تحريف الرأسمالية لمفهوم الزواج إفساد يخالف الفطرة ويهدد بُنية الأسرة
October 03, 2018

تحريف الرأسمالية لمفهوم الزواج إفساد يخالف الفطرة ويهدد بُنية الأسرة

تحريف الرأسمالية لمفهوم الزواج

إفساد يخالف الفطرة ويهدد بُنية الأسرة

يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، فالله سبحانه وضع للبشر منْهَجًا يسيرون عليه، ليحيوا باتباعه حياة سعيدة في الدنيا، ويفوزوا بجنته يوم القيامة، ولكن عندما غفلوا عن هذا المنهج، واتبعوا منهجاً غيره، عاشوا في ضنك وشقاء، وانتشر الفساد في الأرض نتيجة الاحتكام للأنظمة الوضعية، والناظر إلى حالنا اليوم يرى أن الفساد قد طال كلَّ مجالات الحياة في ظل هيمنة المبدأ الرأسمالي، وقد كان نصيب النظام الاجتماعي من هذا الفساد كبيراً، فأصاب جميع أركانه ومفاهيمه تقريباً ومن بينها مفهوما الزواج والأسرة.

إن بداية الفساد والتضليل اللذين أدخلتهما الرأسمالية على مفهومي الزواج والأسرة كانت من خلال نظرتها السقيمة للمرأة، ولطبيعة العلاقة بينها وبين الرجل، حيث نظرت إلى المرأة على أنها سلعة تُعرض في المنتديات والملاهي والمقاهي وحتى المحلات التجارية ومتعة لإشباع الشهوات وخاصة لأصحاب النفوس المريضة، فأصبحت المرأة عندهم تُقيَّم بمقدار إرضائها للزبائن وقدرتها على إغرائهم متجاهلين أن لها قيمة إنسانية ووظيفية تماما كالرجل بغض النظر عن مظهرها، وكان من جراء ذلك أن جُعلت نظرة الرجل إلى المرأة ونظرة المرأة إلى الرجل نظرة جنسية بحتة، مما جعل الرجل لا يرى في المرأة إلا مكانا لقضاء حاجاته وشهواته، وجعل المرأة تحرص دائما على أن تظهر بذلك المظهر الذي يلبي تلك الشهوات وهو ما حطّ من قيمة كل منهما في نظر الآخر وأفسد الحياة العامة، وأدى إلى ظهور مشكلات اجتماعية خطيرة وكثيرة في الغرب، منها انتشار الأمهات غير المتزوجات، وكثرة الأولاد غير الشرعيين.

ومما أسهم أيضاً في هذا الإفساد والتضليل إطلاقها العنان للفرد ليفعل ما يشاء إرضاء لرغباته وشهواته في إطار الحرية الشخصية، دون أي اعتبار للقِيَم والمبادئ والأخلاق، وقد كان من جراء ذلك أن انحرفت الفطرة وهبط الفكر وطغت البهيمية على السلوك الإنساني، فأصبح الإنسان في كنف الحضارة الرأسمالية في سلوكه ﴿كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، فكثرت العلاقات المحرمة خارج إطار الزواج، وبتنا نسمع عن أنواع من العلاقات وحالات من الزواج يجد الإنسان السوي حرجاً حتى من مجرد ذكرها كزواج المثليين والذي أصبح قانونياً في كثير من الدول الغربية كبريطانيا، وأستراليا والسويد وأمريكا وغيرها من الدول.

أما على صعيد الأسرة فقد اتخذت عندهم أشكالاً جديدة غير الشكل الطبيعي المتعارف عليه (أب، أم، أولاد)، في ظل العلاقات الشاذة التي أوجدوها، فقد تكون مكونة من رجلين أو امرأتين، فكان ذلك ضربة قاصمة لمفهوم الأسرة، بل ضربة قاصمة للمجتمع الذي تشكل الأسرة نواته.

وإذا ما نظرنا إلى العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة، نجد أن الناحية المادية تظهر بوضوح في العلاقات بين أفرادها، كما نجد أن التفكك الأسري بات يشكل ظاهرة في المجتمعات الغربية، فبحسب نمط الحياة الغربية فإن الرجل ليس له قوامة على بيته وعياله وليس مكلفا بالنفقة على زوجته، فيجب عليها العمل لتنفق على نفسها، فالرأسمالية تجعل العلاقة بين الزوجين تقوم على النّدية وإثبات الذات، وكأنهما في حالة صراع، وأما الأبناء فكثير منهم يترك ذويه عندما يبلغ سن الثامنة عشر، ويستقّل بنفسه ولا تصبح له أي علاقة بوالديه، وفي أحسن الحالات يودعهم في مأوى للعجزة ويزورهم في المناسبات.

وقد عملت الدول الغربية ومؤسساتها على تصدير هذه المفاهيم والعلاقات الفاسدة إلى بلاد المسلمين تحت ذريعة حقوق الإنسان واحترام الحريات الشخصية، وذلك عبر الإعلام ومناهج التعليم والجمعيات النسوية والحقوقية، وعبر القوانين التي تسنها الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين إرضاء لهذه الدول وتنفيذاً لأوامرها وخططها الإفسادية، فأصبحنا نسمع عن مطالبات باعتماد الزواج المدني في بلاد المسلمين بدل الزواج الشرعي، وبتنا للأسف نسمع عن حالات لزواج المثليين في بلاد المسلمين تحت ستار الحرية الشخصية كتركيا، وعن تنظيم اجتماع سري لهم في الأردن عام 2015 بحضور سفيرة أمريكا، وفي تونس تقوم بعض الجمعيات بالدفاع عما تسميه "حقوق الشواذ" وتسعى لشرعنة زواج المثليين، بل إنه في سابقة خطيرة افتُتِحَت لهم إذاعة خاصة بهم، كل هذا يحدث في ظل صمت ورضا حكام هذه البلاد عن هذه الجرائم الأخلاقية رغم مخالفتها الصريحة للأحكام الشرعية، أما الجمعيات النسوية فقد أخذت تروج لبرامج تنظيم النسل بغية تحديده تحت شعار صحة المرأة وسلامتها، كما حاربت تعدد الزوجات والزواج المبكر تحت شعار حقوق المرأة والطفل.

أما على صعيد القوانين التي أصدرتها الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين في هذا الإطار فنذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما قامت به السلطات التونسية من سماحها بزواج المسلمة من غير المسلم عبر إلغائها أمرا وزاريا كان يحظر زواج التونسيات المسلمات من غير المسلمين، ونذكر منها أيضاً سعي بعض الدول كالسعودية ومصر لتحديد سن معينة للزواج وهو أمر يخالف الأحكام الشرعية، ومن جرائم الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين مصادقتهم وانضمامهم للاتفاقيات الدولية التي تستهدف النظام الاجتماعي في الإسلام ومن ضمنه موضوع الزواج والأسرة، كاتفاقية سيداو والتي تدعو في بنودها إلى حرية إقامة العلاقات المحرمة بين الشباب والفتيات تحت ذريعة الحرية الشخصية، كما تطالب بالمساواة المطلقة بين الجنسين، وبإلغاء الزواج بحسب أحكام الشريعة الإسلامية واعتماد الزواج المدني، وتدعو إلى إلغاء ولاية الأب على أبنائه، ولا سيما الإناث، وتنادي بالمساواة في حق اختيار الزوج فللبنت أن تتزوج بمن شاءت ولو كان كافراً، وتطالب بإلغاء قوامة الرجل على المرأة، كما تدعو إلى إلغاء المهر أيضاً، وغيرها من الأمور التي تخالف أحكام الإسلام.

لقد خالفت الرأسمالية الفطرة البشرية، وأفرغت مفهوم الزواج من مضمونه، ودمرت أبسط المعاني الإنسانية، فضاقت الشعوب الغربية بها ذرعاً قبل غيرها، ولا أدل على ذلك من خروج مظاهرات ومسيرات عدة في عواصم ومدن غربية للاحتجاج على شرعنة زواج المثليين، والمطالبة بحقوق بدهية ومعان إنسانية فُقدت في ظل الفساد الذي أحدثته الرأسمالية، فرأينا هؤلاء المتظاهرين ينادون بضرورة عودة الأسرة إلى شكلها التقليدي (الأصلي) (أب، وأم، وأبناء)، ومن هذه المظاهرات، المظاهرة التي نظمت في مدينة روما الإيطالية في شهر حزيران عام 2015، ورفعت فيها شعارات من مثل "العائلة تنقذ العالم"، و"دفاعا عن أطفالنا" حسبما ذكرت وكالة فرانس برس، وكالمظاهرة التي نظمت في العاصمة الفرنسية باريس ورفعت فيها لافتات كتب عليها "زواج المثليين: حرمان الطفل من أم أو من أب" ( البي بي سي 13 كانون الثاني/يناير 2013).

وفي الوقت الذي رفض فيه الأفراد في المجتمعات الغربية مخلفات الرأسمالية، واعترضوا عليها لمخالفتها الفطرة البشرية، ولما جرته عليهم من ويلات، حاكمتهم الأنظمة "الديمقراطية" على ذلك تحت مسمى الاعتداء على الحرية الشخصية، فيما لم تقبل رفضهم واعتراضهم على أنه "حرية شخصية" حسب قانونها، كالخباز الأمريكي الذي أقيمت ضده دعوى قضائية لرفضه صنع كعكة لحفل زفاف لمثليين حسب ما ذكرت صحيفة الواشنطن بوست، وهو أمر يظهر فيه ازدواجية المعايير الغربية وحقيقة الديمقراطية والحرية الشخصية المزعومة.

أما في الإسلام، فليس البشر هم الذين يقررون ما هو الصواب وما هو الخطأ، وما هو أخلاقيّ أو غير أخلاقيّ، اعتماداً على المزاج داخل المجتمع في أي وقت معين، وعلى مصالح المشرعين، كما في الأنظمة الوضعية، بل جميع الأحكام والتشريعات نزلت من لدن حكيم خبير ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، فجاءت هذه الأحكام موافقة للفطرة البشرية، مقنعة للعقل، محققة السعادة للفرد، وضامنة لسلامة المجتمع وقيمه، ولذلك نجد أن الإسلام حرص على تصحيح نظرة الرجل للمرأة والمرأة للرجل فجعل النظرة نظرة إلى التعاون والعيش المشترك وحال بين أن تتحول هذه النظرة إلى نظرة ذكورة وأنوثة إلا حين التفكير بالزواج. فجعل فيه تنظيماً لصلات الذكورة والأنوثة بين الرجل والمرأة بنظام خاص، وهو الذي يجب أن ينتج التناسل عنه وحده، وهو الذي يحصل به التكاثر في النوع الإنساني، وبه توجد الأسرة.

وختاماً: ثلاث كلمات "سكَن، ومودَّة، ورحمة" تختصر طبيعة العلاقة التي أرادها الإسلام أن تكون قائمة بين الزوجين، حيث يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ومن البدهي أنه إذا تحققت المودة والسكينة والرحمة بين الزوجين فإن ذلك سينعكس تلقائياً على الأبناء وعلى تماسك الأسرة، فيقوم كل طرف بواجباته، ويحصل على حقوقه أيضاً.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أختكم براءة مناصرة

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني