November 09, 2014

عامان ونصف على خطف نفيد بوت شاهد على فشل النظام القضائي

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون أمراء تغشاهم غواش أو حواش من الناس، يظلمون ويكذبون، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ومن لم يدخل عليهم ويصدقهم بكذبهم ويعينهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه». رواه أحمد


لقد أخذ المهندس نفيد بوت، الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية باكستان بحديث رسول الله وعض عليه بالنواجذ وشهد له العدو قبل الصديق بأنه قوي في الحق لا يخشى في الله لومة لائم، يكشف فساد النظام الحاكم ويبين للناس بالشواهد تآمره وخيانته للأمة، (صدق الله فصدّقه الناس) نحسبه على خير والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدا، شهد الجميع للمهندس نفيد بوت بالسيرة العطرة وتفاجأوا بنبأ اختطافه في 2012/5/11م أمام أولاده على يد بلطجية الجنرال أشفق كياني رئيس أركان القوات المسلحة الباكستانية، وبالرغم من نزاهته وعدم ثبوت أي جرم عليه فإن النظام القضائي في باكستان فشل للآن في إلزام زبانية كياني على إطلاق سراح نفيد أو محاكمته محاكمة عادلة.


خطفت الأجهزة الأمنية مهندسا يحظى باحترام الجميع، بينما تعج سجلات محكمة مكافحة الفساد في باكستان بقضايا السياسيين الفاسدين والذين ثبتت عليهم التهم ولكنهم طلقاء يهنئون برغد العيش يعيشون في قصور ويتنقلون بطائرات خاصة! قضايا كبرى تهز الرأي العام وتنتهي للاشيء! ومن ذلك إصدار محكمة مكافحة الفساد فى باكستان أوامرها بأن يواجه الرئيس السابق آصف علي زرداري خمس قضايا فساد وقد وصفته بالفاسد، وتوقيف راجه برويز مشرف المشتبه به في قضية فساد تتعلق بعقود غير مشروعة في مجال الطاقة، وغيرها من قضايا الفساد التي تم توجيهها لسياسيين آخرين. عم الظلم حتى بات تراشق تهم الفساد في الوسط السياسي الباكستاني أمراً مألوفاً. وقد تناول الإعلام المحلي والعالمي قضايا فساد متنوعة تشير لمدى تغلغل الفساد الإداري والسياسي في البلاد فأصبحت صورة السياسي بعيدة عن النزاهة والأمانة. والجدير بالذكر أن زرداري وغيره أفلتوا من العقاب بموجب تفعيل قانون عفو تم تقديمه عام 2007 وأدى إلى العفو عنه هو ومئات السياسيين الآخرين المتورطين في قضايا فساد مالي وإداري من بينهم زوجته بنازير بوتو التي اغتيلت في ديسمبر 2007.


ما فتئ حكام باكستان يرددون "قضاؤنا شامخ ونزيه وغير قابل للنقد"، وبالرغم من ذلك فقد تكررت حالات العنف والاغتيالات (حتى للقضاة ورجال القانون).

وانتشرت حالات الخطف، فقد رصدت مؤسسة الدفاع عن حقوق الإنسان والخدمة العامة في باكستان أكثر من 2027 حالة خطف غير قانونية، وشددت على رفض هذه الممارسة القاسية في اليوم العالمي للمختطفين. إن جرائم الخطف إن دلت على شيء فإنما تدل على كفر النظام الباكستاني بالمؤسسة القضائية وعجز هذا النظام عن فرض هيبته أمام الحاكم والمحكوم. لماذا يلجأ النظام لحملات الخطف والترويع إن كان بإمكانه إلزام الناس عبر القضاء ومحاسبة المخطئين حسب دستور وقانون متفق عليه؟! عندما يتعرض شخص لجريمة خطف فإن الجاني هو الخاطف ولو كان لدى الخاطف بيّنة لأظهرها للعيان ولما لجأ للخطف، لكن هذه الأنظمة تضع نفسها فوق القانون وتتعامل بمنطق الخصم والحكم.


الجدير بالذكر أن الفترة التي شهدت ملاحقة وخطف نفيد بوت تزامنت مع عصر فساد سياسي لا سقف له (2008-2013) ، وقد أدين النظام الحاكم في تلك الفترة من قبل المراقبين بأنه الأكثر فساداً في تاريخ البلاد. نفيد بوت خطف في فترة الرئيس زرداري الذي اقترن اسمه بالفساد وهو متهم في سلسلة من القضايا التي أضرت بالبلاد والعباد وفي فترة رئاسته شهدت البلاد فوضى وتخبطاً. وقد خسرت باكستان ما يزيد عن 94 مليار دولار في تحايل على الضرائب وسوء إدارة خلال السنوات الأربع الأخيرة من حكم رضا جيلاني رئيس وزراء زرداري (حسب التقرير الأخير لمنظمة الشفافية العالمية) ، بالإضافة لذلك فإن عهد زرداري/جيلاني شهد ارتفاعا ملحوظا في الهجمات الأمريكية على الأراضي الباكستانية وزيادة في عدد ضحايا الطائرات بدون طيار، وفاق عدد القتلى 400 قتيل. كل هذا وأخونا نفيد بوت أسيرٌ في غياهب المعتقل لا تصل أخباره وهم طلقاء يلعبون لعبة الكراسي ويتبادلون الأدوار.


باكستان ليست حالة خاصة؛ فالفساد في بلاد المسلمين تجاوز الحالات الاستثنائية وأصبح مؤسسة متكاملة وارتفعت أصوات أجراس الخطر تحذر من مغبة السكوت على هذا الفساد. تجاوز الأمر حد أفراد فاسدين لمؤسسات متواطئة تسهل السبل لإفلات المدانين وتحميهم وتبدد أي أثر لجرائمهم حتى شعرت الأغلبية بالإحباط. ومن الأمثلة على سوء الأوضاع رفض رئيس إدارة مكافحة الفساد القبض على رئيس الوزراء راجا برويز أشرف وتنفيذ أمر المحكمة العليا في باكستان . لقد وقف النظام في صف من اتُّهم بالتخطيط لتلقي رشاوى من شركات طاقة خاصة خلال فترة وجوده في منصب كوزير المياه والكهرباء، بينما تباطأ في إطلاق سراح شخص بريء لم يقترف أي ذنب سوى أنه قال لا للفساد والإفساد ونعم لشرع رب العباد. نعم يتمادى الفاسدون في غيهم وهم على ثقة بأن القانون لن يطالهم، وحتى إن تمت إدانتهم فما عليهم سوى الخروج من الباب والذهاب لمنفى اختياري والعودة عبر نافذة الانتخابات لأنهم يعملون في ظل نظام ديمقراطي من صنع البشر مليء بالثغرات التي حفظوها عن ظهر قلب. تحول هذا القضاء الشامخ إلى إله من عجوة يمجدونه تارة ويدوسون عليه تارة أخرى ويطبقونه بالقدر الذي يوافق أهواءهم.


دولة القانون أصبحت حلم كل مظلوم في البلاد وعبارات العدالة في الحكم والقضاء المنصف المستقل تحولت لعبارات تدغدع مشاعر الحالمين بعيدة عن الواقع وآليات تنفيذها مبهمة. نعم الجميع يريد العدل ولكن ما هي الطريقة المثلى لحماية حق المظلوم وإجبار الحاكم على الالتزام! لقد وصلت الحال إلى محاكمات صورية هزلية يملي فيها الحاكم على القاضي عبر اتصال هاتفي وقضاء تابع ومسيس يسخر منه الكبار والصغار.. لقد أصبحت الاعتقالات العشوائية هي الأصل وتحولت البيّنة والأدلة في المحاكمات إلى رفاهية. ومما زاد الطين بلة الحرب الهوجاء ضد ما يسمى بالإرهاب والتي أدت لمناداة الظالمين بتعطيل القوانين والادعاء بأن الظروف الحالية تستدعي قوانين "استثنائية"، والظروف الاستثنائية لها مقتضياتها. والنتيجة قضاء بعيد عن العدل والإنصاف يفرغ شعار "العدل أساس الملك" من المحتوى. لقد تحول القضاء من أداة لتحقيق العدل وفض النزاعات بين البشر إلى أداة لتثبيت حكم الطغاة، أداة مسخَّرة لخدمة الحاكم بأمر هواه ولا تخدم إلا مصلحة من يفوز بالكرسي. وهذا فيه إفساد للناس ويؤدي للمزيد من المخالفات والجرائم بحيث لا يرعوي شخص (قل شأنه أم كبر) من مراوغة هذا النظام الذي ظهر فساده. أصبح العدل حكراً على الأقوياء والأغنياء وبعيدا عن متناول الفقراء والضعفاء حتى إن أهل الباكستان يرددون مقولة "هناك قضاء ولكن عليك أن تشتريه"!


لقد أدت أهمية النظام القضائي وسلامته من الفساد بابن خلدون لأن يقول مقولته المشهورة "فساد القضاء يفضي إلى نهاية الدول". وفساد القضاء أمر جلل لكن تقييم وضع القضاء يجب أن لا ينفصل عن نقد أشمل لما تقوم عليه الدولة من دستور وقوانين منبثقة من هذا الدستور ومدى تواؤم هذا الدستور مع عقيدة الأمة.

هذا الفساد المستشري والمتغلغل في المنظومة القضائية يستدعي مراجعة كاملة للأساس الذي يقوم عليه ومدى صحة هذا الأساس. إن الحكم العادل هو الحكم بالإسلام والقضاء العادل لا يمكن أن يستند لغير شرع الله. كتب عمر إلى معاوية رضي الله عنهما: "أما بعد فإنني كتبت في القضاء كتاباً لم آلك ونفسي فيه خيراً،.." ثم إن عمر قال: "إلزم خمس خصال يسلم لك دينك، وتأخذ فيه بأفضل حظك، إذا تقدم إليك الخصمان، فعليك بالبينة العادلة، واليمين القاطعة فهو الطريق للقاضي الذي لا يعلم الغيب. فمن تمسك به سلم له دينه، ونال أفضل الحظ والثواب في الآخرة" (المبسوط)


إن القضاء في الإسلام هو الإخبار بالحكم على وجه الإلزام وعمل القاضي هو الحكم بالعدل، وهذا العدل لا يكون سوى شرع ربنا وما سواه يؤدي يقيناً إلى الجور والظلم والظلمات في الدنيا وفي دار الميعاد. والإسلام لم يقبل بأن يكون أي إنسان فوق القانون وبعيدا عن المساءلة، فقسم القضاة لثلاثة: القاضي الذي يفصل بين الناس في الخصومات الخاصة بالمعاملات والعقوبات، والثاني المحتسب الذي يفصل في الخصومات التي تضر بحق الجماعة، والثالث قاضي المظالم الذي يبت في النزاعات بين الناس والدولة، وعلى المتضرر اللجوء لقاضي المظالم الذي ينظر للخصمين ويفتي بشرع الله ويجبر المخطئ على رد الخصومة أياً كان.

والمظالم وردت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في التسعير حين قال:« وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال».


هذا هو الإسلام العظيم الذي افتروا عليه وادعوا أنه يعطي الحاكم سلطاناً مطلقاً ففعلوا ما حذرهم الله منه حين قال: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. تركوا عدل الرحمن لعدالة صورية يحتال القائمون عليها على الناس ويسيرون البلاد بالاغتيالات والخطف والترويع ونشر الفوضى. ألم يأن الأوان للمخلصين من رجال القضاء أن يرفضوا هذه الهيمنة الأمنية التي أذهبت هيبتهم وحولت القضاء لمؤسسة تابعة فقدت بوصلتها وتاهت عن طريق العدل؟!


يا أهلنا الكرام في باكستان: إن الصمت على الفساد المستشري والظلم الذي جاوز عتمة الليل ليس سوى دعوة للاستقرار في القاع وإدمان على تعذيب الذات وتكثير الجراح.. إن الخوف من ظلم الظالمين أدى بهم للتمادي في غيهم ونشر هذا الظلم بين الناس. كيف نخاف العبد الذليل ورب العزة يقول: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾؟! إن قضية خطف نفيد بوت أكبر من مجرد مظلمة شخصية.. إنها مؤشر على فساد مستشرٍ يستوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن نمسك على يد الظالمين. إنها قضية تستوجب تحركاً واعياً من الأمة لتسترد سلطانها المغتصب. هذه القضية دليل آخر على ضرورة العمل لتغيير شامل لمنظومة متهالكة بدلاً من السعي نحو التمكين عبر التدرج. إن ثوب الرأسمالية التي فُرض علينا أصبح مهترئاً ولا ينفع معه الترقيع أو التحسين الشكلي بل لا بد من تطبيق شرع لله.


لا زال القائمون على حملة #أطلقوا_سراح_نفيد_بوت يرددون إن نفيد بوت لم يقترف أيّة جريمة، وغير مطلوب في أيّة قضية جنائية، وإنما هو مهندس محترم يعمل لتحرير باكستان وشعبها من أغلال الهيمنة الاستعمارية وظلم المفسدين، مسلمٌ يعمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة ويطبق منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في التغيير، يعمل للإسلام وبالإسلام لذلك يجب الإفراج عنه فورا.. لم يطالب نفيد بوت بأمر سوى تحكيم شرع الله وهذا مطلب كل مسلم في باكستان البلد الذي أسس من أجل الإسلام.. فهل من مجيب؟!


﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّـهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد


i http://www.thenews.com.pk/Todays-News-13-12258-Rs
ii http://ara.reuters.com/article/worldNews/idARACAE9B25PB20130117

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر