March 10, 2012

أفغانستان: البرابرة الأمريكيون يشوهون صورة الإسلام لتسويق "الحرية"

"متعذر فهم الدوافع التي دفعت بأفراد من القوات العسكرية الأمريكية في أفغانستان إلى حرق نسخ من القرآن الكريم، حيث يعتبر المسلمون أنّ إهانة الكتاب المقدس كفر، وبعد مرور عقد من الزمن على تدخل الولايات المتحدة في أفغانستان فإنه على جميع القوات الأمريكية إدراك ذلك" افتتاحية النيويورك تايمز.

لقد ولّد حرق القرآن من قبل المتعصبين في الجيش الأمريكي احتجاجات عديدة في مختلف أنحاء أفغانستان، والتي خلّفت لغاية الآن 29 شهيدا وعشرات الجرحى، وقد قدّم أوباما اعتذارا فاترا ليهدئ من الغضب المستمر الذي أعرب عنه الأفغان العاديون، من الذين يرون الاحتلال الأمريكي لبلادهم بمثابة هجوم على القيم الإسلامية، تأتي هذه الحادثة بعد أسابيع قليلة من تصوير القوات الأمريكية وهم يتبولون على الأفغان القتلى فرحين بفعلتهم، وهذه الحوادث وحدها لا تقتصر على الحط من قدر الأفغان وقيمهم الإسلامية، بل وتشويه جثث الموتى، بالإضافة إلى الانتهاكات المرعبة بحق السجناء في باجرام، واغتصاب الفتيات، ومذابح المدنيين الطائشة، على نحو أصبحت تلك الأفعال هي السمة المميزة للحملة الصليبية الأمريكية الخبيثة في أفغانستان، وليس من المهم مقدار سعي أمريكا نحو التقليل من شأن هذا الحادث، فإنّ هذا ألحدث حلقة في سلسلة تذكر بقية العالم بأنّ الهمجية الأمريكية ليست للتحرر من الاستبداد، بل هي السمة المميزة لآلة الحرب الأمريكية.

يفترض المرء أنّه بعد مضي أكثر من عشر سنوات على الحروب الأمريكية في العالم المسلم يكون الجنود الأمريكيون على الأقل قد اعتادوا على الحساسيات الثقافية عند المسلمين. ولكن ما نجده هو العكس من ذلك تماما، فأينما تتدخل العسكرية الأمريكية، فإنها تترك وراءها أثرا من الموت والدمار، في سلوكيات لا تليق إلا بالأمة الحاقدة الرائدة التي تفخر بالتسامح. انظر على سبيل المثال إلى القتل العشوائي للمدنيين العزل من قبل الطائرات الأمريكية بدون طيار للقوات الخاصة في باكستان، أو الحصانة التي منحت لرايموند ديفيس لقتله بدم بارد الباكستانيين في وضح النهار، وهذا يقوض بوضوح ادعاء أمريكا مساندتها لحقوق الإنسان، وهذا درس لبقية العالم، وحرب أمريكا في العراق مثال آخر، حيث إذلال الأسرى العراقيين في سجن "أبو غريب" وعمليات القتل التي لا معنى لها للمدنيين العزل وهي تذكر باحتلال أمريكا للعراق، ولغاية الآن فإنّه يتم التغاضي عن أفعال غير حضارية ارتكبها الجيش الأمريكي، ويتم الثناء على جنودها بالرغم من جرائمهم ضد الإنسانية، ففي نهاية العام الماضي، قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما للقوات التي عادت إلى الوطن من العراق: "كقائد لقواتكم المسلحة، وبالنيابة عن أمة ممتنة، فأنا فخور بأن أقول لكم أخيرا هاتين الكلمتين".

والأسوأ من ذلك أنّه لا توجد جهود جادة من قبل المؤسسة السياسية في الولايات المتحدة، أو من كبار الضباط لتغيير السلوك غير الحضاري للقوات الأمريكية، فأينما تتمركز القوات الأمريكية، فإنّ وزارة الدفاع الأمريكية تسعى دائما لتوفير الحصانة من الملاحقة القضائية كشرط إلزامي في مقابل الاتفاقات الأمنية، أو في مقابل مساعدات عسكرية، وبعبارة أخرى، فإنّه لا يوجد أي عقوبات على الأعمال الشريرة التي يرتكبها جنود الولايات المتحدة ضد السكان الأصليين، فلم يتم ولو عن طريق الصدفة العثور على جندي أمريكي مذنب، بينما تعقد المحاكمات الصورية من قبل الجيش الأمريكي (ختام محاكمة مجزرة حديثة في وقت مبكر من هذا العام) لضمان أنّ العقوبة لا تتناسب مع الجريمة.

