يتدفق الكحول في شوارع المدن والبلدات الغربية، وتكتظ عنابر المستشفيات والمشارح بالأشخاص الذين فقدوا وعيهم جراء الإرباك والوقوع في الأرصفة والمزاريب، وبأولئك الذين يعانون العنف الناجم عن الكحول والضمور المزمن. مشكلة الكحول ضخمة. فوفق ورقة البحث التي نشرت في مجلة الجمعية الطبية الأميركية في عام 2004، فإن استهلاك الكحول والاستخدام غير المشروع للعقاقير يقف وراء النسبة المذهلة ل 102 ألف حالة وفاة في الولايات المتحدة خلال عام 2000. وهذا العدد هو أعلى من عدد القتلى بسبب العوامل الميكروبية البالغ عددهم (75،000) شخص، وهو أعلى من عدد القتلى بسبب المواد السامة المقدر عددهم بحوالي (55،000) شخص، وأعلى بكثير من عدد القتلى بسبب حوادث السيارات المقدرين بحوالي (43،000) شخص.
وقد اتخذت الولايات المتحدة تدابير عديدة لحماية مواطنيها من العوامل الميكروبية الضارة والسموم وسنت تشريعات للحماية ضد حوادث السيارات، ولكن ما هي الخطوات التي تم إنجازها لحماية مواطنيها من التأثيرات المهلكة لتناول الكحول واستخدام المخدرات غير المشروعة، والذي يودي بحياة الأفراد أكثر من أي من هذه الأسباب الأخرى؟
يحظر القانون المخدرات ويعتبرها غير مشروعة، في حين أن الكحول، هو المسئول عن 85 ألف حالة وفاة من بين 102 ألف حالة، فهو متاح بحرية في الولايات المتحدة، كما هو الحال في جميع الدول الغربية. هذه الفجوة التشريعية تتناقض مع الادعاء بأن الحضارة الغربية بنيت على أساس 'العقل' كقيمة لعصر النهضة الأوروبية، وغالباً ما يدعو المفكرون والسياسيون الغربيون المسلمين لاقتفاء أثرهم إذا أرادوا النهوض. في حين أن الإسلام ضمن حماية عقول وأجسام أتباعه من تأثيرات الكحول المدمرة لأربعة عشر قرنا، من دون الحاجة إلى تبني الثقافة الغربية.
يقتصر الفهم الغربي للعقل عموما على أحد فروعه، وهو المنهج العلمي، الذي تم تطبيقه بإسهاب في موضوع تعاطي الكحول، ولكن دون جدوى. فهناك عشرات الآلاف من المواد العلمية المتاحة في قواعد بيانات الجامعات حول الآثار الضارة الناجمة عن تعاطي الكحول. واحدة من هذه البيانات نشرتها المجلة الطبية البريطانية، "لانسيت"، في عام 2010، والتي بينت نوعين من الضرر: إيذاء النفس وإيذاء الآخرين. والذي كان لافتا هو أن الكحول جاءت في المرتبة الأولى الأكثر ضررا من بين 20 عقارا؛ فعلى سبيل المثال كان أكثر ضررا بحوالي 40٪ من الهيروين أو الكوكايين، ويحظر هذان العقاران اللاحقان، بينما يسمح بالكحول في الغرب. وبالإضافة إلى كونه العقار الأكثر ضررا بشكل عام، فقد تبين أيضا أن الكحول تتميز بكونها العقار الوحيد الذي هو أكثر ضررا للأشخاص الآخرين (الضحايا) من متعاطي المخدرات أنفسهم. وهذا يجعل توافر الكحول بحرية أكثر غرابة، حيث إنه على الرغم من أن الحريات الشخصية في الحضارة الغربية أصبحت واجبا عقائديا أساسيا، إلا أن ذلك مشروط بشرط واحد: وهو أنه في حين أن الناس في الغرب أحرار في تدمير أنفسهم ضد كل منطق، فإنه عادة يعتبر من المرغوب فيه تقييد الحرية الفردية حين يتعرض الآخرون للأذى ضد رغباتهم. فلماذا إذن هذا التسامح الاستثنائي مع تعاطي الكحول، مع كل علله؟
ليس هناك أي شك حول مدى الضرر الذي يسببه متعاطو الكحول لغيرهم من الأبرياء. تقوم مراكز السيطرة على الأمراض (CDC) في أتلانتا بجدولة بيانات استخدام الكحول، كما يفعلون لغيرها من الأمراض البشرية الضارة، وجزء كبير من هذه البيانات تتعلق بالصلة بين الكحول والعنف ضد الأشخاص الآخرين:
حوالي 35٪ من ضحايا جرائم العنف أفادوا بأن الجناة كانوا تحت تأثير الكحول في وقت ارتكابهم لجريمتهم. ويتسبب تعاطي الكحول أيضا بـ 2 من أصل 3 من حوادث العنف المنزلي (أي 3 ملايين من الجرائم العنيفة التي ترتكب بحق أحد الزوجين/ أو الشريك والأطفال، وفقا لوزارة العدل الأمريكية)، ويعتبر الكحول العامل الرئيسي في حالات الإهمال وإساءة معاملة الأطفال. كما ينشر مركز السيطرة على الأمراض (CDC) البيانات التي يتم جمعها من المهن الطبية، وتفيد التقارير أنه في عام 2006، كان هناك أكثر من 1.2 مليون زائر لغرف طوارئ في المستشفيات و2.7 مليون زيارة لعيادات الأطباء بسبب الإفراط في شرب الكحول. كما أن التكلفة البشرية والاجتماعية من استهلاك الكحول عالية جدا، وكذلك التكلفة الاقتصادية، والتي قدرت ب 223.5 مليار دولار لعام 2006.
إن تحفظ الغرب بشأن حل مشكلة الكحول اليوم يمكن إرجاعه إلى فشل قانون الحظر الوطني للولايات المتحدة لعام 1919، المعروف أيضا باسم قانون "فولستد"، الذي يجرم الكحول. وألغي الحظر في ديسمبر 1933 بسبب المعارضة الشعبية الضخمة للقانون، وهو ما يعتبر مثالا واضحا لإلغاء الديمقراطية للعقل والمصلحة العامة لصالح إرادة الأغلبية. وقد أصبحت هذه الحقبة في التاريخ رمزا لسيادة الديمقراطية العلمانية ضد معارضة الدين لحق الشعب في التمتع فيما يختارونه. وهذا الحق هو حق الأغلبية فقط، وفرنسا هي خير مثال هنا. فبينما لا يوجد من يعتبر بجدية أن حجاب المرأة المسلمة يسبب الموت، فإنه يحظر عليها ارتداؤه في العديد من الأماكن في فرنسا، في حين أن الكحول مرحب به دائما، على الرغم من أن المجلة الأوروبية للصحة العامة ذكرت أنه في فرنسا، كان تعاطي الكحول مسئولا عن مقتل حوالي 49 ألف شخص في 2009 وهو "مسؤول عن 22 في المئة من حالات الوفاة في الفئة العمرية ما بين 15 و 34 سنة".
وقد ورط الإدمان على الكحول 140 مليون نسمة في جميع أنحاء العالم، وذلك وفقا لمنظمة الصحة العالمية، وهذا نابع من طبيعة الإدمان للكحول، والتي لها آثار عميقة على النظام العصبي المركزي حتى في الجرعات المنخفضة. وقبل أن تصبح الكحول في الدم بمستويات عالية بما يكفي لتسبب ضررا مباشرا للشارب، فإن هناك آثاراً أخرى أكثر دهاء تؤدي إلى خلع العقل من مكانه الطبيعي، حيث زيادة الثقة بالنفس واعتزال المجتمع تصبح واضحة إلى جانب الخلل في التفكير، وفي التحكم في الرغبات البدائية.
إن الحضارة الغربية تعلن عن نفسها أنها عقلانية، ولكن المجتمعات الديمقراطية هي فقط عقلانية كما تريد غالبية الناس لها أن تكون. وما دام الأمر كذلك، فإنه يتعين على الاغتصاب والقتل وضرب الزوجة وإساءة معاملة الأطفال، والانتحار والخراب المالي والاجتماعي أن تستمر الآن في الغرب. وهذا كله، تحت شعار طائش للحفاظ على الحرية الفردية، دون النظر إلى الحفاظ على الأفراد أنفسهم.
الدكتور عبد الله روبن