(الجزء الثاني)
يتابع أخونا الداعي الى الله فيقول
أمة تقبل باحتلال العراق وأفغانستان والسودان؛ بل وتشارك فيه؛ وتأخذ الغاصبين بالأحضان والقـُبل, وتستقبلهم بالولائم والابتسامات, وتسارع إلى مشاريع التطبيع بأنواعها الإقتصادية والأمنية وما يسمى بالثقافية والعلمية وعلى كافة الأصعدة, على الرغم من النزيف اليومي لدماء المسلمين المهراقة على الأرض, وفي كل مكان على أيدي هؤلاء الكفار المستعمرين, أمة تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة ... متآمرة على نفسها !
والأمة التي تقبل أن يقطـَّع جسدها إلى دويلات هزيلة تتناحر فيما بينها لأتفه الأسباب, وتحجم عن حماية أرواح أبنائها إذا اعتدى عليهم غاصب .
هذه الدويلات الهزيلة لم تحقق لشعوبها لقمة العيش الكريمة, فلا أمنٌ غذائيٌّ؛ ولا أمنٌ سياسيٌّ؛ ولا أمنٌ عسكريٌّ؛ هذه الدوديلات كلها تنتظر بلهفة القمح الأمريكي كلهفة جوعة الطفل الرضيع؛ حتى الدولُ الكبرى من بينها لا تستطيع أن تصمد أياماً معدودات دون المدِّ الأمريكي بلقمة العيش من حبة القمح؛ ولا تستطع أيٌّ منها حسم قضية داخلية سياسية واحدة لصالحها, دون تدخل الأجنبي الماكر.
دويدلات الضرار,لا وزن لها في السياسة الدولية حتى وهي مجتمعة في جامعتها العربية, أو مؤتمرها الإسلامي, أو قممها العربية, أو في اتحادها الخليجي؛ فدولة مثل غوانتمالا, أو تشيكا, أو بنما, أو لكسمبرغ, وحتى قبائل الزولو على سبيل المثال لا الحصر تملك من الكرامة السياسية أكثر من دويلات العرب والمسلمين مجتمعين!على الرغم من تعداد السكان الهائل, والثروات الضخمة, والموقع الجغرافي الهام الذي يُحسدون عليه . فأمة ملكت هذه الخيرات كلها وزيادة, ثمَّ مدت يدها لعدو الله وعدوها تتسول منه المال رشوة على الدين؛ أمة تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة ... متآمرة على نفسها !
والأمة التي تفتح أرضها لتكون قواعد عسكرية لأناس جاؤوا من أقصى الأرض لقتلها بقضهم وقضيضهم, فنزلوا أرضاً عربية وإسلامية على الرحب والسعة, ضيوفا كراما, لينطلقوا منها فيقتلوا ويروعوا, لا يرحمون شيخاً, ولا طفلاً, ولا امرأة, ينهبون خيرات الأمة, ويصرفون على جيوشهم من أموال المسلمين, إذن فالأمة تدفع أموالاً لقتل نفسها؛ أو ليست بهذا تتآمر؟!
فأمة تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة ... متآمرة على نفسها !
والأمة التي تفتح فضائياتها للفساد الأخلاقي, والفكري, والثقافي, هذه الفضائيات التي تدار من قِبل المؤسسات الرسمية في الدول العربية ودول العالم الإسلامي, وتغدق عليها الأموال الطائلة, في وقت يعيش فيه الملايين من أبنائنا لا يجدون الفتات ولا الرعاية الصحية, ولا العيش الهني الكريم .
وبهذا تكونُ الأمة قد تآمرت على قِيَمِـها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها . أمة تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة ... متآمرة على نفسها !
والأمة التي تقبل أن تنهب ثرواتها وتباع إلى أعدائها بثمن بخس, وتـُحرَم هي من الإنتفاع الحقيقي بهذه الثروات بمردوداتها, فيباع البترول بأسعار تقل كثيراً عن أسعار الكوكا كولا؛ مع أن عائداته تقدر بالمليارات من الدولارات؛ ولكن الشعوب لا ترى منها إلاَّ القليل القليل, وفي المقابل نرى أنهم يبيعوننا قطع الأسلحة القديمة, أو التي عفا عليها الزمن بملايين الدولارات؛ ومع هذا التبذير والإسراف في أموال المسلمين, فإننا نسأل وحُقَّ لنا أن نسأل ؟! أين عائدات البترول؟! والفوسفات, والمنغنيز, والنحاس, والغاز؟! والذهبِ, وغيرها, هل استفادت منها الأمة ؟! أم أننا اكتفينا بتشييد المباني الشاهقة, والشوارع الواسعة , والشواطىء المكيفة, وجبال الجليد الخاصة برياضة التزحلق, إن هذا كله لا يجعل منها أمة ناهضة, ولا يجعلها أمة يحسب لها حساب, في أي قضية من القضايا, فنحن لا زلنا نأكل مما لا نزرع, ونلبس مما لا نصنع, ولا يوجد لدينا اكتفاء ذاتي في أي سلعة من السلع الضرورية الأساسية الهامة للحياة ... سوى الهواء, وحتى الكماليات لا نصنعها وإن قامت بعض الدول بصناعتها فإنما يكون بإذن الشركة الأم عن طريق ـ العولمة !
فأمة هذا حالها ورضيت بهذا كله وزيادة ! أليست أمة متآمرة ! أمة تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة ... متآمرة على نفسها !
وأمة لا تفكر في البحث العلمي, ولا بالإنتاج العلمي, ولا بالتقدم التكنولوجي, ولا ترصد له من ميزانياتها إلاَّ كما يُرصد لدوائر الشؤون الإجتماعية, أو أقل من ذلك, أمة قبلت لنفسها إن تكون صفراً في المجال العلمي والتكنولوجي, حتى أصبحت عالة على الأمم, لا بل أصبحت رهينة للأمم الأخرى في جميع المجالات, فجامعاتنا لا تعدو عن كونها مدارس كبيرة, لا تقارن ولا بحال من الأحوال بالجامعات الغربية, لا من حيث الإنتاج ولا من حيث الغاية والهدف, فجامعاتنا تسير في حلقة مفرغة: تدريس بهدف التخريج, وبحوث مبعثرة بهدف الترقية, حتى أصبحت هذه الجامعات, ومراكز الأبحاث عالة على المجتمع تنتظر منه الصدقة, بدلاً من أن تنهض بالمجتمع وترتقي به, وكأن حالها مقصود, وأمَرُها دُبر بليل, لتبقى الشعوب العربية الإسلامية متخلفة ونائمة أو عالماً ثالثاً كما يقولون ويزعمون, أو دولاً نامية إلى أن يشاء الله, على الرغم من التوسع الهائل الذي حدث في التعليم الجامعي العربي والإسلامي, وعلى الرغم من الزيادة الكبيرة في عدد الجامعات والمعاهد وخريجيها, إلاَّ أن حال المؤسسات الأكاديمية لا يزال عاجزاً من حيث الأداء والنتيجة .
وكما يقول الأستاذ: جابر العلواني: أصبحت هذه المؤسسات بوصفها الحالي تشكل عقبة من خلال أهدافها ومناهج البحث العلمي فيها, وآليات الدراسة التي تحكم مسيرتها والموضوعات المختارة لعملها, إضافة إلى الإختراع والإبتكار وخدمة قضايا المجتمع, فإذا كان هذا الحال في منابر العلم والنور, ورضيت الأمة بهذا الحال وسكتت عنه, أمة تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة... متآمرة على نفسها !
والأمة التي يُسبُّ دينها وينالُ من نبيها مرات ومرات, ويستهزأ بأحكام دينها في تصريحات المسؤولين وفي الكتب والمجلات والصحف وأقلام الكـُتاب الحاقدين, وأصحاب الإعلام, والأفلام والمسرحيات المبرمجة لتشويه الحقائق, إضافة إلى المغالطات من قِبل ِالمستشرقين المُدلسين, ورجال الدين الحاقدين من بلاد الغرب والشرق, وقد أعانهم على بغيهم حكام ٌمأجورون, وعلماءٌ مُضلـِّلونَ مُعممون .
أمة يحرق أقصاها ويدنس فلا تثور من أقصاها إلى أقصاها, ثم لا تنهض بمجموعها للدفاع عن أقدس ما لديها, بل تظل في سبات عميق, وعندما تصحوا لحظة تشجب ! وتستنكر! وتعود لتنام هانئة وكأن الأمر لا يعنيها, في حين أن الدول الحيَّة تـُجيش الجيوش وتحارب حتى من يفكر أن يغزوها, فتغزوهم في عقر دارهم وتبرر زحفها بأنه انتقامٌ وثأرٌ لمواطن من مواطنيها, أو مصلحة من مصالحها حتى لو لم تكن حيوية.
أمة يدنس شرفها وتسكت ولا تغضب ! أمة تقبل بهذا كله لا أظنها إلاَّ أمة ... متآمرة على نفسها !
يتبع الجزء الثالث والأخير
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتبه : الداعي الى الله