الجيش الأمريكي يذهب إلى أبعد مدى لغرس الوحشية في صفوفه من خلال إضفاء الطابع المهني على الهمجية، ففي الآونة الأخيرة تم إقرار قانون الدفاع الوطني في مجلس الشيوخ الأمريكي على نحو يبيح مثل هذه التدابير، ويجيز ممارسة الجنس مع الحيوانات واللواط، بينما يلتزم الجيش الأمريكي بالحفاظ على رمز البربرية والقيم الدنيئة هذه، فإنّه يمكن للمرء أن يتخيل ما نوع التدريب الذي يتدرب عليه الجيش الأمريكي ويدرب على أساسه باقي الجيوش في جميع أنحاء العالم، فما هو السبب الأساسي وراء هذا السلوك المتهور الذي يتحدى المنطق البشري؟، وعذر أنّ "القليل من التفاح الفاسد" هي المسئولة، لم يعد مقبولا ولا يستحق المناقشة، ولا ثقافة أمريكا العسكرية وحدها المسئولة عن رعاية جيل من الشباب والشابات الذين يظهرون الاحترام الضئيل للثقافات الأجنبية والناس، فعلى العكس من ذلك، فإنّ الثقافة العسكرية تنبثق من ذات الأسس التي تم بناء ما تبقّى من المجتمع الأمريكي عليها.

الدافع الوحيد لمثل هذا السلوك هو الحرية، والتي هي الأساس الذي تقوم عليه الثقافة الأمريكية والمثل العليا، وهي المسئولة عن تشكيل الثقافة الشعبية، وثقافة الشركات، والقيم الاجتماعية والأخلاقية. وعلى هذا الأساس فإنّ الجيوش في الدول الغربية، وخصوصا في أمريكا يتم بناء أفرادها العسكريين على أساسها، فالرجال والنساء يتغذون من سن مبكر على نظام غذائي من حرية الانخراط في الجيش المدافع عن "الحرية"، والخضوع إلى التدريب على الأسلحة ليتم نشرهم في نهاية المطاف في الخارج، وهنا يجدون أنفسهم في بيئة مختلفة، والقوانين والقيود المفروضة في بلدهم لم تعد تؤثر على ما يمكن للمرء أن يقول ويفعل، ووجود الأسلحة بين أيديهم يجعلهم يشعرون بأنّه يمكنهم أن يقولوا ويفعلوا ما يشتهون، وبطبيعة الحال، فإنّ ذلك ينعكس على السكان الأصليين والمعتقدات والقيم والممتلكات والحياة والكرامة على الجميع باسم الحرية.

الحرية هي فكرة خيالية، وتفضي دائما إلى النزاعات والعنف، ويدّعي الغرب أنّ الأفراد أحرار في أن يفعلوا ما يختارون ويوجدون الرغبة لدى مواطنيهم في أن يكونوا أحرارا، ولكن في الواقع فإنّ هذا يؤدي إلى نزاعات لا نهاية لها بين الناس، فالآراء التي يعرب عنها عدد قليل من الناس، أو السلوكيات الذي تقوم بها البعض، يمكن أن تُفسر على أنها مسيئة ومهينة للآخرين. وبالتالي، فإنّ الحكومات الغربية تقوم بالتدخل باستمرار في النزاعات، واللجوء إلى القانون لحماية الحريات من بعض الناس عن طريق حرمان الآخرين من حريتهم في التعبير عن الأفكار والتصرفات. وفي كثير من الأحيان، فإنّ المستفيدين من الحرية هم الأفراد أو الجماعات التي لديها وجهات نظر أو سلوك يتقاطع مع مصالح الحكومة أو الرأسماليون الأقوياء، من الذين يمتلكون القدرة على ممارسة الضغط على الحكومة. وهذا هو سبب السماح للكثير من المؤسسات بما في ذلك المؤسسات العسكرية في الغرب بمهاجمة الإسلام، لأن خطابهم الناري والسياسات التمييزية هي في وئام كامل مع حرب الغرب على الإسلام، التي لم تنته بعد. ومع ذلك، فإنّ وسائل الإعلام الغربية، ومؤسساتها العديدة، إذا أهانت يهود، أو الدولة الصهيونية "إسرائيل"، فإنّ الحكومات الغربية تقوم بإجراءات سريعة وصارمة للحد من إهانتهم.

بالنسبة للمسائل السياسية الخارجية، فإنّ الحكومات الغربية تتعامل مع الحرية في المجتمعات المغلقة في وجه القيم الغربية على نحو تتجاهل فيه الحرية بشكل تام عندما لا تتفق مع مصالحها، ففي حالة الانتفاضات العربية، فإنّ استمرار ذبح المسلمين على أيدي العملاء الغربيين من مثل بشار الأسد، اختار الغرب نحوه التخلي عن حق الشعوب في الحرية، لأنّ المحتجين من المؤيدين والمتحمسين للإسلام، وليس للديمقراطية، فهذا النفاق لا يؤدي إلا إلى التأكيد على إدراك المسلمين بأنّ أمريكا وأوروبا لا تهتمان للتدمير التام للقيم الإسلامية.

الإسلام لا يؤمن بفكرة الحرية غريبة الأطوار، حيث حفنة من الرجال يقررون الأفكار والسلوكيات المسموح بها، فكل الأفكار والممارسات عرضة للنقد ويمكن أن تحاكم في محكمة قانونية، فالإسلام ينص على أنّ الحياة والشرف والدم والملكية والمعتقدات والجنس البشري والعقل هي التي يتعين حمايتها من قبل الدولة الإسلامية، وتكفل الخلافة هذه الحقوق لجميع مواطني الدولة، بغض النظر عما إذا كانوا من المسلمين أو غير المسلمين، كما يحمي الإسلام حقوق غير المسلمين في العبادة من دون أي خوف من العقاب، أو الحط من قدر معتقداتهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة".

ولذلك، يحظر على المسلم إيذاء غير المسلمين من رعايا الدولة واستباحة دمائهم، وتدنيس أماكن عبادتهم والمساس بممتلكاتهم، والتاريخ الإسلامي ضرب مثلا في قدرة الإسلام على ضمان الحقوق الدينية لغير المسلمين تحت ظل الخلافة، ففي زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، غزا الجيش المسلم سوريا، ولكن سرعان ما تم إرجاع الخراج الذي تم جمعه من حمص، وهي المدينة التي كان يسكنها المسيحيون واليهود إلى أهلها، وسبب ذلك أنّ المسلمين لم يتمكنوا من حماية حياتهم ودمائهم وأعراضهم من الجيش الروماني. وقد أعجب سكان حمص بذلك وقالوا: "نود حكمكم لنا، فإنّ العدالة في حكمكم أفضل بكثير من حالة الظلم والطغيان الذي كنا فيه، وقال اليهود "نقسم بالتوراة، أنّ هرقل لن يدخل مدينة حمص إلا على أجسادنا! فأغلقوا أبواب المدينة وحرسوا المسيحيين واليهود المدينة التي كان قد تركها المسلمون، وقالوا:" إذا كسب هرقل وأتباعه المعركة ضد المسلمين فأننا سنعود إلى حالتنا السابقة، لذلك سنحارب جنبا إلى جنب المسلمين حتى يتنصر المسلمون".

الطريقة الوحيدة لمنع الغرب وعملائه من مهاجمة الإسلام وإذلال المسلمين، هي بإعادة إقامة الخلافة، حيث يتم حماية حقوق المسلمين، كما كان الحال لغاية الأيام الأخيرة من الخلافة، فخلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، قررت بريطانيا تنظيم مسرحية تصور حياة الرسول صلى الله عليه وسلم بطريقة مهينة، ولما سمع بها السلطان عبد الحميد، أرسل إلى الحكومة البريطانية لوقف عرض المسرحية، ولما بررت الحكومة البريطانية قرارها بعقد المسرحية بأنها من حرية التعبير، هدد السلطان عبد الحميد بريطانيا باللجوء إلى العمل العسكري، فما كان من بريطانيا إلا الإذعان لطلب الخليفة.


عابد مصطفى

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن