون عودة الدولة الإسلامية إلى الحياة لتحول دون عودة الأمة الإسلامية أمة عظيمة بين الأمم، وبالطبع ترسم الخطط وتبذل الجهود لوأد الدولة الإسلامية في مهدها، قبل أن تتحرك الأمة الإسلامية، وستظل دؤوبة على مقاومة الأمة الإسلامية، ومقاومة وجودها، وقوتها، ما دامت الدولة الإسلامية قائمة، أو ما دامت هذه الدول العدوة قوية كدولة، أو قوية كشعب، بل كأفراد.


"وإذا كانت معرفة السياسة الخارجية لكل دولة في العالم، أمرًا لا يستغني عنه كل سياسي مسلم، فإن إدراك كنه، وخفايا، وخطط، وأساليب، ووسائل، الدول الكبرى أمر بالغ الأهمية لكل مسلم بشكل إجمالي، ولكل سياسي بل مفكر مسلم بشكل تفصيلي واقعي، سائرًا مع الأحداث اليومية المتغيرة، والمتجددة، مع بقاء التصور الكامل للأسس والقواعد التي تقوم عليها سياسة أي دولة كبرى، من أجل إدراك الأخطار، ودوام العمل لأمن البلاد، أي لأمن الدولة والأمة الإسلامية". (مقتبس من كتاب نظرات سياسية لحزب التحرير).


روسيا والولايات المتحدة.. تبحثان تنسيق العمليات الجوية في سوريا:


ورد في موقع روسيا اليوم: "وفي ختام اتصال ثانٍ عبر الفيديو أجراه الطرفان مساء السبت 10 تشرين الأول/أكتوبر أفادت الوزارة بأن الجانبين بحثا بصورة مفصلة المقترحات الروسية والأمريكية المطروحة أثناء الاتصال الأول بينهما مطلع الشهر الحالي، وبحسب الوزارة فإن الاتصال أسفر عن "تقدم في التوافق على عقد اتفاق محتمل بين وزارتي دفاع البلدين بشأن ضمان سلامة طلعات الطائرات الحربية أثناء غاراتها على (مواقع) الإرهابيين الدوليين في سوريا".


وذكرت الوزارة الروسية أن النقاش كان "مهنيا وبناء"، مضيفة أن موعد الاتصال التالي عبر الفيديو سيتم تحديده لاحقًا بين الطرفين". وهذا يدلل ويوضح للمتابع ما أوردناه سالفًا من أن روسيا دخلت المعركة على ثورة الشام بقرار وتنسيق مسبق مع أمريكا خدمة لها ولعميلها بشار، حيث إن أمريكا لن تستطيع ضرب معارضي بشار بشكل فظ وسافر حيث إنها تدعي الوقوف بجانبهم، ولا تقبل ببقاء بشار إلا مرحليًا أي بمعنى حتى ينضج ويقبل البديل شعبيًا وثوريًا الذي تريده وتعده.


وعليه نلاحظ أن روسيا دخلت الحرب بقرار من الحكومة السورية أي بشار، وعليه فإنها أمميا ودوليا يجب أن تخرج إذا طلبت الحكومة السورية منها الخروج من سوريا، ولذا فإنه حال نضوج بديل عن بشار سيطلب من روسيا الخروج حال إتمام العملية السلمية إن حصل ذلك، وهذا يذكرنا بطلب السادات من الاتحاد السوفياتي الخروج من مصر بعد تسلمه الحكم، إلا أن يحدث مستجد بالمنطقة فيكون لكل حادث حديث.


عملية موسكو.. وحقيقة موقف واشنطن من تنظيم الدولة:


كلا الطرفين أي روسيا وأمريكا يدعي أنه يحارب الإرهاب في سوريا، ويقصدون هنا بالاسم تنظيم الدولة إلا أن المتابع يرى نسبة الضربات للثوار المعارضين لبشار تأخذ أكثر من 80 بالمئة من الضربات حسب التقارير الإخبارية والعسكرية، وأن التنظيم يزداد تمددًا مما يوحي بتعاون بينه وبين بشار لدرجة كبيرة. ولتبرير تمدده ومكاسبه من ضربات الطيران الروسي والنظام السوري وصفه وكأنه تقاطع مصالح أو مصادفات وطبيعة المناطق الجغرافية لساحة المعركة بين الأطراف.


ورغم كونها حربًا واحدةً على الإرهاب أعلنتها دول عدة رأت في تنظيم الدولة خطرًا زاحفًا يكاد يجتاح أراضيها، إلا أن ردود الفعل تباينت: فالعمليات الروسية لم تكد تجاوز أسبوعها الأول حتى قوبلت أهدافها بالترهيب، والتشكيك في نوايا موسكو، وصولاً إلى اتهامها بالوقوف وراء تقدم تنظيم الدولة الإسلامية، وتوجه اتهامات إلى الولايات المتحدة في وتيرة الحرب على التنظيم وحفاظها في ذلك على إيقاع يصفه المراقبون بالغامض نظرًا لعدد الدول المشاركة، وحجم أجهزة الاستعلامات، وترسانة الأسلحة المرصودة، ليبقى تنظيم الدولة الإسلامية بعد عام قادرًا على التمدد وتعويض خسائره بآلاف المجندين الجدد.


روسيا وأمريكا.. بين التصادم والتنسيق:


ورغم أن واشنطن اعترفت أنها لا تستطيع حل مشكلات العالم وحدها، إلا أن الانتقادات الموجهة إلى روسيا بعد أن بدأت حملتها ضد تنظيم الدولة في سوريا لم تتوقف.. انتقادات اتسمت بالكثير من الحدة في بعضها، وبالكثير من التناقض، فواشنطن تقول: إنها لن تتعاون مع روسيا طالما بقيت تدعم النظام السوري، وكأن أمريكا ضد النظام السوري. بينما أمريكا تريد مواصلة التشاور بشأن الطيران في أجواء سوريا، وتصريحات جاءتها بعد تأكيد واشنطن أنها مستعدة للتعاون العسكري في سوريا، وتريد حصره بالجانب التقني الذي يحمي طياريها في المنطقة، بينما تريد موسكو تعاونا يركز على تبادل المعلومات حول مواقع تنظيم الدولة وعينها وكل قصفها على الثوار المعارضين للنظام السوري.


وبعد دخول روسيا على خط المواجهة المباشرة ضد التنظيم والمعارضين للنظام في سوريا.. أخذ الموقف الأمريكي منحى أكثر تذبذبا، فهي بدأت بالتقارب منع روسيا وإعطائها الدور المتفق عليه في سوريا للوصول إلى ما تريد من ضرب للمعارضين دون أن يعلم من الذي ينفذ الضربات سوى أمريكا وروسيا.. فما الذي تريده واشنطن؟ هل تريد البقاء في الساحة السورية وحدها؟ أم تريد تدخل روسيا بشروطها؟ وما الذي يمكن أن يغير المعادلة في سوريا الآن؟ وهل تستطيع الضربات الروسية تحقيق ما عجزت عنه ضربات التحالف على مدى عام؟


أمريكا تستخدم في ضرب ثورة الأمة في الشام ما يسمى "الصبر الاستراتيجي"، وما دامت الخسائر لا تطالها، ولا يوجد دب يلعب في ملعبها، ولا خوف للآن على عميلها بشار، أي بمعنى أن كل الأمور والأحوال في سوريا تحت السيطرة والمراقبة التامة، ولا صراع سياسي مع أوروبا وخصوصًا الإنجليز بسوريا، فليبقَ الأمر لسنوات، وهذا ما تفعله عالميًا في أكثر من منطقة في العالم، وخصوصًا أن مصالحها لم تتأثر، فما يهمها هو إنضاج بديل مقبول على الأرض.


أما ثالثة الأثافي.. فالمعادلة في سوريا يجب أن تبقى كما هي، فأمريكا لا تريد حصول وتطور صراع على سوريا مع الإنجليز ممثلين بأوروبا، وقد رأينا تحرك الطيران الفرنسي، والقيام بعدة ضربات، وتمركزه في الأردن على الحدود مع سوريا، وبريطانيا قامت بضربات، وتحاول استصدار قرار قانوني يجيز لها الاشتراك بالضربات بحجة محاربة الإرهاب في سوريا، وعليه فإن أمريكا أتت بروسيا بقرار من النظام السوري وموافق عليه أمميا، وبالتنسيق بينهما للجم أي تدخل أوروبي، وخصوصًا أننا نعلم توتر الأوضاع بينهما بسبب أوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا.


أما الحجر الرابع الذي رمت به أمريكا وهو روسيا بالتوافق لتدخلها في سوريا، فهو مدخل لأمور عديدة لا تريد أمريكا الظهور بمظهر التناقض الفج، فهي تدعي أنها ضد بشار، ولا تريد بقاءه، وتراجعت مرحليا بالموافقة عليه لحين إنهاء المفاوضات حال حصولها، والتوافق على بديل، ونعلم أنه ليس هو المقصود أي بشار الأسد، بل المحافظة على النظام وأجهزته حتى لا تقع في الخطأ نفسه الذي حصل في العراق، وكذلك إمكانية أن تقوم روسيا بعمل لم تستطع أمريكا القيام به لتظاهرها أنها مع المعارضة السورية، وضد بشار، وتنظيم الدولة، وبقية الإرهابيين، وكذلك تستطيع تجنيب سوريا من التدخل الأوروبي بسبب التدخل الروسي العسكري، والذي ابتدأ بضرب قوات المعارضة المعتدلة، وغير المعتدلة، فروسيا تضرب كل من يعمل ضد بشار، فهي لا تعترف بوجود معتدلين ما دام الكل مسلمين ويرفع راية: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".


وللعلم فإن كل التدخل الروسي يقوم على التوافق والتنسيق بين أمريكا وروسيا، ولا تناقض بينهما، فكل التصريحات من كلا الطرفين تدلل على التوافق، وليس التضاد والتصادم، وكان مما صرح به وزير خارجية أمريكا كيري بعد التدخل الروسي مباشرة قوله: "لقد تحادثنا بالأسبوع الماضي سبع عشرة ساعة هاتفيا"، مما يدلل على التنسيق والتوافق، واستصدار قرار الحكومة السورية المعترف بها من الأمم المتحدة بتدخل روسيا.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الأستاذ وليد نايل حجازات - الأردن


لقراءة الجزء الأول اضــغـط هــنـا

لقراءة الجزء الثالث اضــغـط هــنـا

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني