تركيا العثمانية إلى أين...؟؟  (3)
September 22, 2015

تركيا العثمانية إلى أين...؟؟ (3)

تركيا العثمانية إلى أين...؟؟

(3)

تركيا الدولة الإسلامية:


الدولة العثمانية هي بالتركية العثمانية (دَوْلَتِ عَلِيَّة عُثمَانِيَّة) الخِلَافَةُ العُثمَانِيَّة، هي دولة إسلامية أسسها عثمان الأول بن أرطغرل، واستمرت قائمة لما يقرب من 600 سنة، بلغت الدولة العثمانية ذروة مجدها وقوتها خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فامتدت أراضيها لتشمل أنحاء واسعة من قارات العالم القديم الثلاث: أوروبا وآسيا وأفريقيا، حيث خضعت لها كامل آسيا الصغرى وأجزاء كبيرة من جنوب شرق أوروبا، وغربي آسيا، وشمالي أفريقيا. وصل عدد الولايات العثمانية إلى 29 ولاية، وكان للدولة سيادة اسمية على عدد من الدول والإمارات المجاورة في أوروبا، التي أضحى بعضها يُشكل جزءًا فعليًا من الدولة مع مرور الزمن. كان للدولة العثمانية سيادة على بضع دول بعيدة كذلك الأمر، إما بحكم كونها دولاً إسلامية تتبع شرعًا سلطان آل عثمان كونه يحمل لقب "أمير المؤمنين" و"خليفة المسلمين"، وأضحت الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان الأول "القانوني" (حكم منذ عام 1520م حتى عام 1566م)، قوّة عظمى من الناحيتين السياسية والعسكرية، وأصبحت عاصمتها القسطنطينية تلعب دور صلة الوصل بين العالمين الأوروبي النصراني والشرقي الإسلامي، وبعد انتهاء عهد السلطان سالف الذكر، الذي يُعتبر عصر الدولة العثمانية الذهبي، أصيبت الدولة بالضعف والتفسخ، وأخذت تفقد ممتلكاتها شيئًا فشيئًا.


تركيا الدولة العلمانية:


في سنة 1908م كانت الأفكار القومية قد تغلغلت بشكل كبير في جسم الدولة العثمانية أواخر عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وأنشأ الداعون لهذه المفاهيم المؤسسات والجمعيات التي تحمل أفكارهم، وكان من أهم هذه الجمعيات جمعية تركيا الفتاة، التي تأسست في باريس، وكان لها فروع أخرى في برلين، وفي أنحاء الدولة العثمانية في سالونيك والآستانة، واستطاعت أن تضع لها قدمًا في الجيش العثماني، وكان لها جناح عسكري عرف بتنظيم الاتحاد العثماني، وكان لها جناح مدني هو الانتظام والترقي، واتفق الفريقان أن تكون جمعيتهم باسم "الاتحاد والترقي".


وفي تلك الفترة ظهرت النزعة التركية الطورانية بقوة وعنف، وسعى حزب الاتحاد والترقي إلى تتريك الشعوب غير التركية المشتركة مع الأتراك في العيش تحت ظل الدولة العثمانية، مثل العرب والشركس والأكراد والأرمن، وهنا ظهر نجم مصطنع وهو مصطفى كمال الذي انتصر في معركة مضيق الدردنيل، وقاد البلاد إلى القومية، وتحركت في المقابل الجمعيات العربية التي نادت بالقومية العربية والانفصال عن الدولة الأم وهي دولة الخلافة الإسلامية.


وبالفعل وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتقسيم بلاد المسلمين بالاتفاقية المشؤومة والمعروفة بسايكس بيكو وما عرف بالثورة العربية الكبرى فقد تم إعلان نهاية دولة الخلافة الإسلامية التي جمعت المسلمين بكل قومياتهم أكثر من ألف وثلاثمائة عام، ثم ألغيت الخلافة سنة 1924 وطرد عبد المجيد من البلاد، وبهذا سقطت الدولة العثمانية فعليًا بعد أن استمرت لما يقرب من 600 سنة، وقد رثا أمير الشعراء أحمد شوقي الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية بأبيات من الشعر قال فيها:


ضجت عليك مآذن ومنابر... وبكت عليك ممالك ونواح


الهند والهة ومصر حزينة... تبكي عليك بمدمع سحَّاح


والشام تسأل والعراق وفارس... أمحا من الأرض الخلافة ماح؟!


وتم تطبيق دستور علماني، وتبديل لغة الدولة التركية العلمانية، بل وتغيير لغة الشعب إلى أحرف لاتينية بعيدًا عن دين الشعب التركي المسلم، والذي ما يزال يعتقد الإسلام ويدين به، ورغم كل أدوات التتريك إلا أن المسلم التركي ما زال يلتزم بدينه ويتواصل مع العالم الإسلامي، وتتحرك مشاعرهم مع مشاعر المسلمين في أي كارثة تتعرض لها الأمة الإسلامية وخصوصًا قضية فلسطين.


وبدأنا منذ عقود نشهد أعدادا غفيرة في كل أنحاء تركيا أخذت تدعو لاستعادة دولة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة ودون أي تمييز للصفة القومية بل إسلامية ولا شيء غير الإسلام، لأن المنطلق والأساس هو فرض رب العالمين الذي يوجب على المسلمين تحكيم شرع رب العالمين، وفي دولة خلافة على منهاج النبوة ولكل المسلمين.


العقيدة الإسلامية والشعب التركي:


كما بقية المسلمين في كل أنحاء المعمورة فإن العقيدة الإسلامية حية في قلوب أبنائها، ورغم كل وسائل التتريك الذي يعني الابتعاد عن الإسلام والعودة للقومية الطورانية التركية، وتبني النهج العلماني، الذي يعني فصل العقيدة الإسلامية عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان النجاح بالقوة والحديد والنار في بداية نشأة الدولة التركية العلمانية، ولكن المسلمين في كل أنحاء العالم تجمعهم العقيدة الإسلامية، وهي عقيدة سياسية عميقة وتوحد بني البشر في كيان واحد، ولذا تجدهم كلاً فكرياً شعورياً، سواء أكانوا أتراكًا أم عربًا أم فرسًا أم من أي قومية كانوا يتأثرون بما تتأثر به أمتهم الإسلامية. ومع أواخر القرن الماضي وظهور ما سمي بالصحوة الإسلامية أخذت تتحرك المشاعر الإسلامية وتلتقي مع مشاعر بقية المسلمين في كل أنحاء العالم الإسلامي، ولكنها ظهرت من خلال القضية الفلسطينية التي هي قضية مركزية من قضايا المسلمين، وأجبرت تلك المشاعر بعض الزعماء العلمانيين ورغم علاقات الود والصداقة والمعاهدات مع يهود أن يعمدوا إلى التهديد والوعيد ولو كلامًا. ومعلوم أنه لن يترجم إلى فعل، وكان ذلك واضحًا في خطابات أردوغان والحربين اللتين شنهما يهود على غزة، وتم تقتيل وجرح الآلاف من المسلمين أهلها، وتبع ذلك سياسته الخطابية والوعيد والتهديد للرئيس السوري بشار الأسد الذي قتل أهل البلد المسلمين وشردهم إلى دول الجوار ومنها تركيا وكذلك إلى أوروبا، وقد قرأنا وسمعنا إعلاميا كيف يتعامل الشاب التركي المسلم مع إخوانه المسلمين المشردين من أهل سوريا، وكان له أثر واضح على تعامل الحكومة التركية مع أهل الشام لدرجة أن الأحزاب العلمانية لم تستطع معارضة التعامل بلطف وأخوّة مع مسلمي الشام المشردين إلى تركيا، وعليه فالمسلمون في تركيا مهيؤون أكثر من غيرهم للصحوة والمطالبة بعودة دولة الخلافة الإسلامية وإعادة تحكيم الإسلام في بلادهم وكل العالم الإسلامي، فتركيا بلد مؤهل عقائديًا وديموغرافيًا واقتصاديًا لأن تكون بلدًا مركزيًا وله أهمية خاصة في حال توحُّد بلاد المسلمين، وجمع شتات الأمة وإلغاء كل معاهدة تخالف عقيدة الأمة الإسلامية، ورفض كل تقسيم لبلاد الإسلام يخالف العقيدة الإسلامية وخصوصًا معاهدة سايكس بيكو المشؤومة.


التّطور العلمي في الدولة العثمانية:


بدأت الدراسات في مجال العلوم والتكنولوجيا في العهد العثماني لأول مرة بمدرسة "إزنيك" التي أنشئت عام 1330 في عهد أورخان الأول ثاني سلاطين الدولة العثمانية. وفي هذا الصدد تُعد هذه المدرسة استمرارا للمؤسسات التعليمية في فترة السلاجقة، والتي كانت تُدرّس فيها العلوم الطبية، والتاريخية، والرياضية وعلم الفلك. أول مدرس في مدرسة إزنيك هو داود القيصري، وهو من الشخصيات المهمة التي عملت هناك. أما المدرسة الثانية للدولة العثمانية فقد أنشئت في البصرة، وكان يُدرّس فيها علم الفقه، والكلام، والتفسير كما يدرس فيها أيضًا علم الرياضيات والفلك، وشهدت هذه الفترة تحركًا في الدراسات والتطورات الجديدة المتعلقة بالجانب الطبي. فكان أول كتاب طبي كتب من قبل مراد بن إسحاق في هذه الفترة، تحدث فيه عن الآثار السلبية والإيجابية لبضعة أنواع من العلاج باختصار، كما أوضح طرق العلاج لبعض الأمراض، وقد أُنشئت أول مدرسة طبية في عهد السلطان يلدريم بايزيد في مدينة بورصة، التي كانت عاصمة للدولة العثمانية. ظهر الإقبال على الأعمال الموسوعية، وعلى سبيل المثال فإن أهم كتاب في تلك الفترة هو "عجائب المخلوقات" الذي ألّفه زكريا القزويني. وقد ورد الحديث عن كروية الأرض لأول مرة في الآثار التركية العثمانية، وعندما نتكلم عن القرن الخامس عشر يتبادر إلى الذهن السلطان محمد الفاتح. كانت فترة الفاتح من أفضل الفترات من ناحية تطور العلم والثقافة العثمانية وتوسّع الدّولة، وبرز في مجال العلوم في تلك الفترة موسى باشا المعروف بـ"قاضي زادة رومي" وهو أول عالم في الرياضيات وفي علم الفلك في الدولة العثمانية، ومن أشهر علماء الفلك والرياضيات في العهد العثماني "علي كوشجو"، كما أنه عالم في اللغة كذلك. ومن أشهر ابتكاراته رسم القمر لأول مرة في التاريخ، وقياس خطوط الطول والعرض لإسطنبول. وكان أهم كتبه عن علم الفلك، وسُمّي بـ"الفتحية".


تركيا ونهاية العلمانية:


إن أي فكرة تفرض بالإكراه على أي شعب من الشعوب لا بد من نهاية سريعة لها، ولذا فالمسلمون الأتراك لن يتركوا العلمانية تتحكم بمصيرهم، وتفصلهم عن أمتهم الإسلامية، فالعقيدة الإسلامية عقيدة حية وأممية ومبدئية عالمية، تربط بني البشر بعضهم ببعض، وتوجد العدل والرحمة بينهم حتى مع من لم يعتنقها، ولذا يحرم الإكراه على اعتناق الإسلام، ولذا فإن لفظ العلمانية بكل أشكالها بين المسلمين وخصوصًا أهل تركيا حيث أقرها الدستور العلماني الذي فرضه مصطفى كمال سيئ الذكر على الشعب التركي المسلم، الذي تتناقض عقيدته مع العلمانية المتناقضة مع نفسها حيث عقيدتها تتناقض وتشريعات الإسلام وعقيدته، وعليه فإن العمل للإسلام وإعادة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة على منهاج النبوة يجري بجد واجتهاد من شباب مسلم آمن بدينه، وعمل لإعادة مجد دولته الإسلامية مضحيًا بالغالي والنفيس، ومتحملاً الأحكام من دولة تركيا العلمانية وبقيادة أردوغان، وقد وصلت أحكام السجن إلى أكثر من خمس سنين لكثير من الشباب المسلمين الأتراك الذين ينادون بعودة الخلافة الإسلامية، وإلى العمل لعودة الخلافة الإسلامية ندعو إخواننا من المسلمين الأتراك، ولتذكروا مجد الإسلام وقوة دولة الخلافة العثمانية، وعزتها لفترة ستة قرون خلت، فيكونوا رأس حربة لفتح أوروبا بأكملها، وتحرير شعوبها من ظلم الرأسمالية الظالمة، والجشعة المجرمة التي استعبد فيها رأس المال السياسي أكثر البشرية، ولكن بشكل معاصر وحديث، فيه ضحك وتدليس بديمقراطية كاذبة ظالمة، فإلى عدل الإسلام، ورحمة دولة الإسلام على منهاج النبوة ندعو إخوتنا المسلمين في تركيا، وفي كل العالم الإسلامي لنصرة دين الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. [الحج: 40]


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الأستاذ وليد نايل حجازات - الأردن


لقراءة الجزء الأول اضــغــط هــنا

لقراءة الجزء الثاني اضــغــط هــنا

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني