تحذير لكل المقاتلين في كل مكان
June 16, 2015

تحذير لكل المقاتلين في كل مكان

تحذير لكل المقاتلين في كل مكان


في بطحاء مكة، وفي بطن صحراء الجزيرة العربية وما حولها من مضارب العرب كانت تعيش القبائل العربية ولم يكن لدى العرب آنذاك فكرةٌ تجمعهم وﻻ رسالةٌ ترفعهم، ما جعلهم خارج التاريخ والحضارة، وكان نمط حياتهم أقرب ما يكون إلى الحياة البدائية، تعتمد في أساسها على القوة والفروسية في دفع العدوان عن نفسها وجلب المنافع لها، حياة تتجلى فيها خشونة العيش، حياة غابت عنها أي فكرة تستطيع أن تجمع العرب في كيان واحد بين الأمم، ورغم وجود بعض الأعراف والقيم لديهم إلا أنها وباستقرائها تجدها من لوازم التعايش السلمي فيما بينهم رغم كثرة حروبهم لأتفه الأسباب فيما بينهم.


وفي هذه الآونة، وفي هذا الوسط الأقرب إلى البدائية في نمط العيش الذي يعتمد فيه العربي على القوة للغزو ودفع الغزاة وما يتطلبه هذا من أبناء الوسط من تعلم فنون القتال والفروسية لحماية النفس والمال والعرض والمضارب، أقول في هذه الآونة تشاء حكمة الله سبحانه وتعالى أن تستظل بطحاءُ مكة بظلال الرحمة التي ملأت سماء مكة وما حولها، رحمة بدأت تبث شآبيبها ونسماتها تسري برائحتها الزكية تملأ البطاح والوديان من هناك من أعالي جبل النور الذي لا زرع فيه ولا عليه ولا حوله. سبحانك اللهم يا مخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي سبحانك ما أحكمك وألطفك، كيف تختار أن ترسل روحك الأمين لينثر بجناحيه كل هذا الخير وهذه الرحمة في مكان لا يتخيل العقل البشري أن ينبت فيه أو منه أي خير أو رحمة، سبحانك كيف ترسل لهؤلاء العرب دون غيرهم رسولاً من السماء ليلقي عليهم من القول أثقله، ولتزرع في واد كان غير ذي زرع وفي قمة جبل ما زال غير ذي زرع، كيف تزرع فيه شجرة ما زالت سامقة في سماء الدنيا ليومنا هذا، سبحانك، إنها شجرة ليست ككل الشجر الذي نعرف، فالشجر نزرعه في الأرض الصالحة فتغوص جذوره في الأرض ويرتفع الساق بالأغصان والأوراق والثمار، أما شجرتك هذه يا ربنا فكأن أصلها ثابت عندك حيث شئت وفرعها في سمائنا الدنيا بأوراقها وثمارها التي نرى ونتفيأ ظلالها، حملها إلينا روحك الأمين ليوحي بها لأكرم خلقك أجمعين الذي ما عرفنا عنه إلا أنه فينا الصادق الأمين، محمد بن عبد الله ﷺ، وفوق ذلك فهي شجرة ليست ككل الأشجار، شجرة لها اسم محدد، ويحمل اسمها معنىً محدداً وثمرها مضمون يغذي عقولنا بالتفكر والتدبر فتنير لنا الطريق في حياتنا الدنيا وتطلعنا على مآل هذه الحياة بعد الموت.


سبحانك اللهم ما أكرمك وأعظمك، فالحمد كله لك والشكر كل الشكر لا يكون إلا لك بأن هديتنا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هديتنا، وهكذا شئت وهكذا فعل جبريل الأمين يلقي عليه ﷺ كلاماً ثقيلاً تتفتح معه جنبات النفس والعقل، اقرأ يا محمد، ويجيب محمد ما أنا بقارئ، فيعيد الروح الأمين ذات الكلام الثقيل بجرعة مركزة، اقرأ باسم ربك الذي خلق، وهكذا كان لحظة دخول ثمرة شجرة الخير هذه في خلد محمد ﷺ، شجرة ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ وهكذا كان بأن زُرعت الشجرة، وغادر الجرّاح غرفة العملية في غار حراء، وبقي محمد ﷺ وحده يتحسس ويتلمس نفسه، أنه ما زال كما جاء إلى الغار في ذلك اليوم، وكأني بالحبيب هذه اللحظات والروع والخوف ما زالا يسكنان فؤاده ويتملكان كيانه أخذ يهرول هرباً مما هو فيه، ولا أدري كيف حملته قدماه وهو ينزل من على قمة جبل النور، لا بل كيف استطاع أن يتلمس طريقه عائداً إلى بيته، لكنها رعاية الله لأكرم خلق الله على الله، فعاد محمد ﷺ إلى خديجة وهو ما زال يرتعش خوفا مما جرى له وينتفض من موجة كأنها البرد الشديد الذي لا تعرفه مكة طوال العام، يدخل عليها قائلا: دثروني دثروني زملوني زملوني، وكأني به لم يعد يعرف من الكلام إلا دثروني زملوني.. اقرأ..اقرأ باسم ربك الذي خلق، وكأن هذه الكلمات أصبحت هي التي تسري في شرايين حبيبنا تروح وتجيء والجسم ما زال يرتعش والمشهد ما زال حاضراً بكل تفاصيله غير المألوفة له كبشر، وتلتقط خديجة رضوان الله عليها الإشارة، فيبدو أن الإيحاءات بدأت تملأ بيت النبوة، فتُهدئُ من روع حبيبنا وحبيبها، وتبشره بالنبوة والرسالة، ثم يزوره ذاتُ الطبيب الروح الأمين ليقول له هذه المرة ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر﴾ ويجد محمد ﷺ الأُنس في هذه الزيارة، فقد بدأت العلاقة تأخذ شكلها الطبيعي، وبدأت آيات الله وكلماته تنزل تترى على رسوله الذي اصطفى لنا، وتبدأ رحلة محمد مع قومه وأمته بأن يحمل لهم الدعوه ويشرح لهم مضمونها ليغير بها واقعهم فيعيشوا بموجب أحكام الله الجديدة.


سبحانك ربنا يا من يحار الفكر في حكمتك، فكيف تشاء حكمتك أن تزرع شجرة اقرأ في وسط ليست صنعته القراءة والفكر والتفكير وإن كانوا أهل فصاحة وبلاغة، وسط عاش على معاركة الحياة ومحاكاتها بالسيف والرمح والفروسية، سبحانك اللهم كيف شاءت حكمتك أن تزرع في هذا الوسط شجرةً نواتها ﴿اقرأ﴾ ليعيشوا منها وبها وعليها، مع أن هذا الوسط ليس هو التربة الخصبة لنموها بمنطقنا نحن البشر، ومع ذلك نمت وترعرعت، سبحانك ما أحكمك حين جعلت أبانا إبراهيم يُسكن من ذريته في ذات الوادي غير ذي الزرع ولا حياة فيه لمخلوق ثم تنجح الحياة بهذا الوادي بإذنك بعد أن فجرت الأرض من تحت أقدامهم ينبوعاً عذباً زلالاً، فهوت إليهم أفئدة الطير قبل البشر، سبحانك اللهم كيف تضع الفكرة في المكان الذي يستحيل نموها فيه بمنطقنا نحن البشر، ثم تهيئ لها من الأسباب التي لا يقدر على تهيئتها غيرك فتنجح الفكرة وتؤتي أكلها بإذنك سبحانك والحمد لك.


وسبحانك اللهم قياماً وقعوداً كيف تأمر رسولك وصحابته بأن يحملوا دعوتك إلى الناس بالحكمة والموعظة الحسنة طوال ثلاثة عشر عاماً دون أن يحملوا عليهم سيفا أو يضربوا منهم أحداً ليصبح مؤمناً برسالتك، مع أن فيهم من القوة والرجولة ما يؤهلهم لذلك وأكثر، فهذا ابن الخطاب يتحدى مكة بأسرها وهو مهاجر إليك جهاراً نهاراً قائلا لهم إني مهاجر ومن أراد أن تثكله أمه فليتبعني إلى بطن ذلك الوادي، مع أنه كان ممنوعاً عليه أن يضرب أحداً في مكة طوال تلك الفترة، لماذا؟! لماذا يا أيها الحكيم الخبير؟! رغم ما كانوا يلاقونه من أذى قريش، لماذا شاءت حكمتك أن لا يؤسس رسولنا الكريم ﷺ كتائب مسلحة تضرب بيد من حديد على يد قريش فتخضعها لحكم محمد؟! رغم التوازن النسبي الحاصل بين المسلمين وأهل قريش من ناحية عسكرية، وشعاب مكة مهيأة جغرافياً لتمترس هكذا كتائب، بل لماذا لم تأذن لرسولك بأن يقبل عرض قريش عندما جاءت لعمه تعرض عليه الحكم أو المال أو النساء شريطة أن يتركهم وشأنهم في عبادتهم؟! لماذا يا ربنا لم تشأ أن تكيد لنبينا كما كدت ليوسف حتى يتمكن من الحكم؟! ألم يكن من الأسهل على نبينا وصحابته أن يستلموا الحكم والسيادة في مكة ويقيموا دولة مدنية على منهاج قريش؟! ثم يتحولوا بهم إلى الحكم بشريعتك تدريجياً، لماذا أردت لرسالة محمد ﷺ أن تكون نقية تقية بيضاء ناصعة سافرة متحدية لا تدرج فيها ولا مهادنة ولا مداهنة، بل دعوة صريحة واضحة لكنس كل أنظمة الجهل وإحلال الإسلام مكانها بشكل شامل كامل لا تدرج فيه، دعوة لا تؤثر إلا في العقول ولا يزيغ عنها إلا الهالك؟! سبحانك اللهم إنها حكمتك التي رأيناها تعالج الأمور صغيرها وكبيرها بخبرة الخبير اللطيف بعباده.


هكذا فهمنا الدعوة إليك نحن في حزب التحرير ولم يخطر ببالنا أبداً أن كل هذه المحطات كانت مجرد أحداث عابرة في سيرة نبينا محمد ﷺ، فهمنا أن محمداً كان يبنى دولة بشرية أساسها "اقرأ" التي أنزلت عليه ثم افهم ثم افعل، اقرأ باسم ربك الذي خلق، وافهم كما يبين لك الرسول الذي جاء بهذه الرسالة، ثم افعل كما فعل الرسول ﷺ شبراً بشبر ولا تحيدن عن مسلكه قيد شعرة، هذا إذا كانت الغاية مرضاة الله ورسوله.


سبحانك ما أحكمك حيث فرضت القتال على رسولك الكريم ﷺ وصحابته في المدينة المنورة وليس في مكة، ففي مكة ممنوع مقاتلة الناس ليصبحوا مسلمين، وفي المدينة يصبح قتال الكافرين والمشركين الذين يقفون في وجه انتشار دعوة الإسلام فرضٌ على المسلمين يحرم عليهم التخلف عنه، سبحانك اللهم.


ربنا يا صاحب الملك والأمر، يا من تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، ها هي أمتنا قد هبت من رقدتها وتحرك شبابنا مخلصين في رغبتهم وتوجههم إليك حتى يقيموا دينك ويحكموا شرعك وأكثرهم على غير هدىً، ودون تحديد للهدف أو لطريقة الوصول إليه بشكل واضح، فاختلفوا فيما بينهم مع أنهم إخوة في العقيدة والكل يقول أنه ينشد هدف إقامة الدين في الدنيا وكل حسب فهمه، فاختلفوا وتنازعوا فيما بينهم وبدل أن توجه حرابهم باتجاه عدوك صارت حرابهم توجه إلى بعضهم، يُكَفِّرون بعضهم بعضا لمجرد اختلافهم في فهم حكم شرعي معين، وتفاقم الأمر بأن أصبحت قوى الشر والكفر ترعى هذا الاختلاف وتغذيه ليزيد اقتتالهم ويأكل بعضهم بعضاً، اللهم إننا ما تركنا فرصة للم شملهم على مشروع رسولك الكريم ﷺ ليتوحدوا تحت رايته لبناء دولة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة التي وعدنا بها رسولنا الكريم إلا وسلكناها، إلا أن الخلافات ما زالت تخيم على أجوائهم ويزداد معها سفك دم بعضهم بعضاً، مع أنهم يعلمون أن «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، القاتل مسلم والمقتول مسلم وكل قتيل منهم يسمونه شهيداً وفي سبيل الله مع أنهم يقتلون بعضهم، مع أنهم يعلمون أنه «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، أي تلاعب بمفاهيم الإسلام هذا؟! فالقتال على المسلمين فرض ولكن هذا الفرض له أحكامه وضوابطه الشرعية لا يجوز لأي كان أن يتجاوزها لأي سبب، والجهاد كذلك فرض على المسلمين وله أحكامه وضوابطه ولا يجوز إتيانه إلا بشروطه ليصبح جهاداً شرعياً، والشهادة التي تؤدي إلى الجنة أيضا مفهوم واضح في شريعة الإسلام لا يجوز التدليس فيها على أبناء الأمة والتغرير بهم بحجة أنه ذاهب إلى جنات الله دون علم شرعي لهذه المفاهيم الشرعية، ثم زادت حولهم الفتن وزاد الكافر المستعمر وأذنابه من اختراقهم وتغذية هذه الصراعات بالمال والسلاح والتدريب ليقتل بعضهم بعضاً فضلا عن المؤامرات التي تحاك لهم كي يخرجوا هم الخاسرين من هذا الصراع فلا إسلاماً أعادوا ولا كفراً أبادوا.


اللهم يا صاحب الأمر ويا مقلب القلوب إنا نسألك وقلوبنا يعتصرها الألم على أحوال إخواننا، ويملؤها الأمل والرجاء فيك أن تؤلف بين قلوب شبابنا المقاتلين في كل مكان حتى يروا طريقة رسولنا الكريم ﷺ التي بينها لنا لإقامة دينك في حياتنا، اللهم نور بصيرتهم ليروا هذا الطريق الذي سلكه رسولك الكريم ﷺ فيتوحدوا حوله، اللهم دبر لنا ولهم وألف بين قلوبنا جميعاً كي نتكل على بناء دولة الخلافة الإسلامية على ذات الأساس الشرعي الوحيد الذي بينه لنا رسولك الكريم ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، فإن دولة الإسلام التي ترتجي أمتنا كلها لا يمكن أن تقوم بطريقة قيام دول الكفر أو بقوة السلاح ابتداءً، بل لا بد من أن نقرأ كيف نقيمها كما أقامها رسولنا الكريم ثم نفهم ذلك ثم تتجمع كلمتنا على هذا الهدف فنقوم بالعمل الهادف لإقامة ديننا بقيام دولته.


وهذه لك أيها الأخ المقاتل في ساحات بلادنا الإسلامية، إننا في حزب التحرير أكثر الناس حرصاً عليك من أن تلقى الله على غير هدىً، وأكثر الناس حرصاً على بناء دولة الخلافة الإسلامية ليقوم دين الله في أرضه ونعمل جاهدين ليل نهار للوصول إلى ذلك الهدف، لكننا نفهم أن قيامها لن يكون بالقتال أصالة ولا وكالة، بل تقام الدول بوعي الأمة على مشروع دولتها، كما أقامها الرسول الكريم ﷺ، فأنت تعرف يا أخي المقاتل أن آخر أيام رسولنا الكريم في مكة كان متخفياً من بطش قريش، ولكنه بعد أيام قلائل كان قائداً لدولة زلزلت عروش العالم، كل هذا بفضل الإسلام الذي أتاهم على يد جبريل، فقرأوا الإسلام باسم ربهم الذي خلق ولم يقرأوه باسم الديمقراطية ودولاراتها وقوة أسلحتها، ففهموا أنهم يقيمون دولة لله فكان لزاماً عليهم الالتزام بالعمل كما أراد الله وكما بين رسوله، وإن كان من فرق بيننا فهو أننا نعمل لبناء دولة ولا نعمل لاستلام حكم بأي شكل أو أي ثمن، بل نحن نؤسس لبناء دولة خلافة على منهاج النبوة، فلا يصح أن يسبق العمل لها العلم بكيفية العمل لبنائها لأن هذا لا يكون، ولا يصح أن نجلس نتعلم كيف نقيمها دون العمل لإقامتها لأن هذا جنون، كما لا يصح أخي المقاتل أن تحمل السلاح وتسمي نفسك مجاهداً دون علم بأحكام الجهاد والقتال ما دمت تُبيت النية للجهاد في سبيل الله، ولا يصح أخي المقاتل أن ترى أن العمل لبناء الدولة الإسلامية لا يستوجب إلا حمل السلاح، فهذا ما لم يفعله نبينا الكريم فمن أين تأتي بهذا الفهم، ولا يصح أن تنظر إلى من لا يحمل السلاح مثلك بأنه متخاذل ولن يصل إلى شيء، ذلك أن حبيبنا المصطفى أقام دولته بدون أن يحمل السلاح لحظة واحدة، ولكنه عليه الصلاة والسلام وفي اللحظات التي فارقتنا روحه الطاهرة بعد عشرة أعوام فقط من إقامته للدولة في المدينة المنورة كانت جيوشة تجوب ربوع بلادنا العربية تفتح وتنشر الإسلام بالجهاد، فهل تستطيع أن تلمس الفارق معنا أيها الأخ الصنديد المقدام؟ ونحن هنا لا نقلل من عملك وشجاعتك وإخلاصك وتضحياتك، بل نحب له أن يتوجه إلى الوجهة التي تجعلك على عتبات الجنة أو النصر والمجد لا أن تذهب ريحك سدى، وها نحن إخوانك في حزب التحرير أمضينا عشرات السنين ونحن ننحت في جسد أمتنا الصخري لتلتفت إلى مشروع نهضتها بإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة، ومنذ بداياتنا مع أمتنا في خمسينات القرن الماضي كنا نُتَّهم بالجنون عندما نذكر للمسلمين مشروع دولة الخلافة على منهاج النبوة، لكننا اليوم وبفضل الله علينا وكما ترى فإن الخلافة أصبحت مطلباً لكثير كثير من أبناء أمتنا، أكثر من ستين عاماً ونحن نعمل مع كل قوى أمتنا الحية حتى غدونا رقما صعباً في كل الساحات السياسية، فلا يقولنًّ لنا أحدٌ ماذا فعلتم طوال هذا الوقت؟! لأننا سنقول له إننا وعلى مدار تلك الفترة كلها حشدنا عشرات الآلاف من أبناء أمتنا حملوا معنا فكرة مشروع رسولنا الكريم "خلافة على منهاج النبوة" وعشرات آخرون ينتظرون إعلاننا لقيام دولة الخلافة الإسلامية ليناصرونا، وعشرات مثلهم أو يزيد تجذر لديهم الوعي على أن مشروع الخلافة على منهاج النبوة الذي قدمناه لأمتنا هو المشروع الحق الواجب الاتباع لا يمنعهم من السير معنا فيه إلا بطش أنظمة الكفر التي تجثم على صدورهم، والأهم من هذا وذاك أننا لم نقترف في حق أمتنا أي جريمة ولم نسفك أي دم ولم نكلفها أي جهد إلا أن تقرأنا وتؤمن بفكرتنا فتؤازرنا بسعيها معنا لخلق الوعي العام والرأي العام على مشروع نهضتها ببناء دولة الخلافة على منهاج النبوة، وطريقتنا في ذلك طريقة رسولنا الكريم ﷺ التي أوضحناها لأمتنا، ونحن هنا نلفت الانتباه إلى أن حمل السلاح قد يغير واقعاً من حال إلى حال ولكنه لا يغير عقائد الناس ومعتقداتهم على الإطلاق رغم تغيير حالهم، ونحن نسعى كما سعى قبلنا حبيبنا المصطفى ﷺ إلى تغيير الأفكار في عقول أمتنا لتقتنع بأن إسلامها قادر على النهوض بهم إن هم ملكوا الإرادة لذلك والعزيمة، فقتل المعارضين أسهل من إقناعهم بكثير ونحن نحب أن نكون على خُطا رسولنا الكريم بأننا أصحاب رسالة الرحمة والعدل للناس أجمعين.



اللهم يا صاحب الأمر لا تتركنا لوحدنا فقد تكالبت علينا كل قوى الشر والكفر يمكرون بنا وبشبابنا، اللهم فامكر بهم فإنهم أولياء الشيطان في الأرض فلا تسلطهم علينا وعلى شباب أمتنا، وائذن اللهم لدولة الخلافة الراشدة الثانية أن تقوم فيستظل شبابنا بظلالها لتجد اللهم منهم ما تحب وترضى... وهذه دعوة منا لكل شباب أمتنا أن هلموا واقرأوا مشروع نهضة أمتنا الكامل الذي أعددناه ليحيا من حيَّ عن بينة ونهدي إليه من يهتدي على بينة، وعندما نقول مشروعنا الكامل نعني برنامجنا العملي لبناء دولة الخلافة الإسلامية وتطبيق أحكام الشرع على البلاد الإسلامية، فقد أعددنا المشروع الفكري النظري كفكرة وطريقة لقيام دولة الإسلام ولكيفية الحكم بالإسلام في جميع مجالات الحياة وأفردنا لكل جانب منها كتابا نشرح فيه تفصيلات هذه الناحية وكيفية التعامل مع الواقع حال قيام الدولة، وكل ذلك وفق الأحكام الشرعية، ولم نغادر جانبا من جوانب الحياة إلا وفصلنا فيه كيف ستتعامل معه دولة الخلافة، فمن كتاب نظام الإسلام الذي يتضمن مسائل العقيدة والقيادة الفكرية وكيفية حمل الدعوة، إلى كتاب أجهزة دولة الخلافة في الحكم والإدارة الذي يتضمن تفصيلا لشكل الدولة وأجهزتها بجميع أركانها، إلى كتاب النظام الاقتصادي الذي يتضمن شرحاً مفصلا لكيفية التعامل مع المال جلباً وإنفاقاً وتحديد موارد الدولة، وحق الأمة في هذه الموارد وشكل الأموال في دولة الخلافة، إلى كتاب النظام الاجتماعي الذي يتضمن تفصيلا لشكل العلاقة بين الرجل والمرأة في شرع الله، إلى كتاب مقدمة الدستور أو الأسباب الموجبة له الذي يتضمن 191 مادة تُفَصِّل القواعد والقوانين التي ستقوم دولة الخلافة بتبنيها وتطبيقها في واقع حياة الناس، دستور مستنبط شرعياً من أدلته الشرعية، إسلامي وحسب وليس فيه حرف واحد من خارج الإسلام، دستور ينظم العلاقات جميعها في كافة شؤون الحياة، من نظام الحكم إلى النظام الاقتصادي إلى النظام الاجتماعي إلى النظام التعليمي وشكل المدارس بمراحلها الابتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية، إلى السياسة الداخلية والخارجية، دستور ينظم هيكل الجيش من أميره إلى أدنى رتبة فيه، وهيكل الشرطة والطريقة التي تتعامل بها مع الناس على أساس شرعي،كل ذلك وغيره مفصلا تفصيلا يسهل عليك أن تقرأه وتفهمه، مشروع دولتنا ودستورها مبني في استنباطه على قوة الدليل الشرعي، فزيارة واحدة لموقعنا الإلكتروني تجعل كل هذا بين يديك ولا يبقى عليك إلا أن تتفق معنا أو تختلف؛ فإن اتفقت فأهلا وسهلا بك في صفوفنا للعمل نحو ذات الهدف، وإن اختلفت معنا فأهلا وسهلا بك في جلسات حوارية هادئة هادفة فنحن على يقين أن ما يجمعنا أكثر بكثير جدا مما قد نختلف عليه.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الرؤوف بني عطا - أبو حذيفة

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني