ذكرى الفاجعة الكبرى!
May 13, 2015

ذكرى الفاجعة الكبرى!

ذكرى الفاجعة الكبرى!

عندما عزم المسلمون في زمن الخلافة الرّاشدة ليعتمدوا تقويمًا خاصًا بهم، بحثوا عن يومهم الأعظم باعتبارهم أُمّة، لِيُنسب التقويم إليه ويكون فيه بدء عدّ السنين..! فتجادل القوم فيما بينهم، بحثًا عن ذلك اليوم وعن تلك المناسبة، لا سيّما أنّ الأحداث العظيمة كانت كثيرة، فمن يوم ميلاد المصطفى إلى يوم بعثته، إلى يوم إسرائه ومعراجه وفرض الصلاة، إلى يوم انشقاق القمر، إلى يوم إسلام حمزة، إلى يوم إسلام عمر وما تلاه من جهرٍ بكتلة النبيّ، إلى يوم هجرته ﷺ، إلى يوم بدر، إلى يوم الخندق وإلى يوم فتح مكة!!! أحداثٌ عظيمة ولها عظيم الأثر على هذه الأمّة وهذا الكيان.


ولكن جاء القول الحكيم من الفاروق عمر الذي أعزّ الله الإسلام به بدعاء الحبيب - عليه صلوات ربي وسلامه- له، عمر الذي جاء على لسانه ما نزل به الوحي ووافق فِعله وحكمه حُكم السماء من الفرقان، فكان خِيار عمر الخليفة الراشد وأمير المؤمنين وبه أقرّ الصّحابة بأنّ يوم هجرة نبيّكم هي أعظم الأيام! ففيه كانت النصرة، ولعظمته جمعت قريش الجموع والفتية لمنعِ حُدوثه لما تعلم من عظيم شأنه، فتآمرت على قتله ﷺ وهو في فراشه ومن ثم أرسلت فرسانها لِلَحاقِ به... فلذلك اليوم عمل القائد الأول في مكة ثلاث عشرة سنة، ولأجله ذهب مُعلمنا السياسيّ الأبرع - عليه صلوات ربي وسلامه - لزعماء القبائل وأُدميت قدماه الطاهرتان الشريفتان في الطائف، وللوصول إليه ابتعث مُصعب للمدينة وكانت بيعة العقبة الأولى - بيعة النساء - ومن ثم بيعة العقبة الثانية - بيعة الحرب -، وعندما تمّت الهجرة كان قيام الدين وإعلان الأمّة واستقرار الرياسة ورُدّ للشرع السيادة.
نعم إنّ يوم تقويمكم بدأ من تاريخ هجرة نبيّكم، هل تعلمون لماذا!؟


لأنّ بهجرته أُقيمت دولة عظيمة في مبدئها وفي رِجالها وفي حُكمها...!! إنّها الدّولة الإسلامية "دولة الخلافة" فيما بعد رسولكم، الدّولة الجامعة لأُمّتكم ومُحققة لوحدة كيانها التنفيذي! بالخلافة كُنّا أُمّةً واحدةً، بلادنا منبت العلماء والفروسية والعظماء، وإليها تتزاحم أقدام طلاّب العلم من كل حدب وصوب وكل دين وعرق وأرض! تحت ظلال رايتها كانت الرّحمة وكان الخير حتى للطير في سمائها، ولها مع الطير جولات في الكرم والعطاء...!!


دولة الخلافة كانت عظيمة الشأن، رحيمة الحكم، عفيفة الرجال، سيّدة القرار، حازمة الفِعال، حكمت فيها من أُمّتكم أحزاب وأعراق، فمن الراشدين الأربعة إلى الأمويين وفيهم عمر بن عبد العزيز، إلى العباسيين وفيهم الرّشيد الذي خاطب الغمام والمعتصم الذي ما زلنا نبحث عن نخوته! إلى وُلاتهم من صقر قريش عبد الرحمن الدّاخل إلى صلاح الدين قاهر الصليبيين، إلى يوسف بن تاشفين وحُكم المرابطين!! ومن ثم وبمزيد اختصار إلى بني عثمان الخلفاء الكرام الذين قال فيهم نبيّكم مادحًا جيشهم وأميرهم الفاتح «تفتح القسطنطينية فنعم الجيش جيشها ونعم الأمير أميرها»، وُصولًا إلى عبد الحميد الذي ترك لمن بعده من أبناء هذه الأمة كلمات حارقة، بل صواريخ مُسعّرة لحرب يهود وكلّ معتدٍ حتى تحرير كلّ فلسطين وكلّ بلادنا المغتصبة - وما كانت فلسطين مغتصبة -!! "إنّ عَمل المِبضع في جسدي أهون عليَّ من تسليم شبرٍ من فلسطين ليهود"!! وحتّى آخر أيامها كانت إنجازاتها عظيمة في خدمة هذه الأمّة وليس آخرها سِكّة حديد الحجاز التي هي تجسيد لربط الاتصال وتسهيله بين كامل أرض دولة الخلافة؛ من الحجاز إلى الشام إلى العراق إلى الأناضول، وُصولا فيما بعد حتى المغرب وغير المغرب!! ولكنّ يد الغدر والحقد والكره كانت إلى خلافتنا مشيرة.


في الثامن والعشرين من رجب عام ألف وثلاثمائة واثنين وأربعين الهجري الموافق للثالث من آذار مارس عام ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين الميلادي كان يوم الفجيعة الفاجعة لهذه الأمّة بإعلان اليهودي عميل الإنجليز مصطفى كمال إلغاء الخلافة عن وجه الأرض بهدم الخلافة العثمانية في اسطنبول.


كان هذا تتويجاً لحروبٍ وحروب، وحملات إجرام وتدمير، ومؤامرات ومكائد، من الحروب الصليبية إلى حروب الاستعمار والاقتطاع من بلاد المسلمين المنهكة بالمؤامرات الداخلية ممن جعل نفسه مطية للغرب يركبونه حتى يحققوا مبتغاهم! فتارةً تأتي الطعنات من الدولة الصفويّة الفارسية، وتارة تأتي من قرنيْ الشيطان في نجد، وتارة من دُعاة الغدر والقوميّات، وتارة ممّن ادّعى تجديد الدّين كالأفغاني وعبده!! كان هدم الخلافة هو ما توج به عمل الحملات التبشيرية ورأس أمر عمل المستشرقين!!!


هذه الذكرى الأليمة والحادثة الأفجع والفاجعة الكبرى في تاريخ هذه الأمّة رثاها الشعراء وندبها العُلماء وحمل السلاح في وجه مصطفى كمال لأجلها الشرفاء، غُيّبت عن الذاكرة في الإعلام ومناهج التدريس عن سبق إصرارٍ وترصد، في حين جعلوا لكل رذيلةٍ ومنكرٍ يوماً ولذكرى كلّ مجرم عيداً!!!


نُذكّر أُمّتنا بهذه الفاجعة ليس احتفالاً بها، بل تحريضًا لها للسعيِ لردّ سُلطانها المغصوب ودينها المُعطّل وعِزّها السليب ومجدها التليد! نُذكّر أُمّتنا بهذه الفاجعة بيوم ذكراها بالتقويم الهجري والميلادي والفارسي والقبطي وحتى السنسكريتي!!! نُذكّرهم بها ليلًا ونهارًا، ونقول لهم قوموا إلى ما قام له محمدٌ عليه صلوات ربي وسلامه وأعيدوا دولة أقامها معه مهاجرون وأنصار.


ونختم مقالنا بأبيات من رثاء أمير الشعراء لخلافتنا يوم هدْمِها، وكأنها العروس المغدورة في يوم عرسها.


عادَت أَغاني العُرسِ رَجعَ نُواحِ = وَنُعيتِ بَينَ مَعالِمِ الأَفراحِ


كُفِّنتِ في لَيلِ الزَفافِ بِثَوبِهِ = وَدُفِنتِ عِندَ تَبَلُّجِ الإِصباحِ


ضَجَّت عَلَيكِ مَآذِنٌ وَمَنابِرٌ = وَبَكَت عَلَيكِ مَمالِكٌ وَنَواحِ


الهِندُ والِهَةٌ وَمِصرُ حَزينَةٌ = تَبكي عَلَيكِ بِمَدمَعٍ سَحّاحِ


وَالشامُ تَسأَلُ وَالعِراقُ وَفارِسٌ = أَمَحا مِنَ الأَرضِ الخِلافَةَ ماحِ


فَلتَسمَعُنَّ بِكُلِّ أَرضٍ داعِيًا = يَدعو إِلى الكَذّابِ أَو لِسَجاحِ


وَلتَشهَدُنَّ بِكُلِّ أَرضٍ فِتنَةً = فيها يُباعُ الدينُ بَيعَ سَماحِ


يُفتى عَلى ذَهَبِ المُعِزِّ وَسَيفِهِ = وَهَوى النُفوسِ وَحِقدِها المِلحاحِ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
ياسر أبو خليل

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني