عبر وعظات مستوحاة من حرب يهود على غزة!!  الخير يكمن في الشر
November 26, 2023

عبر وعظات مستوحاة من حرب يهود على غزة!! الخير يكمن في الشر

عبر وعظات مستوحاة من حرب يهود على غزة!!

الخير يكمن في الشر

إن المؤمن ينبغي أن يؤسس عقيدته على أسس راسخة، وثابتة لا تتزعزع؛ لأن التغيير الحقيقي الذي تقتضيه حكمة الله تعالى، وتُثبِّتُه سُنَنُهُ في خلقه يبدأ من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ وعليه، ينبغي أن ننظر نحن المسلمين للأمور من زاوية العقيدة الإسلامية الصافية، ومما ركَّزه ربُّنا سبحانه في نفوس عباده المؤمنين حيث قال عز وجل: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، وكذلك: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾.

‏وَيَكْتُـبُ اللهُ خَيْــراً أَنْـتَ تَجْهَلُـهُ ... وَظَاهِرُ الأَمْرِ حِرْمَانٌ مِنَ النِّعَمِ

وَلَو عَلِمْتَ مُرَادَ اللهِ مِنْ عِوَضٍ ... لَقُلْـتَ حَمْـداً إِلٰهِـي وَاسِـعَ الكَرَمِ

فَسَلِّمِ الأَمْرَ لِلرَّحْمَـنِ وَارْضَ بهِ ... هُـوَ البَصِيرُ بِحَـالِ العَبْدِ مِنْ أَلَمِ

وَمرَدُّ ذلك أن الله سبحانه يدبر الأمر، وتدبيره بما تقتضيه حكمته؛ ولأن الإنسان لا يحيط بعلم ربه إلا بما شاء سبحانه؛ فإنه لا يدرك الخير في كثير من الأحداث، وهو - بناء عليه - لا يدرك حكمة الله من تشريعاته، ولا يدرك حكمة الله من الأحداث الجارية؛ لذلك تراه تائها حائرا، فأراد ربنا من خلال الآيات الكريمة أن يُذهب عنا هذا التيه، وتلك الحيرة:

- فقال في وصف تشريعه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، فكان المطلوب منا أن نخضع لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.

- وقال في وصف الأحداث: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فكان المطلوب منا أيضا أن نخضع لقوله تعالى: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.

والآن، نتناول أحداث غزة لنلتمس بعض الخير مما نراه شرا، فنقول وبالله التوفيق: قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

سنتحدث باختصار وعلى شكل نقاط عن بعض المحاور الواجب علينا عرضها للأمة فيما يتعلق بالخير الذي أتت به هذه الحرب الدائرة على أهلنا في غزة العزة، وخصوصاً لنا نحن حملة الدعوة، على الرغم من الألم الذي يعتصر قلوبنا لما يجري هناك، إلا أنه فتح لنا بصيص أمل في هذا الاقتتال الدائر بين يهود وأهلنا، وذلك بحسب الأدلة، وشواهد الواقع التي نستقيها من هذه المعركة.

أولا: أعادت هذه الأحداث التذكير بمنزلة الشهيد عند الله تعالى، ومنزلة الرباط في سبيل الله؛ أما عن منزلة الشهيد فإن الشهادة هي أعظم خير يناله المسلم في الحياة الدنيا، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «ما أحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا وله ما علَى الأرْضِ مِن شيءٍ إلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، فيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ» أي لما يراه من أجر عظيم في تلك الشهادة.

نعم أعادت لنا هذه الأحداث قيمة الجهاد، والاستشهاد في سبيل الله حتى رأينا أهلنا في غزة كيف يكبّرون، ويهلّلون كلما سقط منهم شهيد، ونسمع قولهم: ربنا لك الحمد حمداً كثيراً على اصطفائك لنا؛ لنكون من الشهداء، خذ من دمائنا يا ربنا حتى ترضى!!

وأما عن فضل الرباط فعنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازلِ». إن فلسطين أرض رباط إلى قيام الساعة، وكل من ثبت عليها فهو مرابط في سبيل الله تعالى، وقد رأينا كيف يرفض أهل غزة التهجير من أرضهم، ولو أدى ذلك لقتلهم جميعاً؛ لأنهم يعتبرونها أرض رباط.

ثانيا: أعادت هذه الأحداث فكرة الجهاد التي حاول الغرب طمسها في أذهان الأمة؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.

هذا المفهوم الذي أرعب الغرب على مدار ألف وثلاثمائة عام عندما كانت لنا دولة تصول وتجول لنشر الإسلام، وما زالت أجراس خطورته تقرع في آذان الغرب ليومنا هذا، حتى بذلوا كل جهودهم لطمس هذا المفهوم في مناهجنا عن طريق عملائهم في المنطقة من حكام، وَكُتّاب، ومثقفين، وكذلك تشويه صورة الجهاد عن طريق حركات تحررية عميلة قامت بأعمال لا تمت للجهاد بصلة، وكذلك محاولتهم طمس هذا المفهوم على المنابر، وفي الخطب، والبيانات، واستبدال هذا المفهوم بحركة تَحَرُّرِية، أو عمل تَحَرُّرِي، أو فكرة قتال الدفع، أو النضال، أو المقاومة، ومثل هذه الألفاظ، كل ذلك حتى لا تُذكر كلمة جهاد، ولو استطاعوا أن يحذفوها من القرآن لفعلوا!!

ثالثا: لفتت هذه الأحداث أنظار الجيل المسلم الجديد لطبيعة الصراع الدائر بيننا وبين المحتل المغتصب لأرض المسلمين. وأقصد بالجيل هنا ليس الجيل الذي نشأ في داخل الأرض المحتلة فلسطين؛ لأن هذا الواقع ملموس لديهم يعيشونه كل يوم مع الحواجز، والإغلاقات، والمنع والتنكيل، والملاحقة. وهو الذي كانت تراهن عليه يهود؛ أن الكبار يموتون، والصغار يتناسون، حتى وجدوا أن مقولتهم لم تتحقق، وأن الجيل الجديد هو من يقاوم المحتل... ولكن أقصد بالجيل الجديد هنا من يعيشون خارج فلسطين سواء من أصول فلسطينية أو غير فلسطينية. هذا الجيل الذي ما كان يعرف أصله وفصله ولا طبيعة عدوه، وليس لديه علم عمَّن احتل أرضه، ومن سلب أقصىاه، أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، لا يعرف سوى أنه أردني؛ لأنه يعيش في الأردن، أو سوري؛ لأنه يعيش في سوريا، أو لبناني؛ لأنه يعيش في لبنان، فأحيت هذه الحرب في هذا الجيل حبه لفلسطين وللأقصى، وكرهه ليهود، وأنه لا سلام معهم، ولا صلح بيننا وبينهم، وكل مطبع معهم شريك لهم في الإجرام، وخائن لله، ولرسوله، وللمؤمنين.

فهذا الجيل من ذوي الأصول الفلسطينية، ومن غيرهم عرفوا طبيعة الصراع، وحقيقة المحتل، وما هو أساس القضية؛ أنها قضية عقائدية، وعرفوا غدر يهود، ومكرهم، وعدم رحمتهم للشجر، ولا للحجر، ولا للطفل، ولا للشيخ، ولا للمرأة، أو المريض، حتى أدرك هذا الجيل أن هناك أرضاً للمسلمين يحتلها يهود، ويجب علينا تحريرُها.

رابعا: إظهار هشاشة كيان يهود الذي روّجَت له الأنظمة العميلة على أنه الجيش الذي لا يقهر!! هذه المقولة التي صَدَّعَ بها رؤوسنا حكامٌ عملاء باعوا أنفسهم للكافر، سواء أمريكا، أو بريطانيا، أو غيرهما من الدول المستعمرة؛ ليجدوا مبرراً لتخاذلهم أمام شعوبهم، فقد كُشفت هذه المؤامرة، وتبيّن ضعف كيان يهود، وضعف عقيدتهم القتالية، إن كانت لديهم عقيدة قتالية!! وظهرت هشاشة جنوده، وهشاشة معداته القتالية التي يختبئ خلفها مقاتل جبان لا يمتلك القدرة القتالية وجها لوجه، ولم يعد هناك عذرٌ لجندي أو لضابط في الجيوش. إن هذا الجيش الذي قالوا عنه: إنه لا يقهر وإنه يمتلك أسطولاً حربياً كبيراً ومتقدماً، أصبح الآن يقهر، كما لاحظنا، ورأينا كيف فشل، وسقط تحت ضربات المجاهدين!!

خامسا: لقد رفعت هذه الأحداث معنوية الأمة القتالية، هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس، وهي بإذن الله قادرة على دحر هذا الكيان، ودحر هذا العدوان، وذلك بالمطالبة بفتح الحدود لمواجهة يهود بصدورهم العارية، وحبهم للجهاد، والاستشهاد في سبيل الله تعالى، وهذا التعطش لكنس يهود من المنطقة، وتحرير كل فلسطين، وصيحات التكبير تعلو كل الأصوات، والاعتصامات، والمسيرات تملأ الساحات، إن كل ذلك ليدل دلالة واضحة على الحقد الذي يملأ صدور المؤمنين على إخوان القردة والخنازير، قتلة الأنبياء والمرسلين!!

فنجد الأمة اليوم قد نفضت عن كاهلها غبار الجبن والكسل، وباتت تتوق إلى اليوم الذي كانت فيه قامة بين الأمم وعملاقاً فكرياً يحسب له ألف حساب وحساب، كيف لا، وهي تملك أعظم فكرة، وأنقى وأصفى عقيدة، مصدرها الخالق سبحانه وتعالى، وليس ذلك إلا للأمة الإسلامية. فبالرغم مما مورس عليها من أنواع الكذب، والتضليل، والدجل، والخداع، وبالرغم مما أنفقه الكافر المستعمر من أموال، وجهود؛ لكي يفصل المسلمين عن بعضهم، وجعل الأمة حارات، وكنتونات سماها دُولاً، إلا أن أحداث غزة أبانت المعدن الحقيقي للأمة الإسلامية، فمشاعر الأمة الآن واحدة، والتي مبعثها العقيدة الإسلامية، فالله سبحانه ألَّفَ بينها، فلم تفلح براميل سايكس وبيكو، ولا الأرقام الوطنية، ولا العبارات التي دفع الكافر ثمناً عظيماً لأجل أخذها، والدفاع عنها؛ فلا (الأردن أولاً) ولا (تونس أولاً) ولا (مصر أولاً)، بل إن الأمة اليوم تقول بملء فيها: إن العقيدةَ أولاً، والجهادَ أولاً، بل إننا نستطيع القول: إن الأمة اليوم لا ينقصها إلا خليفة يمثل النظام الذي لم تعرف الأمة غيره في تاريخها، وهو نظام الخلافة الذي أجهز عليه الكافر المستعمر قبل مائة سنة وتزيد، وظن أنه بتقسيم الأمة حارات قد مزق أفكار الأمة، ومشاعرها، وقضى على كل مظاهر الوحدة والنهضة فيها!!

ولما كانت حرب غزة تفاجأ الكافر، وأذنابه، ومطاياه بأن الأمة لم تمت، وأنها ما زالت أمة حية، ولا ينقصها إلا من يأخذ بيدها حتى تعاود الحكم بالإسلام، وتقيم الخلافة، وتسير خلف أمير المؤمنين؛ فتقتلع ليس فقط يهود من فلسطين، بل تطهر كل بلاد المسلمين من الكفر، ورجسه فتعود الأرض سيرتها الأولى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.

سادسا: رفع مستوى الحقد، والنقمة من الشعوب الإسلامية على أنظمتهم العميلة التي تحمي كيان يهود، فلقد كشف القناع عن الوجه الحقيقي لهذه الأنظمة بأنها أنظمة عميلة قرارها مرهون بما تطلبه دول الكفر منها، وكذلك هم من يحمون كيان يهود، وهم من يزودونه بالسلاح والعتاد لقتل المسلمين في فلسطين، ورحم الله تعالى الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير حيث قال قبل ستين عاماً: "إن (إسرائيل) ظل الأنظمة، وإذا زال الشيء زال ظله"!

فإن هذه الفجوة بين الشعوب وحكامها، كان بيانها وإظهارها للناس هدفاً من أهداف حزب التحرير، عمل الحزب، واشتغل عليها كثيراً من أجل زعزعة ثقة الأمة بهذه الأنظمة العميلة؛ لأخذ قيادة الأمة، فهذا الحدث العظيم، وغيره من الأحداث التي مُعِسَتْ بها الأمة كانت عوناً للحزب في زيادة هذه الفجوة؛ ما يساعدنا في التفاف الأمة حول مشروعنا.

سابعا: إن توحيد مشاعر الأمة سيكون بإذن الله مقدمة لتوحيد كيانها السياسي، فخروج الأمة من أطراف المحيط الهادئ حيث إندونيسيا شرقا إلى شواطئ المحيط الأطلسي حيث المغرب غرباً، إلى كازاخستان شمالاً إلى موزمبيق جنوبا، كل ذلك يكشف حقيقة وحدة الأمة الإسلامية، وأنها أقرب للوحدة السياسية في دولة الخلافة، والتي أصبحت قاب قوسين أو أدنى بإذن الله تعالى!!

ثامنا: لفت أنظار الشعوب الغربية لجرائم كيان يهود الذي لا يميز بين رضيع وطفل، وشيخ، وامرأة. فإن جرائم كيان يهود أظهرت الوجه الحقيقي للشعوب الغربية عن طبيعة هذا الكيان المغتصب الذي أظهر قوته على الأطفال الرضع، والشيوخ والنساء، ودفعتهم غريزة البقاء بأن يخرجوا إلى الشوارع بأعداد هائلة؛ للتنديد بهذه المجازر التي يرتكبها كيان يهود، بل، وطالب بعضهم بتقديم نتنياهو بوصفه مجرم حرب، فتم كسب الرأي العام لهذه الشعوب لصالح أهل فلسطين، وإن كنا لا نعول على الغرب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، ولكن هي من أعمال الرأي العام ضد هذا الكيان حتى لا يأسف عليه أحد عند دحره وكنسه، وإخراجه من الأرض الطاهرة المباركة.

تاسعا: لقد تم الكشف الحقيقي للأنظمة الغربية التي تتغنى بحقوق الإنسان، والطفولة، والحيوان؛ لنجد أنها عندما تتعلق بالمسلمين، فإنه لا حقوق لهم تذكر، وكذلك كشف حقيقة مؤسساتهم الخبيثة كمجلس الأمن، والأمم المتحدة، ومؤسسات عملائهم كمجلس التعاون الخليجي والعربي، وهيئاتهم الدولية الكاذبة كجامعة الدول العربية، والإسلامية، وغيرها التي وقفت صامتة أمام هذه المجازر التي لم يُرَ لهَا مثيل.

عاشرا: أدرك الناس أن قضية فلسطين هي قضية احتلال عسكري، وهذا الاحتلال لا يزيله التبرع بالمال لأهل فلسطين، ولا الدعاء لهم، ولا مسيرة، واعتصام هنا وهناك، لا يزيله إلا قوة عسكريةٌ أيديها متوضئة، وجباهُهَا سَاجِدَة لله، عقيدتها القتالية جهاد واستشهاد حتى تكون كلمة الله تعالى هي العليا، حيث شاهدنا أنه أصبح حديث الناس عن الحل الحقيقي لإنهاء هذا القتل، وذلك بوجوب تحريك الجيوش، وإن هذه الوسائل التي أتت بها الحكومات كالمقاطعة، ودفع التبرعات، وصلاة الغائب، والسماح للخطباء بالدعاء بنصر حماس، والسب والشتم على يهود، ما هي إلا تنفيس لمشاعر الأمة، ولطمس الحل الصحيح، والتستر على تخاذل الحكام الأنذال!!

حادي عشر: وهو الأهم لنا بوصفنا حملة دعوة، وهو استشراف الواقع الذي ستكون عليه دولة الخلافة عند إعلانها، وهي العظمة، والهيبة التي ستملأ قلوب العباد، كيف لا، وهي من ستقتص لهم من هؤلاء الكفرة الفجرة الذين تطاولوا على كرامة المسلمين، وأعراضهم، وديارهم، وثرواتهم، وكذلك نستشرف الخوف والرهبة التي ستملأ قلوب الكفرة من الأنظمة الغربية، وخوفهم من أن يقدموا على أي فعل ضد هذه الدولة، خصوصاً وأن لهم تجربة سابقة مع أبناء المسلمين، ومقاتليهم في أفغانستان، والعراق، وسوريا، وغزة الآن؛ مما يجعلها تفكر، وتحسب ألف حساب وحساب قبل أن تخوض مع دولة الخلافة حرباً!!

ثاني عشر: لقد أصبحنا على يقين أن التقدم العسكري والتكنولوجي، والدعم الأمريكي والأوروبي، لا يساوي شيئاً أمام إرادة وعزيمة المقاتلين، فها هي خلال أسابيع عدة لم تستطع حتى هذه اللحظة معرفة منطقة إطلاق الصواريخ، بل ثبت فشل القبة الحديدية أمام رشقات المجاهدين، والتي ثبت عدم فعاليتها في حماية يهود، وأنها لا تستطيع ردع سوى بعض الصواريخ، وليس كلها.

وأخيراً، وليس آخراً لا ننسى كيف كشفت هذه الحرب علماء السوء أصحاب الفضائيات الذين غابوا عن هذا الحدث العظيم؛ ليظهر خبثهم، وعدم صدقهم، وتقواهم مع الله تعالى.

هذا غيض من فيض، وهناك من الخير الذي لا يعلمه إلا الله وحده، ولكن نجزم أن الساعة لن تعود للوراء، وأن ما بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها. وأخيراً نسأل الله تعالى أن يجعل كيد يهود، ومن خلفهم في نحورهم، وأن يجعل تدميرهم في تدبيرهم، وأن ينصر أهلنا عليهم. والحمد لله رب العالمين.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد الفقهاء (أبو بكر)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر