April 15, 2009

قراءة في كتاب النظام الإقتصادي في الإسلام ح2- من منشورات حزب التحرير - الأستاذ أبي عبد الله التحريري

أيها الإخوة الكرام:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد،،

هذا أخوكم أبو عبدالله التحريري يلتقيكم ثانية مع كتاب "النظام الإقتصادي في الإسلام"، لنكمل ما بدأناه في الحلقة الماضية، والتي أنهينا فيها جولة سريعة في "مقدمة في الإقتصاد"، أتحفنا فيها الشيخ الراحل، تقي الدين النبهاني، عليه رحمة الله تعالى، بأن بين زيف النظامين الإقتصاديين الرأسمالي والإشتراكي.

والآن نبدأ قراءتنا معكم في عنوان جديد من عناوين هذا الكتاب الراقي، وهذا العنوان هو: "الإقتصاد".

وابتدأ المؤلف بتعريف الإقتصاد لغة وأوضح بقوله:"وإنما المقصود هو المعنى الإصطلاحي لمسمى معين، وهو تدبير شؤون المال، إما بتكثيره وتأمين إيجاده، ويبحث فيه علم الإقتصاد، وإما بكيفية توزيعه، ويبحث فيه النظام الإقتصادي." انتهى. ثم عرج على التفريق ثانية بين علم الإقتصاد ونظام الإقتصاد، والذي تطرقنا له في الحلقة الماضية.

وبعد هذا التفريق الذي بدأ به المؤلف، رحمه الله، إختتم بخلاصة معنى النظام الإقتصادي، فقال:"وعلى ذلك فالأساس الذي يبنى عليه النظام الإقتصادي قائم على ثلاث قواعد هي: الملكية، والتصرف بالملكية، وتوزيع الثروة بين الناس" ، لينتقل بنا إلى عنوان جديد هو"نظرة الإسلام إلى الإقتصاد". ولخص المؤلف نظرة الإسلام إلى الإقتصاد بعد أن فصَّل في مادة الثروة، والإنتفاع بها وإنتاجها، بقوله: "وعلى هذا فإنه يتبين أن الإسلام ينظر في النظام الإقتصادي، لا في علم الإقتصاد، ويجعل الإنتفاع بالثروة، وكيفية حيازة هذه المنفعة موضوع بحثه، ولم يتعرض لإنتاج الثروة، ولا إلى وسائل المنفعة مطلقا." أنتهى كلام الشيخ تقي الدين.

وانتقل بنا الشيخ تقي الدين - رحمه الله تعالى - إلى عنوان آخر وهو: "سياسة الإقتصاد في الإسلام". وهذه السياسة قائمة على إشباع حاجات الإنسان الإساسية إشباعا تاما، وهذه الحاجات الأساسية هي المأكل والملبس والمسكن، وإشباع ما أمكن من حاجاته الكمالية، بوصفه إنسانا ، وفرد ذا فردية، ولكن يعيش في مجتمع له أفكاره ومشاعره وأنظمته.

يقول المؤلف: "وهكذا يشاهد أن سياسة الإقتصاد في الإسلام مبنية على أساس إشباع الحاجات لكل فرد، باعتباره إنسانا يعيش في مجتمع معين، وعلى كسب الثروة لتوفير ما يشبع الحاجات، وقائمة على فكرة واحدة هي تسيير الأعمال بالأحكام الشرعية ومنفذة من كل فرد بدافع تقوى الله، وبالتنفيذ من قبل الدولة، بالتوجيه وبالتشريع." انتهى

ثم انتقل المؤلف إلى آخر عنوان من عناوين "الإقتصاد" وهو: "القواعد الإقتصادية العامة"، ليجعل من هذا العنوان توطئة لباقي أبحاث الإقتصاد التي سيبحثها. أما هذه القواعد فهي ثلاث، كالتالي:

القاعدة الأولى: الملكية. الملكية أصلا لله تعالى، قال الله تعالى: "وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم"، والله تعالى استخلفنا استخلاف تمليك في هذا المال، فقال: "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه"، وقال: "خذ من أموالهم صدقة تزكيهم وتطهرهم بها"، والملكية الفعلية تصبح للفرد إذا أذن الله له أن يتملك، أي تكون ملكيته شرعية، وهذا يكون إذا تملك الفرد بسبب أجازه الله تعالى، وهو مالك الملك عز وجل. والملكية ثلاثة أنواع هي: فردية، وجماعية أو عامة، وملكية دولة.

القاعدة الثانية: التصرف بالملكية: والتصرف في ملكية الدولة راجع للدولة حسب أحكام الشرع الحنيف، والتي تظهر فيها أحكام بيت المال. أما الملكية العامة، فموكولة بها الدولة بالتصرف حسب أحكام الشرع، وأما الملكية الفردية فأحكامها واضحة مع أحكام بيت المال وأحكام كالهبة وأحكام المعاملات. يقول المؤلف: "وقد أجاز الشارع للدولة وللفرد التصرف بملكيتهما بالمبادلة والصلة، وغير ذلك بحسب الأحكام التي بينها الشرع". انتهى كلام المؤلف.

القاعدة الثالثة: توزيع الثروة: يقول المؤلف: "وأما توزيع الثروة بين الناس فإنه يجري في أسباب التملك، وفي العقود طبيعيا. غير ان تفاوت الناس بالقوى، وفي الحاجة إلى الإشباع، يؤدي إلى تفاوت التوزيع للثروة بين الناس. ويجعل احتمال الإساءة في هذا التوزيع موجودا، فيترتب على هذه الإساءة في التوزيع تجمع المال بين يدي فئة، وانحساره عن فئة أخرى، كما يترتب عليها كنز أداة التبادل الثابتة، وهي الذهب والفضة. ولذلك جاء الشرع يمنع تداول الثروة بين الأغنياء فقط، ويوجب تداولها بين جميع الناس، وجاء يمنع كنز الذهب والفضة، ولو أخرجت زكاتهما." انتهى كلام الشيخ تقي الدين، عليه رحمة الله تعالى.

وبعد هذه التوطئة، شرع العالم الجليل، الشيخ تقي الدين النبهاني ببحث أنواع الملكية وأسبابها، فبدأ بالملكية الفردية، حيث نص على أن تملك الفرد للثروة أمر فطري، وهو راجع لغريزة حب البقاء، وحتمي في نفس الوقت كي يبقى الفرد على قيد الحياة، وأي إخلال في ذلك يكون مخالفة لفطرة الإنسان محدثا قلقا واضطرابا له، وقد يهدد وجوده في حالات منعه من التملك لإشباع حاجاته الأساسية. ولكن لابد من أن يحدد الكيف الذي يكون به التملك، ولا يحدد الكم، فبتحديد الكيف ضمان أن لا يأكل القوي الضعيف وان يتاح لجميع الأفراد حيازة الثروة، وعدم التحديد بالكم كي يبقى عند الإنسان الدافع للعمل والإنتاج وهو من متطلبات الفطرة. أما ما هي هذه الملكية، فإنها "حكم شرعي مقدر بالعين أو المنفعة، يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالشيء، وأخذ العوض عنه." قد يبدو هذا التعريف معقدا ولكنه على عكس ذلك، فقوله (حكم شرعي) أي أنه من الله تعالى أي من الشارع عز وجل، وقوله (أنه مقدر بالعين) أي انه متعلق بالعين وهي الأشياء المنقولة وغير المنقولة، مثل رغيف الخبز أو البيت، قوله (أو المنفعة) وهي مثل منفعة خدمة الطبيب أو المهندس أو المدرس، وقوله (يقتضي تمكين من يضاف إليه) أي من يحوز هذه العين أو المنفعة، وقوله (من انتفاعه بالشيء) أي أن الحكم الشرعي هو الذي أجاز لحائز هذه العين أو المنفعة أن ينتفع بها هو كأن يأكل الرغيف أو أن يبيعه فيأخذ بذلك (العوض عنه). وهذا التعريف الجامع المانع يحدد لنا أن الشارع هو الذي يعطي الإذن بالحيازة للعين أو المنفعة، وبطريقة هذه الحيازة، وبكيفية التصرف بها. قال المؤلف: "والمال الحلال هو الذي ينطبق عليه معنى الملكية، والمال الحرام ليس ملكا، ولا ينطبق عليه معنى الملكية" انتهى.

وحين يتم التملك حسب المقتضيات الشرعية، تكون لهذه الملكية حرمة يمنع الشرع التعدي عليها، ويضع العقوبات الزواجر على كل من يتعدى عليها بالسرقة، أو بالسلب، أو خلافه.

وينتقل بنا الشيخ تقي الدين إلى فكرة اخرى فيقول: "والإسلام حين يحدد الملكية لا يُحَدِّدها بالكمية، وإنما يُحَدِّدها بالكيفية ويظهر هذا التحديد بالكيفية بارزا في الأمور الآتية:

1-بتحديدها من حيث أسباب التملك، وتنمية الملك، لا في كمية المال المملوك.

2-بتحديد كيفية التصرف.

3-بكون رقبة الأرض الخراجية ملكا للدولة لا للأفراد.

4-بصيرورة الملكية الفردية ملكا عاما جبرا في أحوال معينة.

5-بإعطاء من قصرت به الوسائل عن الحصول على حاجته ما يفي بتلك الحاجة في حدودها." انتهى

وبعد هذا الشرح حول معنى الملكية، وماهيتها، انتقل بنا الشيخ الجليل إلى عنوان آخر، وهو: "أسباب تملك المال"، وابتدأ بالتفصيل أن البحث هنا حول تملك المال ابتداءً، وليس تنمية المال، لأن تنمية المال تعني أنه مُحاز عند صاحبه، وليس تبادل السلع والخدمات بالمال أو مقايضة، لأن هذا يعني حيازة المال كي تتم المبادلة، فالموضوع في سبب التملك هو حيازة المال في حال عدم تملكه أو حيازته أصلا، وفي هذا يقول المؤلف -عليه رحمة الله-: "فأسباب الملك هي أسباب حيازة الأصل. واسباب تنمية الملك هي أسباب تكثير أصل المال، الذي سبقت حيازته بسبب من أسباب التملك...

وباستقراء الأحكام الشرعية التي تقتضي ملكية الشخص للمال يتبين أن أسباب التملك محصورة في خمسة أسباب هي:

أ‌-العمل

ب‌-الإرث.

ج -الحاجة إلى المال لأجل الحياة.

د -إعطاء الدولة من أموالها للرعية.

هـ -الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مالٍ أو جهدٍ.". انتهى

أما العمل، فيندرج تحته عدة عناوين والتي تكون أسبابا للتملك وهي: إحياء الموات، واستخراج ما في باطن الأرض، أو الهواء، والصيد، والسمسرة والدلالة، والمضاربة، والمساقاة، وأخيرا العمل للآخرين بأجر. وفي كل واحد من هذه الأسباب أورد المؤلف تعريفه ودليله وحدوده الشرعية، والمقام الآن لا يتسع لذكر كل هذه التفاصيل، ونتركها للمستمع الكريم ليراجعها بنفسه.

وأما الإرث، فقد أوضح المؤلف -رحمه الله رحمة واسعة- أنه من الأسباب الشرعية التي يتملك بها الإنسان المال، وأن الإرث واقعه أنه يفتت الثروة فلا تبقى بحوزة شخص أو أشخاص دون غيرهم، وهذا الأمر، وهو تفتيت الثروة، واقع مستفاد من الإرث وليس علة حكم الإرث.

وأما السبب لثالث وهو: الحاجة للمال من أجل الحياة، فينطبق على العاجز الذي لا يستطيع العمل ولا يوجد من يعيله من أهله المفروض عليهم إعالته، أو في حال المجاعة وما شاكلها من ظرف، ففي هذه الأحوال يجب على الدولة النفقة على العاجز بعد أن لا يكون هناك من يعوله من أهله وفي هذه الحال له حقان، حق أن تنفق عليه الدولة وحق في الزكاة، فإن لم ينفق عليه من تجب عليهم نفقته، ولم تنفق عليه الدولة، ولم يلتفت إليه أحد من أهل حيه، ففي هذه الحال له أن يأخذ ما يسد رمقه ويبقيه على قيد الحياة من أي مكان ومن أي بيت ومن أي شخص ، وليس له أن يأكل الميتة ما دام الناس ليسوا في مجاعة، فإن كان الناس في مجاعة فله أن يأكل الميتة، وله أن يسرق من غيره من الناس طعاما ولا يقام عليه حد السرقة لما روى أبو أمامة أن الرسول عليه السلام قال: "لا قطع في زمن المجاعة".

أما السبب الرابع من أسباب التملك فهو: إعطاء الدولة من أموالها للرعية، وذلك لسد حاجات الأفراد فتعطي الدولة من أملاكها للفرد المحتاج دون مقابل، أو أن تعطي الدولة للأفراد من أملاكها كي تستفيد من جهدهم، كأن تعطي الدولة للأفراد أرضا معطلة المنفعة فيستصلحونها للزراعة أو الصناعة أو غير ذلك، ويدخل ضمن هذا السبب الغنائم والسلب الذي يعطيه الخليفة للمحاربين.

والسبب الخامس هو: الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد، وهذه تنقسم إلى خمسة أقسام هي: "صلة الأفراد بعضهم البعض" كالهدية والوصية، و"إستحقاق الأموال عوضا عن ضرر من الأضرار التي لحقته، وذلك كدية القتيل، وديات الجراح"، و"استحقاق المهر وتوابعه بعقد النكاح"، و"اللقطة"، وأخيرا "تعويض الخليفة، ومن يعتبر عملهم حكما، فإنه لا يكون مقابل عملهم، وإنما هو مقابل حبسهم عن القيام بأعمالهم".

أيها المستمعون الكرام،

بعد بيان أسباب التملك، شرع المؤلف -عليه رحمة الله تعالى- ببيان النقطة الثانية من نقاط كيف أن الإسلام حدد الكيف بالنسبة للتملك والإقتصاد بشكل عام. وهذه النقطة هي: "كيفية التصرف بالمال". والتصرف بالمال إنما يكون إذا أذن الشارع الحكيم بالتصرف فيه، ومعنى حق التصرف بالعين هو: "... الإنتفاع بها، وهو المعنى المراد من ملكيتها، أو هو أثر هذه الملكية. وحق التصرف في العين المملوكة يشمل حق التصرف في تنمية الملك، وحق التصرف بالإنفاق صلةً ونفقةً".

وتنمية الملك تختلف عن تتنمية المال، فتنمية المال هي بالأساليب التي تكثرة وهي مطلقة في الإسلام ما لم تخالف حكما شرعيا، وذلك لأنها من صميم علم الإقتصاد. أما تنمية الملك فهي بتكثيرهذه المالية بكيفية أو كيفيات معينة حددها الشرع الحنيف، وهي من النظام الإقتصادي. ونص الشيخ الفاضل على أن "الأشياء التي يشتغل فيها الإنسان، للحصول على المال، أو تنميته، هي الزراعة، والتجارة، والصناعة... والأحكام المتعلقة بالزراعة، والتجارة، والصناعة، هي التي تبين الكيفية التي ينمي بها الفرد ملكيته للمال... ولذلك كانت تنمية الملكية مقيدة بالأحكام التي جاء الشرع بها، وهي أحكام الأراضي وما يتعلق بها، وأحكام البيع والشركة وما يتعلق بها، وأحكام الأجير والاستصناع." وقد قام المؤلف بالتطرق لكل نوع من هذه الكيفيات بالتفصيل الشرعي، وبالأدلة الشرعية. فذكر أحكام الأراضي وتقسيمها من خراجية وعشرية وبين أحكام إحياء الموات، كما بين حكم حرمة تأجير الأرض للزراعة، ثم تطرق للبيع والإستصناع مبينا حكم كل واحد منها، ليتنتقل إلى أحكام الشركات، من شركة عنان، وأبدان، ومضاربة، وشركة الوجوه، والمفاوضة، وختم بأن بين أحكام فسخ الشركة.

وبعد أن أسس المؤلف لنا أنواع الشركات المقبولة وأحكامها الشرعية، بدأ بذكر الشركات الرأسمالية، من شركة تضامن، وشركات مساهمة، وبين مخالفتها للشرع الإسلامي وأنها لا تمت للإسلام وأحكامه بصلة، وأنها شركات باطلة أصلا. ولما انتهى من ذلك بدأ بالحديث عن "أسهم شركة المساهمة"، وأنها مال غير مُقَوَّم، أي أنها غير معترف بها شرعا، وأنها مال حرام، وذكر أحكام هذا المال وبيان كيفية التخلص منه، وكيف يأخذ الفرد رأس ماله من هذه الشركات وهكذا. ولما فرغ من ذلك، نقض من الناحية الشرعية الجمعيات التعاونية، والتأمين.

ولكون الموضوع الذي يطرقه المؤلف هو: "تنمية الملك"، أورد تحت عنوان منفصل المحرمات في تنمية الملك، وهذا العنوان هو: "الطرق الممنوع تنمية الملك بها"، وتحت هذا العنوان أورد الدليل الشرعي على حرمة القمار، وحرمة الربا، وحرمة الغبن الفاحش وهو الزيادة أو النقصان من قيمة السلعة بشكل كبير، وحرمة التدليس في البيع وهو إخفاء ما في السلعة من عيب بالنسبة للبائع، وإخفاء ما في الثمن من عيب بالنسبة للمشتري، وحرمة الإحتكار في أي نوع من أنواع السلع، طعاما كانت أم غيره، وذكر الدليل على حرمة التسعير من قبل ولي الأمر أو أي أحد من أفراد طاقم الحكم لما رواه أحمد عن انس بن مالك -رضي اله عنه- قال: "غلا السعر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله لو سعرت. فقال: إن الله هو الخالق، القابض، الباسط، الرزاق، المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطلبني أحدٌ بمَظْلِمَة ظلمتها إياه، في دم، ولا مال".

والجانب الآخر من جوانب حق التصرف، هو: "حق التصرف بالإنفاق والصلة"، "وإنفاق المال هو بذله بلا عوض"، هكذا عرفه المؤلف -عليه رحمة الله تعالى. قال الله تبارك وتعالى: "لينفق ذو سعة من سعته"، والإنفاق في حياة الفرد تكون بالهدية، والهبة، والصدقة، وبإنفاقه على نفسه، وبإنفاقه على من تجب عليه النفقة عليهم. أما انفاقه بعد مماته فيكون بالوصية. والشارع الحكيم حدد ضوابط الإنفاق، فحرم الإنفاق بالهدية على عدو في حالة الحرب بما يتقوى به على المسلمين، ومنع المسلم من أن ينفق بحيث لا يبقي لنفسه وعياله ما يغنيهم، روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول"، وبين المؤلف معنى "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"، وكذلك بين حكم الوصية ومتى تقع وأنها يجب أن لا تزيد عن الثلث. وبعد هذا ذكر لنا الشيخ تقي الدين النبهاني محظورات متعلقة بإنفاق الفرد على نفسه وعلى من تجب عليه نفقتهم، وهذه المحظورات هي: الإسراف والتبذير، والترف والبطر، والتقتير. وبالرغم من أننا هنا ذكرنا هذه المحظورات كعناوين، إلا أن المؤلف ذكرها بتفاصيلها من تعريف ودليل شرعي ومناط حكم، وتفصيلات أخرى كثيرة مهمة، نرجو أن تقوموا أنتم أيها المستمعون الكرام بقراءتها بأنفسكم.

ثم تطرق المؤلف إلى الفقير ومن يعد فقيرا تجب له النفقة، ومن يعد غنيا تجب عليه النفقة، يقول المؤلف: "والحاصل أن الفقير الذي تجب له النفقة هو من عُدِم إشباع حاجاته الأساسية، أي احتاج إلى الطعام، والكسوة، والسكنى، وأما الغني الذي تجب عليه النفقة، ويجب عليه ما يجب على جميع المسلمين من التكاليف المالية، فهو من ملك ما يفضل عن إشباع حاجاته بالمعروف، لا حاجاته الأساسية فقط، ويقدر ذلك بحسب حاله وأمثاله من الناس." انتهى كلام المؤلف

وبهذا يكون المؤلف، الشيخ تقي الدين النبهاني، عليه رحمة الله رحمة واسعة، قد قطع شوطا طويلا في الإقتصاد وموضوعاته، ويكون قد أنهى موضوع الملكية الفردية، لينتقل إلى أنواع أخرى من أنواع الملكية، وهذه الأنواع وغيرها ما سنتطرق إليها، بإذن الله تعالى، في حلقتنا القادمة معكم.

وإلى أن نلقاكم لنكمل قراءتنا في كتاب "النظام الاقتصادي في الإسلام"، هذا أخوكم أبو عبدالله التحريري يستودعكم الله تعالى الذي لا تضيع ودائعه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

More from Économie