(سكيزوفرانيا) العسكر! بين أطفال اليمن وأطفال الروهينجا
(سكيزوفرانيا) العسكر! بين أطفال اليمن وأطفال الروهينجا

مع دخول الحرب عامها الثالث في اليمن، ناهز عدد القتلى 10 آلاف شخص حسب تقارير الأمم المتحدة التي أعلنت مسؤولية دول التحالف عن قتل 60% منهم. فيما تسببت هذه الحرب في تشريد 3 ملايين شخص وهدم المرافق الصحية وقصف المدارس وإصابة الآلاف بجروح بالغة وتشوّهات...

0:00 0:00
السرعة:
September 16, 2017

(سكيزوفرانيا) العسكر! بين أطفال اليمن وأطفال الروهينجا

(سكيزوفرانيا) العسكر!

بين أطفال اليمن وأطفال الروهينجا

مع دخول الحرب عامها الثالث في اليمن، ناهز عدد القتلى 10 آلاف شخص حسب تقارير الأمم المتحدة التي أعلنت مسؤولية دول التحالف عن قتل 60% منهم. فيما تسببت هذه الحرب في تشريد 3 ملايين شخص وهدم المرافق الصحية وقصف المدارس وإصابة الآلاف بجروح بالغة وتشوّهات...

حالة من التناقض المخزي لجيوش دول التحالف الذي يضمّ الأردن ومصر والمغرب والسودان وجيش باكستان وسلطنة عمان (وقطر سابقا) والبحرين والكويت والإمارات، بقيادة السعودية التي تحمل راياتٍ خُضراً مكتوباً عليها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) يتباهون بها ويطبعونها أعلاما على الطائرات المقاتلة (الإف16 والأباتشي)!!

والمتابع لأحداث اليمن يدرك جيدا حجم الميزانية التي خُصّصت لهذه الحرب أو ما يُعرف اصطلاحا بإعداد الدول للحرب، من موارد بشرية ومادية ولوجيستية، إذ لا تتوانى بعض هذه الدول على المزيد من إفقار شعوبها وهضم حقوقهم واتباع سياسة التقشف ورفع أسعار المحروقات والمواد الاستهلاكية بهدف التسلّح والمشاركة في عاصفة الحزم التي أودت بحياة الآلاف من المدنيين أكثرهم من "الأطفال"، ولعلّ ما يزيد الموقف خزيا وعارا أن كل هذه الطاقات الدولية مجتمعة للتصدّي لحركة مسلّحة (الحوثيين) ودعم الشرعية!!!

ولسنا هنا لنعرض حجم الدمار والخسارة التي ألحقتها هذه الحرب على أهلها، وحجم الكارثة الإنسانية الفظيعة التي يعيشها أهل اليمن اليوم، بين القصف والمجاعة والفقر والكوليرا... فالوضع في اليمن قد وصل إلى حافة الهاوية!! كما أننّا لسنا هنا لنبيّن حقيقة الصراع الإنجلوأمريكي على اليمن وأدواته ووكلائه، وإنما لنُفنّد كذبة كبيرة عاشتها شعوب الأمة الإسلامية لعقود طويلة، وهي أن دولهم - العربية خاصة - ضعيفة مادياً وعسكريّا وكأنها أمم بلا جيش كجزر المارشال أو كوستاريكا تعيش تحت الوصاية!!

هذه الكذبة عشّشت في نفوس أبناء الأمة، ونشرت عقلية مُحبِطّة مُدمّرة، عقلية الانهزام والاستسلام أمام أي تهديد خارجي أو داخلي، عقلية تبعث العجز في النفوس، حتى أصبح وعد الله عز وجل بالاستخلاف وبشرى رسوله r بخلافة راشدة، وَهْماً عند المُرجفين أو حلماً جميلا عند الآخرين، ليبقى الدعاء هو السلاح العاتي في وجه الصواريخ والقنابل والراجمات! أو الاستنجاد بالمنظمات الأممية والحقوقية لإغاثة الناس! حتى وصل الأمر بطلب التدخل العسكري الغربي في بعض المناطق لنجدة أهلها! إلا الحلّ العسكري الذاتي، فهو ليس مطروحا، لأن عقلية الانهزام والوهن قد توطّنت في النفوس فلن يستطيع أحدٌ الوقوف أمام جيش الغرب الذي لا يُقهَر!

فهل نحن حقا أمة بلا جيش؟؟

هل ننتمي إلى "جزر سليمان" التي تعيش تحت حماية أستراليا أم إلى أمة ممتدة من المحيط إلى الخليج؟؟

هل تفتقر جيوشنا حقا إلى القوة المادية والعسكرية والتقنية والبشرية أم أنها معادلة يصعب حلّها؟؟

فضياع فلسطين، مهبط الأنبياء، ومجازر يهود في القدس وغزة، وحرب أمريكا على الفلوجة وأفغانستان، وإبادة الروهينجا على أرض ميانمار، ومعاناة مسلمي الصين، وإبادة أهل الشيشان، وفظاعات سجن أبو غريب، ومجازر الهندوس في مسلمي الهند، ومأساة مسلمي أفريقيا الوسطى، واستغاثات واستنجادات ملايين المسلمين المضطهدين والمنكوبين عبر العالم، لم نرَ لجيوش المسلمين فيها أثرا، غير العروض والنياشين والأناشيد الوطنية!!

والمفارقة المؤلمة، أننا نسمع لجيوش المسلمين ركزا في وقائع أخرى!!

لقد أثبتت عاصفة الحزم - مثلا - قوة الطاقات العسكرية وبراعتها ومهارة القوات الجوية وبسالتها، كما أثبت ذلك من قبل، التدخل العسكري "العربي" في ليبيا، بمشاركة مصر والإمارات وقطر والسعودية، أو بسالة الجيش التركي في دعم حلف الناتو في أفغانستان، أو قوات دول التحالف العربي في سوريا والعراق لمحاربة تنظيم الدولة تحت عنوان مكافحة (الإرهاب) والقتال إلى جانب أساطيل جوية وبحرية أوروبية وأمريكية.

طيارون مسلمون، وطائرات تُقلع من أراضٍ عربية ومسلمة تُجاور المسجد الأقصى أو تحاذي بيت الله الحرام، تطير ببراعة وتقصف بدقة، تهدم المنازل وتدمّر المساجد وتقتل الأطفال والنساء، والمؤلم في كل هذا أن القاتل والمقتول يجمعهما دين واحد ورب واحد وكتاب واحد!!

عار وشنار على جيوش حرّكتهم مصالح بريطانيا وأمريكا وجعلتهم يقتلون إخوة لهم في الدين والدم، ولم تُحرّكهم صرخات أمة مكلومة ممزقة يتداعى عليها الغرب كتداعي الأكلة على قصعتها!!

لقد مرّت أمتنا في العقدين الأخيرين بمآسٍ عظيمة، لم يحكوا لنا عنها، بل صرنا نراها مباشرة كل يوم على صفحات مواقع التواصل الإلكتروني صوتا وصورة فلا تزيد القلب إلا حسرة وكمدا، فما عدنا نطيق رؤية استباحة المقدّسات، وهتك الحرمات، وسحق المخيّمات، وبقر بطون الحوامل، وتكسير عظام الأطفال، وسحل الشباب في الشوارع، وهدم المنازل فوق رؤوس ساكنيها من الأطفال والنساء، وقصف الجوامع، وتدمير المستشفيات، وحصار المدن، وتعطيل سيارات الإسعاف، وحرق الناس أحياء، ومنع إخلاء الجرحى من تحت الأنقاض، ولا حتى رفع الجثث المتعفّنة من الشوارع والأزقة والبيوت المهدّمة!!! ولعل ما يحدث اليوم في أطفال الروهينجا يُلخّص مأساة أمة!

عار وشنار ودمار على جيوش تتصدر المراتب العالمية من حيث قوّتها العسكرية، كجيش باكستان وإندونيسيا وتركيا ومصر والجزائر، وكل من هذه الجيوش تجاور منطقة حرب، أو احتلال، لكن، تنتظر الإمام المهدي لتحرير المسجد الأقصى ونشر الأمان والسلام في أمة الإسلام!!

عار وشنار وقتار، على جيوش قدّمنا لتشكيلها خيرة أبنائنا وإخواننا، وبذلنا لإعدادها وتسليحها أحبّ أموالنا ومدّخراتنا، على أمل أن تحفظ أمتنا، وتصون أعراضنا، وتحمي مقدّساتنا، وها هي أمتنا اليوم تُقتَل وتُذبح، ومع ذلك فلا تهتزّ شعرة في شوارب تلك الجحافل والفيالق الجرارة، لنتساءل ونحن ندرك الجواب، لمَ أُعدّت تلك الفيالق والجيوش إذاً، وما مسوّغ تسمينها وتسليحها بالمليارات؟؟ هل استطاع تنظيم الدولة والحوثيون استفزاز الجيوش وتحريكها من ثكناتها فيما عجز المسجد الأقصى الأسير والفظاعات التي تحصل في ميانمار على تحريكها؟؟

الجيوش اليوم، تملك من القوة والمنعة ما يكفيها لنصرة المسلمين، فلماذا يُلام من يستنصرها؟؟ فالعقل يدلّك أن إزالة القوة لا يكون إلا بقوة أكبر منها، وفوق ذلك الشرع يدلّك بأن ردع العدو يكون بالقتال لا بالدعاء، ونُصرة المسلمين الذين سُفكت دماؤهم واستبيحت أعراضهم تكون بتحريك الجيوش لا بجمع التبرعات على أبواب المساجد! فلماذا لا نستنصرهم ولا نحُثهم على الجهاد ولا نعلق مسؤولية العرض والدم في رقابهم؟؟

يا جيوش المسلمين، القادة والجنرالات المخلصون منكم،

لن نملّ من طلب نصرتكم تأسياً برسولنا الأكرم rوهو يعمل لإقامة دولة الإسلام العظيمة، حتى أدميت قدماه الشريفتان، يسعى بين القبائل لطلب الحماية والنصرة من أهل القوة والمنعة، لمبايعته على مشروع الإسلام وبناء اللبنة الأولى لدولة تُقيم حدوده وتطبق أحكامه!

إننا على يقين بدنوّ نهاية الحكم الجبري، فكونوا ذلك الجيش الذي ينهيه، ولنعم الجيش!

وإننا مطمئنون لوعد الله بالاستخلاف وبشرى رسوله rبخلافة راشدة على منهاج النبوة، فكونوا ذلك الجيش الذي ينصر العاملين لعودتها، ولنعم الجيش!

يا جيوش المسلمين، هلمّوا إلى عز الدنيا والآخرة وإنه والله خيرٌ مما يجمعون ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نسرين بوظافري

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني