روسيا... إلى أين؟ (3)
October 31, 2015

روسيا... إلى أين؟ (3)

روسيا... إلى أين؟ (3)


انزلاق بوتين روسيا في سوريا:


إن روسيا دولة كبرى لا شك في ذلك، وهي ليست عميلة أو تدور في فلك أمريكا، ولكنها بالتأكيد ليست الاتحاد السوفياتي سابقًا، ولا تستطيع منافسة أمريكا في مناطق نفوذها، سواء على أساس القوة أو الاتفاقات الدولية المبرمة إبان الحرب الباردة، وعليه فإن دخولها المعركة في سوريا يعتبر انزلاقًا خطيرًا ودخولاً لمستنقع ذاقت ويلاته هي وجيشها، وذلك في جهاد وتضحيات المسلمين سابقًا في أفغانستان والشيشان، وعليه فإن خدمة الدولة الأولى عالميًا مقامرة وغباء سياسي، ومنزلق فيه مخاطرة كبيرة، وقد فعلت روسيا ذلك ظنًا منها أنه قد يغير من وضعها الصعب في أوكرانيا، ولكن هذا أمر وذاك أمر، وكانت روسيا قد وعدت بشار أن تنهي الأمر في وقت قصير، وحددت لذلك أربعة أسابيع، وللعلم لقد انتهت المدة، ولم تفلح بإنجاز ما كانت قد وعدت به، وتكبدت هي وبشار وإيران وحزبها في لبنان خلال تلك المدة خسائر مادية فادحة، وواجهت قتلاً كثيرًا.


روسيا وأمريكا في سوريا:


لقد أصبح من المعلوم لدى أكثر المتابعين والمحللين السياسيين أن ما تفعله روسيا في سوريا هو خدمة لأمريكا ابتداء، التي سمحت لها بأن تلعب دورًا محدودًا ومرسومًا بما يخدم مصالح أمريكا أولاً، ثم بما يحقق مصالحها الذاتية من مثل قاعدتها العسكرية في سوريا، أما تدخلها الأخير بهذا الشكل السافر، والذي يوحي للوهلة الأولى بأنه يمثل تحديًا لأمريكا في سوريا كمنطقة نفوذ أمريكية، فهو أمر صعب المنال عليها ولا تقدر عليه، ولن تسمح أمريكا لها بذلك، وعليه كان تدخلها نتيجة لصعوبة الموقف الأمريكي في سوريا، وعدم قدرة أمريكا على إيجاد حل مقبول لدى الثوار والمسلمين من أهل سوريا، فخشيت أن يسقط بشار بشكل مفاجئ مع عدم جاهزية الحل لديها، فتكون قد وقعت في مأزق لا تحمد عقباه، وتكون الخسائر كبيرة، ويشتد ويحتدم الصراع سواء مع الأمة الإسلامية ومشروعها السياسي الخلافة على منهاج النبوة أو مع الأوروبيين ونفوذهم في منطقة بلاد الشام، حيث الصراع يراوح بين شد وجذب بينهما في أكثر من موطن مثل اليمن وليبيا، بل حتى المناطق التي أنهت فيها أمريكا الصراع مثل مصر والعراق لم يستقر الأمر لها تمامًا كما تريد، فعملاؤها اليوم ليسوا كعملائها بالأمس، حيث لا استقرار ولا قرار ولا أمان لهم من انقلاب الشارع عليهم، وعليه سمحت بالتدخل الروسي في سوريا وبطلب رسمي من بشار، وهذا يعني أن الخروج من سوريا أيضا يكون بطلب رسمي رغم ضعف بشار ونظامه، وعليه نرى وبعد عدم القدرة على الإنجاز بدأت قبل أيام قليلة مؤتمرات كالمهرجانات لحلحلة الأزمة السورية، مما يدلل على عدم جدوى التدخل الروسي، فدعت أمريكا إلى مؤتمر فينّا؛ ليكون أساسًا لحل الأزمة السورية، وللعلم لم تدعُ إليه فرنسا مما حدا بها للإعلان عن مؤتمر آخر، فيه عدد من دول المنطقة لمناكفة أمريكا في سوريا، ولا ننسى أن سوريا مستعمرة فرنسا القديمة، ولها فيها مصالح وعملاء وكذلك جارتها لبنان.


تسارع الأحداث في سوريا:


نعم إن سياسة الصبر الاستراتيجي التي تنتهجها أمريكا في سوريا هي سياسة قوية، وخسائرها المنظورة قليلة، إلا أن إطالة أمد الثورة، وعدم حلحلة الأمور قد يؤدي في الأمد البعيد إلى ما لا تحمد عقباه، فالمنطقة الإسلامية تتفلت من عقالها، وتغلي على نار جمرها الحجارة أو أشد، فالأمة الإسلامية طالها من الظلم والإذلال الكثير الكثير على يد أمريكا وأوروبا وروسيا، والأمم تصبر، ولكنها لا تنسى ولا تدجن، وخصوصًا الأمة الإسلامية فهي أمة ذات عقيدة حية ومتقدة، وكل دول الكفر درست ذلك في مراكزها الاستراتيجية، وعاشته إبان الحروب الصليبية، وخلال القرن الماضي بأكمله، وافتتحت الأمة الإسلامية هذا القرن بثورات لم يشهد لها العالم مثيلا، ألا وهي ثورات ما سمي بالربيع العربي، ولذا لم تستطع أي جهة سياسية أن تتنبأ بما حدث، ولم تشر له أية دراسة، ولولا تآمر الدول الكبرى وعملائها على ثورات الأمة التي ما زالت لم تهدأ وقدرها تغلي، لكان ما تسعى له الأمة من تحرر من قبضة الاستعمار وعملائه نتيجة حتمية لتحركها وتضحيتها بالغالي والنفيس في ميادين التحرير وخروج أبنائها وبصدور عارية مطالبين برد سلطان الأمة لها، ونبذ الحكام العملاء والمأجورين، وحيث إن عقيدة الأمة هي الدافع والمحرك لها بالتضحية والاستشهاد، فلن يكون المطلب إلا ما تطلبه ثورة الشام المخلصة والتي لم يستطع الغرب توجيهها كما فعل في تونس ومصر، وتعثر الغرب وعملائه في اليمن وليبيا والعراق دليل آخر على صدق الأمة في توجهها نحو العقيدة الإسلامية السياسية وتحكيمها في واقع حياتها، وإن لم تعبر عنه التعبير الواضح والفكري والسياسي المبدئي، فعلى المفكر المخلص أن يقرأ ما بين السطور وتحركات الشعوب كيف ولماذا تكون..؟، وعليه فإن تسارع الأحداث في سوريا يجعل أمريكا تتقلب على نار لإيجاد حل، وقد تخبطت كثيرًا في ذلك، وكان من آخر فلتاتها دعوة إيران للمؤتمر الأخير الذي دعت إليه أكثر من سبع دول لإيجاد رأي عام دولي حول ضرورة الحل في سوريا وبرعاية أمريكية ومشاركة روسية.


ولن يكون هناك حل كما تريده أمريكا ما دام هناك مخلصون في ثورة الشام، ولن تجبرهم بعد كل التضحيات الجسام التي قدمت، والويلات التي أذاقتها أمريكا والغرب للمسلمين من أهل سوريا عقر دار الإسلام، فلقد ذاق أهل الشام المخلصون طعم الشهادة في سبيل الله تعالى، وتعلموا معاني عملية خلال السنوات الخمس الماضية، لم يكونوا ليعلموا منها شيئًا بسبب تجهيل المسلمين من النظام القومي العربي البعثي الممانع والمقاوم، فلقد كاد ينسي المسلمين دينهم لدرجة محاسبتهم على تأدية الصلاة، وملاحقة النساء غير المتبرجات، وتشريد الشباب المسلم الملتزم بدينه، وسجون صدنايا وأمثالها تشهد بذلك، وما إن تحرك أهل الشام كما تحرك غيرهم من المسلمين للتحرر من قبضة الطاغية حتى صب جام غضبه، والبراميل المتفجرة على رؤوس الناس: الثوار والأبرياء لا يفرق بين كبير وصغير، ولا بين امرأة ورجل، ووصل الأمر إلى استعمال السلاح الكيماوي تحت بصر العالم وسمعه وقوانينه الدولية التي لا تطبق إذا كان المسلمون هم الضحية، ولو كانوا بالملايين من القتلى والمهجرين والمشردين، فأدرك كل أهل الشام والمسلمون من حولهم، وكثير من البشر بشاعة وظلم النظام العالمي المتحكم في العالم وبرئاسة أمريكا والغرب الكافر برأسماليتهم الجشعة، والتي لا تعرف سوى مصالحها ومنافعها، ولكن ربك لهم بالمرصاد، فيكيد كيدًا لكشف وإبطال كل زيف، وخصوصًا ألاعيب الحكام وإعلامهم وعملائهم والمنتفعين من خلفهم، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.


روسيا والمأزق في سوريا:


لقد أوردنا أنفًا أن خدمة الدولة الأولى عالميًا مقامرة، وقد تؤدي إلى مقتل وفشل، وهي بحد ذاتها غباءٌ سياسيٌ، فروسيا بعد مأزقها في أوكرانيا حسبت أنها ستكون بخدمتها لأمريكا قد خرجت من مأزقها ومقاطعتها وعزلتها، فكان دخولها لسوريا ضغثًا على إباله، فما استطاعت إنجاز شيء في سوريا، ولم تكسب إلا عداء المسلمين من كل الأجناس والأعراق، ولم يتغير أي شيء على وضعها في أوكرانيا، وكسبت مزيدًا من العداء، فتناست الملايين من المسلمين في داخلها، وحولها خمس من الجمهوريات التي أغلبها مسلمون، ذاقوا ويلات وظلم الاتحاد السوفياتي ولاحقوا تغطرس وتجبر روسيا الحالية، وتناسى الروس طبيعة العقيدة الإسلامية، وأنها تربط بين كل أبنائها في كل أصقاع الأرض، وأن غطرسة بوتين وأمريكا ستوحد المسلمين على عدائهما، وكل الكفر ودوله.


ولذلك ندعو المسلمين إلى الوحدة، وإلى الوقوف ضد كل مشاريع الدول الكافرة التي تحاك ضد الأمة الإسلامية، للحيلولة دون عودتها أمة ذات سيادة وسلطان، يجمعها في دولة واحدة، ويحمي بيضتها وحرمات المسلمين ومقدساتهم ودمائهم وأموالهم، فإلى ما يحييكم أيها المسلمون لبوا داعي الجهاد، والوعي على مشاريع الدول الكافرة التي تحاك ضد الأمة الإسلامية. قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. [الأنفال: 24]

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الأستاذ وليد نايل حجازات


لقراءة الجزء الأول اضــغـط هــنـا

لقراءة الجزء الثاني اضــغـط هــنـا

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني