ظاهرة الانتحار غريبة عن الإسلام والمسلمين... فكفى خداعا ومغالطة!!
August 23, 2015

ظاهرة الانتحار غريبة عن الإسلام والمسلمين... فكفى خداعا ومغالطة!!

ظاهرة الانتحار غريبة عن الإسلام والمسلمين...
فكفى خداعا ومغالطة!!!


حسب ما تشير إليه منظمة الصحة العالمية فإنّ الانتحار في العالم قد ارتفع بنسبة 65 بالمائة خلال نصف القرن الأخير. ولم تسلم أي ثقافة أو بلد أو ديانة من هذه الظاهرة الخطيرة. ويتجاوز عدد المنتحرين في أوساط الرّجال عدد النساء المنتحرات بينما تفوق محاولات الانتحار لدى النساء. فحسب تقديراتها يوجد حوالي أكثر من مليون شخص ينتحرون سنويا في العالم.


والانتحار ظاهرة عالمية في جميع دول العالم فلا يحدث في البلدان مرتفعة الدخل والدول المتقدمة فحسب بل إنه في سنة 2012 سجلت نسبة 75% من حالات الانتحار العالمية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.


وقد لاقت هذه الظاهرة اهتماما كبيرا من المنظمة باعتبارها مشكلة خطيرة لا بدّ من البحث عن (استراتيجية شاملة متعددة القطاعات) للوقاية منها، فبحثت في أسباب الانتحار والتي تعود إلى اضطرابات نفسية كالاكتئاب واضطرابات ناجمة عن تعاطي الكحول والتي تتجلى خاصة في البلدان مرتفعة الدخل، وتطرّقت أيضا إلى أسباب أخرى تتمثل في ضغوط الحياة وانهيار علاقة ما أو الآلام التي لا يقدر بعضهم على تحملها من جراء أمراض مزمنة أو عنف سلط عليهم أو سوء معاملة أو نزاع أو غيرها من المشاكل التي تؤدي إلى العزلة والتفكير بالانتحار كحل لها.


بحثت المنظمة طرق الانتحار وأكّدت أنّ ما يقارب 30% من حالات الانتحار العالمية تنجم عن التسمم الذاتي بالمبيدات، والتي يقع معظمها في المناطق الزراعية الريفية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. واعتبرت الشنق والأسلحة النارية من الطرق الأخرى الشائعة للانتحار، وأضافت أن معرفة أكثر طرق الانتحار شيوعا من الأمور المهمّة في وضع الاستراتيجيات التي أثبتت فعاليتها في الوقاية من الانتحار مثل تقييد الوصول إلى وسائل الانتحار.


وعدّت ظاهرة الانتحار من الأمور التي يمكن الوقاية منها؛ فهناك عدة تدابير يمكن اتخاذها على مستوى السكان، والسكان الفرعيين والمستويات الفردية لمنع الانتحار ومحاولات الانتحار. وتشمل هذه الأمور ما يلي:


• الحد من فرص الوصول إلى وسائل الانتحار (مثل مبيدات الآفات، الأسلحة النارية، وبعض الأدوية)؛


• إعداد وسائل الإعلام للتقارير بطريقة مسؤولة؛


• تطبيق سياسات الكحول للحد من استخدام الكحول على نحو ضار؛


• التشخيص والعلاج والرعاية المبكرة للمصابين باضطرابات نفسية أو الاضطرابات الناجمة عن تعاطي مواد الإدمان والآلام المزمنة والاضطرابات العاطفية الحادة.


ورغم أن الدول الغربية تسجل أعلى معدلات الانتحار في العالم لكن الدول العربية تسجل ارتفاعا سريعا وصل إلى 4 منتحرين في كل 100 ألف نسمة في العقد الأخير، وبموجب التقرير الذي نشرته هذه المنظمة والذي يحمل عنوان "منع الانتحار.. ضرورة عالمية"، فإن كلّاً من السودان والمغرب واليمن... تتصدر قائمة الدول العربية التي تسجل أعلى معدلات حوادث الانتحار لكل 100 ألف شخص، فيما صنفت السعودية وسوريا في أسفل القائمة. فتأتي السودان في المركز الأول بمعدل 17.2 حالة انتحار على كل 100 ألف شخص، فيما يأتي المغرب في المركز الثاني بمعدل 5.3 حالة انتحار. وصنفت قطر في المركز الثالث بمعدل 4.6 حالة انتحار، يليها اليمن بنسبة 3.7، ثم الإمارات بنسبة 3.2 حالة انتحار لكل 100 ألف شخص.


ووصلت معدلات الانتحار في موريتانيا إلى 2.9 حالة، وتأتي بعدها تونس بمعدل 2.4، أما الأردن فقد سجل ارتفاعا في معدلات الانتحار مقارنة بإحصاءات عام 2012 مسجلا نسبة 2 حالة انتحار على كل 100 ألف نسمة، أغلبهم من الأطفال.


وتغلب نسبة الانتحار بالجزائر على فئة الشباب والمراهقين، خاصة منهم الإناث، وقد وصلت حالات الانتحار في عام 2014 إلى 1.9 حالة، ثم تأتي ليبيا بعدها في التصنيف بمعدل 1.8 حالة انتحار، وتليها مصر بمعدل 1.7 حالة، أما العراق فوصلت فيه معدلات الانتحار إلى 1.7 حالة.


ونجد أسفل الترتيب كلا من سلطنة عمان بنسبة 1 حالة انتحار لكل 100 ألف شخص، يليها لبنان بـ 0.9 حالة..


وتتساوى السعودية مع سوريا في معدلات الانتحار بنسبة 0.4 حالة انتحار لكل 100 ألف شخص وصنفت في أسفل قائمة الدول العربية لأعلى معدلات الانتحار في العام 2014.


ورغم تعدد الأسباب المؤدية لظاهرة الانتحار إلا أن الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية قد التزمت بخطة عمل المنظمة للصحة النفسية (2013-2020) بالعمل من أجل تحقيق الهدف العالمي المتعلق بخفض معدل الانتحار في البلدان بنسبة 10 بالمائة بحلول عام 2020.


تقارير ودراسات وإطلاق صيحات فزع لما سجّل من ارتفاع في نسب هذه الظاهرة... وهو ما جعل القائمين على هذه المنظمة العالمية للصحة يلتزمون بخطة عمل للحد من هذه الظاهرة وتخفيضها، ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ سطحية البحوث ودراسة الظاهرة دراسة غير مستوفية لشروط التعمق والإلمام والوقوف على أس المشكلة، كل ذلك كان عائقا أمام التفطّن إلى السبب الأساسي لها.


فبالنظر إلى ما قدمته المنظمة من إحصاءات ومن أسباب.. نلاحظ أنّ الدول ذات الدخل المرتفع كاليابان مثلا والتي تعتبر من البلدان المتقدمة والحديثة، ومن أغنى البلاد في العالم، فإنّها تعاني من ارتفاع معدلات الانتحار بشكل غير عادي منذ فترة طويلة. حيث يعتبر الانتحار هو السبب الرئيسي للوفاة بين الرجال الذين تتراوح أعمارهم من 20-44، بسبب البطالة، والاكتئاب، والضغوط الاجتماعية.


وقد بلغت نسبة الانتحار 18.5 من أصل كل 100 ألف مواطن، فينتحر من كل 100 ألف 26.9 رجلاً، أما من كل 100 ألف أنثى فتنتحر 10.1 امرأة.


أما قطر ورغم أنّها صنفت أغنى دولة في العالم حيث يبلغ إجمالي الناتج القومي للفرد 98،814 ألف دولار. إلا أنّ نسبة الانتحار (4.6) ضعيفة قياسا باليابان.


وبهذه المقارنة يتبيّن أنّ سبب الانتحار لا يعود إلى غنى الدول بل إنّ الأمر يعود إلى أسباب أخرى تجعل نسبة الانتحار عند دولة غنية مرتفعة وعند أخرى منخفضة رغم اشتراكهما في التصنيف في خانة واحدة حسب الدخل الفردي. كما تبين أنّ دولتين تصنفان فقيرتين لكن نجد أنّ نسبة هذه الظاهرة مختلفة ومتباينة؛ كما في السودان التي تحتل المرتبة الأولى بين دول العالم العربي، بينما نرى سوريا وما تعانيه من حروب وما ينتج عنها من بطالة وفقر واكتئاب في آخر القائمة.


فالبحث في المسألة والوقوف على هذه الظاهرة وتحليلها وتفسير أسبابها يجب أن يلمّ بجميع الجوانب ويحيط بها حتى يكون مستوفيا موضوعيا، فيتوصل إلى الحلّ الصحيح والعلاج الجذري الشافي لها، ولا تكون الدراسات والحلول المقدمة مجرد مسكّنات لألم ينخر جسد الإنسانية.


إنّ الإنسان بوصفه إنسانا إن لم يتوصل إلى معرفة حقيقة وجوده في هذه الحياة والسبب الحقيقي لها فإنه سيسير فيها وفق ما يراه هو، فإن كانت هذه الدنيا داره ومقامه وفيها سيحقق كل ملذات الحياة دون عناء ولا تعب ولا نصب فإنّه سيهتزّ ويضعف حالما تعترضه الصعاب ولا تتحقق له النتائج المرجوة من أعماله، أو يلقى منها الآلام التي تجعله لا يرى فيها الحياة التي يرغبها؛ فيفقد الأمل فيها ويضع لها حدّا ظنّا منه أّنّ في ذلك خلاصه وفيه التخلص من المتاعب والمآسي. أما إن كان قد تمكن من الحل الصحيح لمعضلة حقيقة وجوده وأنه مخلوق لخالق جعل له هذه الدنيا ممرا يسير فيه ويجري فيه اختبارا وامتحانا يلتزم فيه بما فرضه الله له من أوامر ونواه، فإنه لن يجعل منها أكبر همه ولا دار مقام بل يخشى ربه وهو سائر فيها يبتغي رضوانه ولا يأتي ما يغضبه؛ لأنّه على يقين بوجود حياة أخرى سيبعث فيها ليحاسبه ربه على ما قدمت يداه، أما من يراها حياة واحدة ليس بعدها حياة فإنه لن يتوانى عن وضع نهاية لها إذا أحس بضيقها وضنكها فلا يرقب بعدها حياة.


فالانتحار ظاهرة غريبة عن المسلمين ولا يمكن للمسلم أن يضع حدّا لحياته وأن يقتل نفسه لأنّه على يقين أنّ الله سيعذّبه عذابا شديدا ولأنه يعلم أنّه سيلقى ربه وسيوفيه جزاءه جهنم وبئس المصير. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تردى من جبل فَقَتَلَ نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سُمّاً فقتل نفسه، فسُمُّه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يَجَأُ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً». فما تذكره منظمة الصّحة العالمية من أنّ هذه الظاهرة عامة لم تخل منها ديانة هو مغالطة وكذب وبهتان لأنّ الإسلام يحرّمها والمسلم فيه من التقوى ما يمنعه من ارتكابها واقتراف هذا الإثم الذي يغضب ربه.


فدراسة المنظمة هذه تنطبق على دول لا تطبّق الإسلام ولا تجعل منه نظاما يسيّر حياة الناس... فالعالم اليوم يحيا في ظل نظام عالمي رأسمالي يرى الحياة مقرّا للانتفاع بأكبر قسط من الملذات... نظام نفث سمومه في كل البقاع وفرض مفاهيمه الفاسدة عن الحياة فتأثر بها المسلمون وباتوا يعيشون بها فاصلين بين عقيدتهم من جهة وبين نظامها ومفاهيمه الصحيحة المنبثقة عنها من جهة أخرى.


إنّ المسلمين اليوم وإن تفشّت ظاهرة الانتحار فيهم (فالسودان مثلا تتصدر قائمة البلدان الأعلى نسب انتحار في العالم العربي لعام 2014) فإنها لا تعود إلى نظرتهم إلى الحياة التي علّمهم دينهم إياها بل هي نتاج حضارة غربية دخيلة عليهم أفسدت حياتهم وصرفتهم عن دينهم وأضاعت هيبتهم وعزتهم.


هذا هو السبب الجذري لهذه الظاهرة ولارتفاع نسبتها ارتفاعا كبيرا لافتاً، وكذلك لما آل إليه حال الدول العربية: تصوّر خاطئ لمعنى الحياة! نظرة مغلوطة عقيمة عقم النظام الذي روّجها وفرضها... وحتى نقضي على هذه الظاهرة الأليمة المؤلمة لا بد من تصحيح الخطأ وتغيير هذا التصوّر تغييرا جذريا يرى الحياة كما أريد لها أن تكون... كما أراد لها ربّها أن تكون لا كما يريدها أعداء الإنسان وأعداء الإسلام وأهله بالتحديد.


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
زينة الصامت

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني