قالاللـه تعالى: { يـأَيُّها الذينءامَنوااذكروا نعمةَ اللـه عليكم إذْ جاءتْكُمْ جُنودٌ فأَرسلنا عليهمْ رِيحاًوجُنوداًلمْ تَرَوْهاج وكانَ اللـه بما تَعملونَ بصيراً . إذْ جاءوكمْ مِنْفَوْقِكُمْومِنْ أَسفلَ منكمْ وإذْ زاغتِ الأَبْصرُ وبلغتِ القُلوبُ الحـَناجِرَوتَظُـنُّونَباللـه الظنوناْ . هنالكَ ابْتُلِيَ المؤمنونَ وزُلْزِلوا زِلْزالاًشديداً }.
وقالتعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أن تدخُلواالـجَـنَّةَولَمّـا يأْتِكُم مَثَلُ الذينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهمُالبأْساءُوالضَّرّاءُ وزُلْزِلوا حتى يقولَ الرسولُ والذين ءامَنوا معهُ متىنَصْرُاللـه أَلاَ إنَّ نَصْرَ اللـه قريب } .
الآياتالمذكورةأعلاه من سورة الأحزاب نزلت بمناسبة غزوة الخندق (غزوة الأحزاب) التي حصلتفيالسنة الخامسة للـهجرة. والآية الأخرى المذكورة أعلاه من سورة البقرة نزلت أيضاًفيغزوة الأحزاب، حسب قول غالبية المفسرين، وكلمة (الرسول) الواردة فيها تعني محمدبنعبد اللـه صلى اللـه عليه وآله وسلم.
والذينريد أن نلفت النظر إليه في هذهالآياتهو كلمة (زُلْزِلوا)، وعبارة (وتظنون باللـه الظنونا).
هلطال الزِّلزالإيمانهمأم اقتصر على أجسامهم؟ وهل ظنهم باللـه خالطه ظن سيّء أو كان ظنّاً حسناًفقط؟
رُسُلُاللـه معصومون في إيمانهم، وفي ظنهم باللـه، أما المؤمنون فإنه قديحصلعندهم زلزال في الإيمان، وقد يحصل منهم ظن سيء باللـه، وإذا حصل هذا فإنهم قديخرجونمن الإيمان إلى النفاق أو الكفر، وهذا ليس مستحيلاً فالرسول صلى اللـه عليهوآلهوسلم يقول: «يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً، ويصبح كافراً،يبيعدينه بعرض من الدنيا قليل» .
يصفاللـه سبحانه حال المؤمنينيومالخندق بقوله: { وإذ زاغت الأبصر وبلغت القلوب الحناجر وتظنون باللـه الظنونا }وزيغالبصر هو ميله، وبلوغ القلوب الحناجر هو كناية عن شدة الخوف. أما الظنون فهيمختلفة،فالمؤمنون الثابتون على إيمانهم كان ظنهم أن اللـه سينجز وعده لرسولهوسينصردينه ويظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وظَنَّ المنافقون أن محمداًصلىاللـه عليه وآله وسلم سيُستأصَـل هو وأصحابه. وقد برز النفاق عند بعض المسلمينحتىقال معتب بن قشير أخو بني عمر بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر،وأحدنالا يقدر على أن يذهب إلى الغائط.
ويضيفاللـه في وصف حال المؤمنينبقوله{ هنالك ابتُلِيَ المؤمنون } أي اختُبِروا. { وزُلزلوا زلزالاً شديداً } وهذاالزلزاللم يكن في عقيدتهم ولا في يقينهم بدينهم، وإنما في أبدانهم وعيشهم والتضييقعليهم. وهذا بعث الخوف في نفوس قسم كبير منهم. وهناك بعض المسلمين الذين لم يكنإيمانهمراسخاً، وهؤلاء تعدّى الزلزال أبدانهم ليؤثر في إيمانهم.
وآيةسورةالبقرةتبيّن لنا أن سنّة اللـه الغالبة في المؤمنين أنه يبتليهم بالبأساء والضراء،أيبالفقر والمصائب في البدن والمال والخوف والجوع... فإذا صبروا ونجحوا فيالامتحان،فإن عاقبتهم النصر في الدنيا والجنة والرضوان في الآخرة. والرسل يصيبهممايصيب أتباعهم المؤمنين من الابتلاء، ويجأرون إلى اللـه بالدعاء طالبين ذهابالابتلاءوسرعة الفرج والنصر { حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه: متى نصر اللـه }؟فيأتيالجوابُ الـمُـطَمْئِنُ { ألاَ إنّ نصْرَ اللـه قريب }.