الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {... إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11) }الرعد .
والقائل:{ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)} يوسف .
ويقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: ( إن النصر مع الصبر, وإن الفرجَ مع الكربِ, وإن مع العسر يسرا ) .
إخوتي في الله وأحبتي: أن تـُهزم أمة من الأمم في معركة, أو جولة سياسية, فهذا أمر طبيعي, وهو من سنن الله في خلقه. فالأيام دُولٌ بين الناس, يوم لك ويوم عليك, تـُساء يوماً, وتـُسر يوماً .
الإخوة الأفاضل : أن تختفي دولة أو حضارة لتحل مكانها أخرى فهذا أيضا أمر طبيعي كذلك . فالموت والفناء بحق الدول كما هو بحق الأفراد سواءٌ بسواء. ولكن الأمر الذي لا يقبله عقل, ولا ترضى به الفطرة هو أن تتآمر أمة على نفسها, وأن تحاول طمس حضارتها, فترضى لنفسها ما يخططه لها الأعداء, وتلقي بنفسها في مهاوي الردى! حين تلقيها بأحضان قاتليها, وهي متأكدة مقرة ! لا, بل وتحمل معهم معول الهدم, لتهدم ما بنته من بنيان شامخ, ومجد صارخ, وتطعن نفسها بسيف أعدائها, وهي ترى الدماء تقطر من كافة أنحاء جسدها المُثخن بالجراح, نعم تحمل السيف والقلم لتضرب نفسها بنفسها! فتقطـِّع أجزاء من جسدها بيد؛ وتدافع عن المؤامرة باليد الأخرى. أمة تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة ... متآمرة على نفسها !
أيها الإخوة العقلاء: إن الأمة الإسلامية ومنذ مائة عام ويزيد, قبلت بغالبيتها ما لم تقبله أمة من الأمم الواعية على مدى التاريخ حين قبلت بالهزيمة, ليس ذلك وحسب بل كانت جزء مما خطط لها عدوها اللدود, فقد غشيها ومنذ مطلع القرن الماضي مؤامرة استعمارية حاقدة على الإسلام والمسلمين, تزعمتها بريطانيا الماكرة وفرنسا الحاقدة واليهود الملاعين, فوجدوا لهم أعواناً وأنصارا وحلفاء من هذه الأمة ممن زعموا أنهم رعاة الحمى والحفاظ الأمناء للأمة ومصالحها, وما هم إلا خـُوانٌ متآمرون, فانطلت الحيلة عليهم, قاتلوا معهم, وأيدوهم وأثنوا على صنيعهم المتمثل بهدم دولة المسلمين, وتقسيم بلادهم إلى دويلات هزيلة غير قادرة على تأمين أدنى مقومات الحياة الكريمة لرعاياها, وبعضها حتى اليوم لم يُبتَّ في حدودها النهائية؛ لتظل صراعاتها مشتعلة كلما دعت الحاجة إلى ذلك . أمة تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة ... متآمرة على نفسها !
أيها المؤمنون: إن هذا الأمر ليس تاريخا ولـَّى؛ أو زماناً مضى؛ ولا سيرة تسرد للذكرى المجردة .
ولا نستطيع أن نقول أن الأمة قد تعافت من مصيبتها, وألقت بالمتآمرين بعيدا عنها, وعن كيانها, بل هو واقع لا يزال ماثلا أمام أعيننا, بأشكال مختلفة, وألوان متجددة.
وأمتنا اليوم تحمل الحربة الموجهة إلى نفسها؛ والموجهة إلى صدور أبنائها, وحضارتها وثقافتها, وقِيَمها وثرواتها. فبالأمس كان المندوب السامي, واليوم الحاكم المدني . كان استعمارا وأصبح احتلالاً, وكانت جيوشاً عربية يقودها لورانس, واليوم يقودها الكفار الأوغاد أو عملاؤهم القاعدون على كراسي الحكم . أمة تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة ... متآمرة على نفسها !
أمة قبلت أن يُنحى دينها جانباً, وأن تحكم بالطاغوت, وأن تكون سياستها, واقتصادها, وتعليمها, وأمنها, بعيداً عن الإسلام, وأصبحت غريبة عن قيمها, غربية ثقافتها, تستقي أفكارها من الغرب تارة, ومن الشرق تارة أخرى. ولم يبق لها من دينها في واقع الحياة إلاَّ ما يتعلق ببعض ٍمن عبادات, وأحوال شخصية . أمة تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة ... متآمرة على نفسها !
وها همُ اليوم يطاردونها لينزعوا عنها الحجاب, ففي كل يوم يبحث الباطل عن مبررات جديدة للإنقضاض على أحكام الإسلام وتشويهها, ومطاردة أصحابها, وينعق الناعقون من أبناء الأمة بهذه الدعاوى فيدافعون عنها, ويحملون الناس على الأخذ بها ترغيبا وترهيبا .
فأمة تخلت عن شرع ربها ... تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة ... متآمرة على نفسها !
أمة نامت قرناً من الزمان على احتلال يهود لأرض فلسطين, وتشريد أبنائها, وذبحهم في كل يوم كالشياه, وكأن دماءهم أرخص من الرصاصات التي تطلق عليهم؛ وقد أراها الله بأمِّ أعينها آياتٍ ساطعاتٍ, وبراهين قاطعاتٍ, في غزة اليوم, وقبلها في جنين, وقبل هذا كله في دير ياسين, أراها خيانة حكامهم ونذالتهم وخذلانهم عن نصرة إخوانهم في كل موقع, وفي كل مصيبة, وفي كل آن ٍوفي كل حين! في فلسطين والعراق وأفغانستان والسودان والبلقان وبلاد الأفغان وغيرها الكثير الكثير! أمة تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة... متآمرة على نفسها !
يتبع الجزء الثاني
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتبه :الداعي الى الله