September 05, 2010

تطورات في الموقف الدولي وأثرها على المسلمين -ج1

إن متابعة الشؤون الدولية لا يجب أن تكون بحال من الأحوال من أجل الترف أو للعلم فقط، وإن كانت المتابعة حتى بهذا المستوى عمل غير مذموم ويحتاج إليه الأكاديميون من أجل الاطلاع والتعلم. ولكن المتابعة المنتجة هي تلك التي يكون الهدف منها الاستمرار في مراقبة أحوال الدول حول العالم، وما يعتريها من ضعف أو قوة من أجل هدف معين عند المتابع يقصد به خدمة أمته، والنظر في الفرص التي تتاح لأمته على الساحة الدولية لتحقيق أهدافها أو مصالحها.

إن الناظر في وضع الدول التي تشكل الموقف الدولي الحالي (أمريكا، روسيا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، الصين) يجد أن أموراً كثيرة قد طرأت عليها في السنوات القليلة الماضية، كتقهقر أمريكا، وعجز أوروبا، وصعود الصين، وتعافي روسيا.

بالنسبة لتقهقر أمريكا، فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة هي أكثر الأمم والدول الغربية حيويةًً من الناحية السياسية والاقتصادية والتأثير الدولي، إلا أن الكثير من الضعف قد اعتراها في الفترة الأخيرة الماضية. فأمريكا واقعة في مستنقع أفغانستان والعراق، ولا ننسى بأن أمريكا ما كانت لتفرض نفسها كقوة عالمية لولا قوتها العسكرية التي بدأت هيبتها تتمرغ في التراب, وتخسر أمريكا النفوذ شيئا فشيئا في آسيا الوسطى والبلقان، وشعاراتها حول حقوق الانسان ونشر الديمقراطية وأمثالها بان زيفها في سجون أبو غريب وغوانتنامو، ودولياً أصبح الشعب الأمريكي يحس بثقل أن يكون مكروهاً في العالم وغير مرحبٍ به للتدخل في شؤون الدول، فما أن يحضر الرئيس الأمريكي مؤتمراً أو يعقد اجتماعاً حول العالم، إلا وتخرج المسيرات والمظاهرات المنددة به وبالولايات المتحدة مما يوجد أجواءً لا تساعد السياسة والاستثمار الأمريكي حول العالم، ويظهر استطلاع للرأي أعدته هيئة الإذاعة البريطانية في يناير 2005، أن 58% من الأجانب الذين تم استطلاع آراءهم يرون في إعادة إنتخاب بوش تهديدا للسلام العالمي. ولعل الملاحظة الأهم في هذا الإستطلاع هو أن الرقم أعلى بكثير بين مواطني الدول الحليفة التقليدية للولايات المتحدة، حيث وصل إلى 77% في ألمانيا، و64% في بريطانيا، و82% في تركيا، وفي العالم الإسلامي فإن التأييد لأمريكا والقيم الأمريكية أقل من 10% في معضم البلدان.

ثم جاءت الأزمة المالية العالمية لتسدد رصاصة من العيار الثقيل لموقع الولايات المتحدة الدولي. فهي اليوم كجسد ميت هامد متكىء على عصاه الخشبية، يحكم العالم بهيبته المنتهية القديمة، وما عرف العالم ان المسألة، كل المسألة هي من يزحزح العصى؟ ومعذرة هنا لنبي الله سليمان عليه السلام، فقد حُقّ للعالم ان يحترم هيبته وقوته حتى بعد مماته، لانه كان يحكم بامر الله الحي الذي لا يموت، واما امبراطورية الشر هذه، فلا يجوز لاحد من المسلمين ان يحسب لها حسابا في حال قوتها، فما بالكم في حال ضعفها او مماتها!

وتأكيدا على تقهقر أمريكا، فإن صحيفة لوفيغارو الفرنسية تحت عنوان (تراجع أمريكا)، استعرضت الخطوط العريضة والديباجات الأساسية للاستراتيجية الجديدة للأمن القومي التي أطلقها أوباما يوم 27 مايو المنصرم، مشيرة إلى أن الملمح العام الذي يمكن تسجيله بعد قراءتها هو أن بلاد "العام سام" تنزع الآن إلى التراجع والانكفاء على نفسها، وأن ربع الصفحات الستين التي صدرت فيها الاستراتيجية منصبٌّ على المسائل السياسية الداخلية الأميركية، كقضايا الصحة والتعليم. وقد تم تبرير ذلك بحجة أن أميركا لا يمكن أن تكون قوية خارجيّاً إذا افتقدت هذه الصفة في الداخل.

و تأكيدا أيضا، يقول والتر أندريوسيزين، أستاذ إدارة الأعمال الدولية بجامعة ساوث فلوريدا (دائرة الدين المتفاقم لا تلحق الأذى باقتصاد أميركا، وإنما تضعف أمنها القومي أيضاً، وتحيل العالم إلى مكان أكثر خطراً. ولا يمكن لدولة أن تحافظ على قوتها، أو حتى قدرتها على إظهار تلك القوة، من دون اقتصاد قوي. انطبق هذا تاريخياً على"اسبرطة" و"روما"، وينطبق في الوقت الراهن على الولايات المتحدة.)، فأين كتاب فوكوياما (نهاية التاريخ من هذا؟ ويضيف والتر أندريوسيزين (التقدم الاقتصادي والأمن القومي خيطان في حبل واحد يربط أميركا وأوروبا معاً. واهتراء أي خيط من هذين الخيطين على أي جانب من جانبي الأطلسي، قد يضعف الخيط كله.).

أما عجز أوروبا، فإن وصفها بالعجوز قد غدا وصفاً ملموساً اليوم. فهذه الدول يلاحظ عجزها عن القيام بعمل حاسم على الصعيد الدولي، ويكمن ضعفها في انها متنافرة المصالح ومختلفة السياسات التي قد تصل حد التناقض في العديد من القضايا، خاصة وأن عدم إلتقاء رأسي أوروبا، بريطانيا وفرنسا، موهن كيدهما، وبالتالي موهن أوروبا. ولم يفلح الاتحاد الأوروبي بإيجاد قوة أوربية منفصلة عن حلف الأطلسي يوكل إليها مهمة الدفاع عن أمن أوربا، أو أن يكون نداً لأمريكا، فقد بقيت الجيوش الأمريكية تتمركز في قواعد الناتو القديمة فوق الأراضي الأوروبية، وبالتالي ظلت الدول الأوروبية تستظل بالمظلة العسكرية الأمريكية. ومن ما يزيد في ضعف الإتحاد الأوروبي هو أن الدول العشر التي انضمت سنة 2004 للإتحاد الأوروبي في غالبيتها منطقة نفوذ لأمريكا.

وبمناسبة الحديث عن عجز أوروبا، فقد نشرت الجزيرة مقالا بعنوان (نفوذ بريطانيا في اضمحلال)، كما وتناقلت عدة مصادر إعلامية ووكالات أنباء تصريحات خطيرة لمسؤول أمريكي كبير توقع فيها تلاشي تأثير الدور الأوروبي العالمي، فقد قال رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية ريتشارد هاس: "إنه بينما شكل حلف شمال الأطلسي (ناتو) تطورا إستراتيجيا جديدا هو الأهم في علاقات عبر الأطلسي منذ ثلاثينيات القرن الماضي وشكل بعض النجاح الأوروبي, فإن تلك العلاقات مهددة بالانقطاع وإن أوروبا برمتها كقوة عظمى آخذة في التلاشي". ومضى الكاتب -في مقال نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية- أن ثمة حقيقة أخرى بارزة تتمثل في عدم إلتزام الأوروبيين بفكرة أوروبا الموحدة وسط النزعة القومية المستمرة، مضيفا أنه لو كان الأوروبيون جادين في سعيهم ليكونوا قوة عظمى لعملوا على التخلي عن المقعدين الفرنسي والبريطاني في مجلس الأمن الدولي لصالح مقعد واحد هو المقعد الأوروبي"، وأشار إلى أن ذلك لن يحصل".

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن علامات الهرم قوية على الساحة الأوروبية، فقلة المواليد وقلة الشباب تفرض تراجعاً فعلياً مستمراً للقوة الأوروبية في السياسة والأقتصاد وتهدد مستقبل القارة بشكل استراتيجي. ناهيك عن أن ما أصابها من الأزمة المالية بشكل عام، والأزمة اليونانية بشكل خاص، لا يقل إرهاقاً لما أصاب الولايات المتحدة، فقد نشرت الصحف أن فرنسا على سبيل المثال تمدد سن التقاعد، ونشرت صحيفة النيويورك تايمز مقالا بعنوان لافت (ألمانيا ضد أوروبا)، ونشرت الجزيرة أن خبراء اقتصاد بريطانيون يرجحون ألاّ تصمد الوحدة النقدية الأوروبية بصورتها الحالية أكثر من خمس سنوات قادمة، إذ قد تنسحب منها أكثر من دولة -بما فيها ألمانيا- بسبب أزمة الديون التي اجتاحت عددا من الدول الأعضاء في مجموعة اليورو.

أما صعود الصين، فهي صاحبة أسرع نمو في العالم, وثاني أكبر اقتصاد, حتى أن مصالحها التجارية وصلت الى دول مثل السودان والصومال. كما وبدأت الصين تقفز قفزات نوعية في التكنولوجيا وخصوصا العسكرية وكان آخرها تجربة إسقاط القمر الصناعي عن طريق الصواريخ. وللعلم فإن الميزانية العسكرية للصين قد أصبحت ثاني أكبر ميزانية بعد أميركا، وتتطلع الصين إلى تعزيز أسطولها البحري، ونيتها إقامة قاعدة عسكرية بحرية في عدن. ولأول مرة منذ قيام دولة الصين الشيوعية في العام 1949 أظهرت الصين تحولاً جذرياً في علاقاتها مع الدول العربية، حيث أظهرت انحيازاً سافراً إلى جانب كيان يهود فيما يتعلق بأهم مسألة من مسائل القضية الفلسطينية ألا وهي مسألة القدس. فهل ستكون الصين القوة القادمة كما يردد البعض؟

إن هناك عوائق تحول دون ذلك، منها: نتحدث عنها في الحلقة القادمة إن شاء

 بقلم الأستاذ أبي عيسى الله.

More from Politik