سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي ح57: القرينة الثامنة: الربط بين السلطان والبيعة والطاعة وقيام الجماعة ووحدة المسلمين، وصفة الخروج عن شيء منها!
سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي ح57: القرينة الثامنة: الربط بين السلطان والبيعة والطاعة وقيام الجماعة ووحدة المسلمين، وصفة الخروج عن شيء منها!

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي" للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك الحلقة السابعة والخمسون: القرينة الثامنة: الربط بين السلطان والبيعة والطاعة وقيام الجماعة ووحدة المسلمين، وصفة الخروج عن شيء منها!

0:00 0:00
السرعة:
July 12, 2018

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي ح57: القرينة الثامنة: الربط بين السلطان والبيعة والطاعة وقيام الجماعة ووحدة المسلمين، وصفة الخروج عن شيء منها!

سلسلة "الخلافة والإمامة في الفكر الإسلامي"

للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

الحلقة السابعة والخمسون: القرينة الثامنة: الربط بين السلطان والبيعة والطاعة وقيام الجماعة ووحدة المسلمين، وصفة الخروج عن شيء منها!

للرجوع لصفحة الفهرس اضغط هنا

أمر المسلمين بتنفيذ أحكامه التي نزلت، وأمرهم ببيعة خليفة يقيم فيهم تلك الأحكام، وأمرهم بطاعته وقرنها بطاعة الله ورسوله، وجعل قيام جماعة المسلمين، ووحدتهم كلتيهما مقرونتين بوجود الخلافة واجتماعهم على الخليفة، وجعل الخروج عن السلطان، أو الخروج عن الجماعة أو الخروج عن الطاعة أو شق اجتماع المسلمين على خليفة واحد مؤذنا بخلع ربقة الإسلام من الأعناق[1]، وأحيانا أمر بقتل الخارج، أو مفرق الكلمة، وأحيانا جعل ميتته ميتة جاهلية، وأحيانا جعله يثلم ثلمة في الإسلام لا يستطيع سدها[2].

جمع الله تعالى كل ما أنزل من أحكام وشرائع، من أوامر ونواه تحت تسمية واحدة جامعة مانعة، سماها: الأمر: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18]، ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]، فالله جمع مجموع ما أنزل من أوامر ونواه تحت مسمى الأمر، أمراً لتساس حياة الناس وفقا له، وجعل ولاية هذا الأمر لولي الأمر، الأمر لولي الأمر، والولاية: النصرة والسيادة وتولي رعاية الشؤون، فهو من يتولى رعاية الشؤون وفق أوامر الله، فأمر بإقامة ولي للأمر، وجعل له الطاعة مقابل تطبيق الأحكام وإقامة الدين، وقرن طاعته بطاعة الله ورسوله، عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسـلم قَالَ «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي[3]»!

وجعل الخروج عن طاعته مؤذنا بخلع ربقة الإسلام من العنق، فإنْ صاحَبَ الخروجَ شقٌّ لعصا المسلمين أمر بالقتل درءا لفتنة تفرق المسلمين! فأي أمر عظيم هذا الذي غلظ في العقوبة عليه وفي التنفير من اقترافه، بل إن غيابه فتنة، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: 39]!، قال رسول الله ‏ صلى الله عليه وسـلم «وأنا ‏ ‏آمركم بخمس آمركم بالسمع والطاعة والجماعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فمن خرج من الجماعة ‏ ‏قيد ‏ ‏شبر فقد خلع ‏ ‏ربقة ‏ ‏الإسلام من رأسه ومن دعا دعوى الجاهلية فهو ‏ ‏جثاء ‏جهنم قال رجل يا رسول الله وإن صام وصلى قال نعم وإن صام وصلى ولكن تسموا باسم الله الذي سماكم عباد الله المسلمين المؤمنين».

واعتبر الخروج عليه مؤذنا بالخروج من الجماعة، إذ بوجود السلطان (أي الخليفة) توجد الجماعة والخروج من الجماعة خروج من السلطان وكل هذا مؤذن بأن يخلع الخارج وقتها ربقة الإسلام من عنقه.

فقد أحاطت الأحاديث بالموضوع من كل جوانبه: إيجاب البيعة للإمام أي للخليفة: «ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»، وإيجاب الطاعة بناء على هذه البيعة: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له». بل لقد زاد وزاد:

قال صلى الله عليه وسـلم: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة، فمات، مات ميتةً جاهلية». رواه النسائي ومسلم، فجعل وجود الخليفة مؤذنا بقيام جماعة المسلمين، ومن غير قيامه ينفرط عقد جماعة المسلمين، وجعل الخروج على طاعة الخليفة خروجا عن جماعة المسلمين، كيف لا وقد سمى الصحابة عام اجتماعهم على معاوية بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهم جميعا، سموا ذلك العام: عام الجماعة!

وأخرج أحمد من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري، عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم أنه قال «ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعه، وعصى إمامه، ومات عاصيا»، قال الصنعاني: وقوله وفارق الجماعة: أي خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم، واجتمعت به كلمتهم، وحاطهم عن عدوهم، قوله «فميتته ميتة جاهلية» [4]

فهذه كلها قرائن على أن الطلب في الأحاديث للبيعة والطاعة ولزوم الجماعة أي لزوم الاجتماع مع المسلمين تحت طاعة أمير واحد كما سيأتي، كل هذا إنما هو طلب جازم، فالرسول صلى الله عليه وسـلم لا يصف ميتةً لمسلم بالجاهلية ويصف فرقته بأنها عذاب ويأمر بعدم السؤال عنه ويأمر بقتله إن نازع الخليفة الأمر، ويصفه إن خرج عن الطاعة وفارق الجماعة، كمن خلع رِبْقَةَ الإسلام من عنقه، إلا إذا كان هذا المسلم قد ارتكب حراما أو ترك فرضا، أما تارك المندوب فلا يوصف بهكذا أوصاف.

أولم يقل الرسول صلى الله عليه وسـلم: «فإن الله سائلهم عما استرعاهم»! فهو هو الذي جعل رعاية الشؤون لهم، وجعلها مسؤولية يُسألونَ عنها يوم الدين! ويُحاسَبونَ عليها في الدنيا، فكيف لا يقال بأن تطبيق الشريعة وإقامة الدولة التي تطبق هذه الأحكام أوجب الواجبات، إذ بلا هذه الطريقة فإن هذه الأحكام معطلة! عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسـلم قال «إقامة حد من حدود الله خير من مطر أربعين ليلة في بلاد الله عز وجل»[5]! فكيف بتطبيق سائر أحكام الله في الأرض!

وقال ابن سعد في طبقاته: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السكري قال: حدثنا أبو المليح قال: كتب عمر بن عبد العزيز: إن إقامة الحدود عندي كإقامة الصلاة والزكاة!


[1]  رِبْقَةَ الإسلام من عنقه: قال الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح: أي نقض عهده وذمته من عنقه وانحرف عن الجماعة وخرج عن الموافقة.

وقال بعضهم المعنى فقد نبذ عهد الله وأخفر ذمته التي لزمت أعناق العباد لزوم الربقة بالكسر وهي واحدة الربق وهو حبل فيه عدة عرى يشد به إليه أي أولاد الضأن والواحدة من تلك العرى ربقة. انتهى، فكأنما شبه اجتماع المسلمين على إمام واحد يشد أزرهم ويجعلهم جماعة واحدة، كأولاد الضأن يشدون بحبل واحد فيه عرى تلتف على أعناقهم فتشد وثاقهم فلا يشرد منهم واحد عن ذلك الاجتماع، وجعل ذلك الاجتماع: الإسلام، فقال: خلع ربقة الإسلام من عنقه، ويا له من تشبيه!

[2] وعن رجل قال: كنا قد حملنا لأبي ذر شيئا نريد أن نعطيه إياه فأتينا الربذة فسألنا عنه فلم نجده قيل: استأذن في الحج فأذن له، فأتيناه بالبلد - وهي منى - فبينا نحن عنده إذ قيل له: إن عثمان صلى أربعا فاشتد ذلك عليه، وقال قولا شديدا وقال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسـلم - فصلى ركعتين، وصليت مع أبي بكر وعمر، ثم قام أبو ذر فصلى أربعا فقيل له: عبت على أمير المؤمنين شيئا ثم تصنعه؟ قال: الخلاف أشد، إن رسول الله - صلى الله عليه وسـلم - خطبنا وقال: « إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وليس بمقبول منه توبة حتى يسد ثلمته وليس بفاعل، ثم يعود فيكون فيمن يعزره.»  رواه أحمد وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات.

[3] رواه البخاري في كتاب الأحكام.

[4]  سبل السلام للصنعاني

[5] ( حسن ) الألباني _ الصحيحة 231، المشكاة 3558، الروض النضير 1068

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني