February 19, 2009

أفول نجم الهيمنة الأمريكية - د.محمد جيلاني - محاضرة في قاعة البث الحي

يقول برجنسكي في كتابه (الخيار) : ( ان اهتمام أمريكا الشديد بأمن أمريكا و تركيزها الضيق على الارهاب، و تجاهلها المستمر لهموم العالم و الأنسانية لن يخدم أمن أمريكا و لن يمكن أمريكا من قيادة العالم. و أذا لم تتمكن من تحقيق تناغم بين قوتها العملاقة و العلاقات الأجتماعية فأنها ستجد نفسها في عزلة أمام فوضى عالمية متنامية) .

لقد دق برجنسكي ناقوس خطر يحذر أمريكا من فقدان مقدرتها على قيادة العالم ان هي استمرت في التعامل مع العالم بأسلوب الهيمنة بدلا من القيادة السياسية و الفكرية. و يرى برجنسكي أنه لا يزال بمقدور أمريكا أن تقود العالم بدلا من أن تهيمن عليه، و أنها بذلك تضمن مصالحها الحيوية و الاستراتيجية الى أمد بعيد. و يرى برجنسكي أن أمريكا ستكون أقدر على القيادة اذا هي ضمنت تحالفا حقيقيا مع أوروبا في مواجهة التحديات التي لخصها بخمسة تحديات: انعدام الأمن القومي، انعدام النظام العالمي، سوء أدارة الأحلاف، العولمة، و هيمنة الديموقراطية.

سوف أتعرض في هذه الكلمة الى وجهة نظر برجنسكي حول التحديات التي تواجه أمريكا و تؤثر على العالم بمجمله. كما سأناقش الفكرة الرئيسة و هي ( هل العالم مخير بين أحد أمرين: أما الهيمنة أو القيادة الأمريكية ) أم أن أمريكا ستفقد الهيمنة و القيادة معا. أن برجنسكي يرى أن العالم مهيأ للخروج على الطاعة الأمريكية، و لكنه يفتقر الى المبدأ (الأيدولوجيا) الذي يجمع شعوب العالم على صعيد واحد أمام الهيمنة الأمريكية.

و الواقع أن كتاب برجنسكي يقدم شهادة مقنعة بأن أمريكا قد وصلت بعد خمسين عام من تربعها على عرش الدولة الأولى في العالم الى حالة قد لا تسمح باستمرار قيادتها للعالم قيادة فعلية. و قد قال في كتابه الفرصة الثانية و الذي صدر عام 2007 ما نصه ( انه بدون دور أخلاقي فان أمريكا ستفقد الشرعية في قيادتها للعالم ) و يقول ( ان ما يدعوني للقلق هو أنه سيكون من الصعب على أمريكا أن تمارس قيادتها للعالم ) و يصل الى التنبؤ بأن ( مرحلة التفوق الأمريكي قد لا تدوم طويلا بالرغم من غياب البديل ) - كتاب الفرصة الثانية ص: 42.

و لكن حالة أمريكا هذه ليست ناجمة عن خطأ استراتيجي يمكن العدول عنه و تصحيح مساره كما يظن برجنسكي. بل أن ما وصلت أليه أمريكا هو محصلة سياسات انتهجتها على مدار الخمسين سنة الماضية، و أكثر من ذلك هي نتيجة طبيعية لهيمنة الرأسمالية على العقلية الأمريكية، و تمكن الشركات الرأسمالية العظمى من السيطرة على مجريات السياسة الأمريكية.

ان الصعوبات و التحديات التي تواجه أمريكا في استمرار قيادتها للعالم هي حقيقية و تزداد خطورة و جدية كلما تأخرالعلاج و استفحل المرض. و الواقع أن أمريكا خلال العشرين سنة الماضية بدلا من أن تتقدم في مقدرتها على مواجهة التحديات فأنها استمرت بالتراجع. و قد أورد برجنسكي في كتاب الفرصة الثانية ما يشبه التقييم لأداء أمريكا خلال عهد بوش الأب و كلنتون و بوش الأبن. حيث نظر الى أداء امريكا فيما يتعلق بثمان تحديات رئيسة هي: حلف الأطلسي، أرث الاتحاد السوفياتي، الشرق الأقصى، الشرق الأوسط، انتشار الأسلحة النووية، حفط السلام، البيئة، والفقر. و على طريقة تقييم الامتحانات فقد حصلت فترة بوش الأب على علامة (B) و كلنتون حصل على (C) و بوش الأبن حصل على (F). أي أن مستوى أمريكا في مقدرتها على مواجهة التحديات آخذ بالانحدار.

و المدقق في الواقع السياسي و الاقتصادي و الأيدولوجي لأمريكا يجد أنه لا يمكن لها أن تعود لقيادة العالم، وأن عجلة التاريخ لا تعود للوراء. و في الوقت نفسه لا يمكن لأمريكا أن تستمر بالهيمنة على شؤون العالم. و يجب على الساسة و المفكرين في العالم أن يبحثوا و بكل جدية عن المبدأ الأيدولوجي الذي ادعى برجنسكي أنه غير موجود، و الذي يوفر للأنسانية قيادة فكرية سياسية تحقق العدل الذي يرنو اليه البشر.

أما الواقع السياسي فأن أمريكا و بعد أن أنتهت الحرب الباردة لصالحها و لو في الظاهر، لم تتمكن من انتهاج استراتيجة تمكنها من قيادة العالم الجديد. بل استمرت في الاعتماد على وجود عدو استراتيجي تناطحه و تستغل وجوده لفرض هيمنتها و عرض قيادتها. و قد اتجهت أنظارها نحو الأسلام و العالم الاسلامي بالرغم أن الأسلام و العالم الأسلامي في هذا الوقت لا يصلحا لهذا الغرض. و قد ساعدت فكرة صراع الحضارات التي أطلقها صموئيل هنتنكتون على تغذية هذا الاتجاه. و قد غرقت أمريكا في هذا التوجه حتى وصلت الى مستنقع العراق و أفغانستان. و استمرت أمريكا بالاعتماد على نفس الاستراتيجيات و الاساليب التي اعتمدتها في صراعها السابق مع الاتحاد السوفياتي و التي ظهرت في تركيزها على أسلحة الدمار الشامل لدى من تريد أن تتخذه عدوا، و ان كان لا يملكها أو ليست لديه القدرة على تهديد مصالحها أو مصالح حلفائها. و قد أدت هذه الاستراتيجية الهشة الى عجز أمريكا من فرض هيمنتها أو قيادتها على أوروبا التي ما برحت أمريكا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تعمل على ابقائها تحت مظلتها.

و من ذلك أيضا ما طرحته ادارة كلينتون عام 1997 من الحاجة الى مشروع مارشال جديد في أوروبا مذكرة بمشروع مارشال الذي ضمنت به أمريكا منذ عام 1947 هيمنة على أوروبا الغربية. الا أن الظروف السياسية و الاقتصادية كانت قد تغيرت في اوروبا بشكل جذري ما جعل خطة أمريكا هذه كمن يدخل سباق سيارات عام 1997 بعربة صنعت عام 1947.

أما الارهاب فهو أسلوب جديد يتلائم مع التركيز على العالم الاسلامي. الا أن امكانية استعماله لبسط النفوذ و الهيمنة على أوروبا و اليابان و ابقاء الصين و روسيا ضمن مرمى السياسة الامريكية فقد أثبت فشله العملي. اضافة الى أن مدى هذا الاسلوب قصير و لا يصلح لتشكيل استراتيجية بعيدة المدى. علاوة على ذلك فأن الدول و التكتلات التي تنافس أمريكا عمليا مثل اوروبا و بريطانيا و روسيا يمكنها أن تستعمل اسلوب الارهاب لتحقيق غاياتها.

و بالتالي فان أمريكا قد انتهجت سياسات و تبنت استراتيجيات و أساليب خلال عقدين من الزمن لم تمكنها من احكام قبضتها على العالم. و في الوقت نفسه فقد تمكنت أوروبا من بناء اتحاد قوي، و اقتصاد مكين مدعوم بعملة اليورو الذي تفوق على الدولار، و هي تسعى الى بناء قوة عسكرية موازية أو بديلة لقوة الناتو. كذلك تمكنت روسيا من الخروج من عنق الزجاجة الذي فرضته على نفسها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. كما أصبحت الصين قوة اقتصادية عظمى و بدأت شركاتها تنافس الشركات الامريكية في أهم الصناعات العالمية كالنفط و الغاز.

و الأهم من ذلك كله أنه ليس من السهل على أمريكا العودة للوراء لأعادة بناء سياساتها و استراتيجياتها. و جل ما تستطيع فعله الآن كما ظهر من أجندة الرئيس المنتخب الجديد هو ازالة آثار بعض السياسات الخاطئة كالانسحاب الجزئي من العراق و اعادة نشر القوات من العراق الى أفغانستان و تحسين مظهر أمريكا لدى العالم. أي أن ما كان يخشاه برجنسكي قد بات أمرا واقعا.

أما الواقع الاقتصادي فقد وقعت أمريكا، كما في الناحية السياسية، فريسة لسياسات و استراتيجيات تم اعتمادها بعد الحرب العالمية الثانية و ابان الحرب الباردة. و لم تقم أمريكا بتبني سياسات جديدة بشكل مدروس بعد انتهاء الحرب الباردة و زوال آثار الحرب العالمية الثانية. فها هي تتحدث عن مشروع يشبه مشروع مارشال في الوقت الذي كان فيه اقتصاد الدول الأوروبية ينمو بشكل يهدد اقتصاد أمريكا نفسها. و استمرت بالاعتماد على صندوق النقد و البنك الدوليين الذين أنشئا لتتمكن أمريكا من ضبط انتقال الاموال بما يخدم مصلحتها بعد انتهاء الحرب الثانية. ثم عمدت الى بناء اقتصاد وهمي افتراضي لتفرض ضغوطا هائلة على الاقتصاد السوفياتي ابان الحرب الباردة. و قد أصبحت هذه السياسات كلها عبئأ على أمريكا نفسها و على مقدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية ليس في العالم فقط بل و في أمريكا نفسها كما حصل من الانهيار المتتابع للنظام المالي في أمريكا و حول العالم.

و الحاصل أن مقدرة أمريكا على الاستمرار باستعمال الدولار للتحكم باقتصاديات العالم لم تعد ميسرة كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين. كما أن الاقتصاد الوهمي الافتراضي قد انكشف عواره و بدأ بالانكماش الشديد. و غدا الطلب شديدا على العودة الى نظام الذهب المالي. و الأهم من ذلك كله أن أمريكا خلال العقدين الماضيين فقدت الكثير من آليات الانتاج الصناعي لديها و استعاضت عنها بآليات الانتاج المالي و الذي كانت قد فصلته عن الانتاج الصناعي.

و المهم في كل ذلك أن الواقع الاقتصادي الذي وصلت اليه أمريكا ليس نتاج فشل خطط أو أساليب يتم معالجتها بذكاء و حنكة ادارة جديدة. بل هو نتاج الاعتماد على سياسات و استراتيجيات بعيدة المدى ما يجعل الاصلاح الاقتصادي أكثر من صعب. فقد خسرت أميركا أكثر من عشرين عاما في السياسة و الاستراتيجية الاقتصادية. و بالتالي تكون أمريكا قد خسرت أهم سلاح لديها بعد انتهاء الحرب الباردة في سعيها لقيادة العالم أو الهيمنة عليه.

أما الواقع الايدولوجي و الذي كان واحدا من أهم عناصر قوة أمريكا في السابق فقد بدأ يفقد بريقه و مصداقيته في العالم كما في داخل أمريكا. فقد رفعت أمريكا في ما بعد الحرب العالمية الثانية و ابان الحرب الباردة شعارات الحرية و الديموقراطية و الاستقلال و حقوق الانسان. و قد دعمت كثيرا من حركات التحرر في العالم و جعلت من الحرية أساسا في سعيها للهيمنة على العالم و قيادة أموره. و قد ساعدها على ذلك وجود الاتحاد السوفياتي و ما شاعت عنه من انتهاك لحقوق الانسان و قمع الحريات. كما أن وجود الحرب الباردة كان قد فرض على أمريكا العمل بشكل دائم على أخفاء التاقضات الشديدة بين الديمقراطية من جهة و الرأسمالية من جهة أخرى.

و حين انتهت الحرب الباردة و عادت روسيا نفسها لحظيرة الدول الرأسمالية انكشف بعض ما كان خافيا على كثير من الناس و هي أن أمريكا كانت و لا زالت ترعى كثيرا من النظم القمعية في العالم. ثم جاءت ثالثة الأثافي في غوانتانامو و أبي غريب. و تبعها اعتراف كولن باول و أخيرا بوش بتلفيق قضية أسلحة الدمار الشامل في العراق و التي أدت الى حرب لا تزال مستمرة. و قد أظهرت الحرب التناقض الشديد بين ما تدعيه أمريكا من حرص كاذب على الديموقراطية والحرية و حرص شديد على المصالح الاقتصادية كالنفظ.

ثم ان سياسة الارهاب التي اتبعتها أمريكا أدت الى تغيير جذري في النظرة للحرية أدت الى اعتبار الحرية ثانية بعد الأمن من الناحية الايدولوجية. و قد علق تيد كندي ابان انتخابات الرئاسة عام 2004 بأنه سيكون من الصعب بمكان تلافي آثار هذ الانحراف اذا استمرت ادارة بوش بتقييد الحريات بحجة الحفاظ على الأمن.

ثم ان الازمة المالية التي عصفت بأمريكا مؤخرا أدت الى الحديث عن تغير جذري في الناحية الاقتصادية من الايدولوجية الامريكية خاصة فيما يتعلق بالملكية الفردية و اقتصاد السوق و جهاز الثمن و امكانية الاقتصاد على أصلاح نفسه بنفسه.

و الحاصل أن الأساس الفكري للأيدولوجية في أمريكا قد أصابه خلل سواء فيما يتعلق بالحرية الشخصية أو حرية التملك. و مثل هذا الخلل في أساس النظام لا يمكن اصلاح الآثار الناجمة عنه الا بأصلاح الخلل نفسه. الا أن اصلاح الخلل في أساس النظام أصعب بكثير من احداث الخلل ابتداءا.

ومن هنا فان التحديات التي تواجه أمريكا في امكانية قيادة العالم أو الهيمنة عليه أكبر بكثير مما يتوقعه الكثير. و لعلنا نشهد قريبا انهيار العملاق بعد تنحيه عن عجلة القيادة. وقد بدأ كثير من المفكرين بالتسابق لتحديد زمن الانهيار هذا. و كان آخرها مقال كاتب روسي تنبأ بالنهيار العظيم عام 2010.

أما ادعاء برجنسكي بأن العالم يخلو من أيدولوجية قادرة على قيادة العالم في حال انهيار القيادة الامريكية فان هذا الادعاء ليس الا محاولة لأخفاء الشمس بغربال. فقد شهد أعداء الاسلام قبل أولياءه بأن الأسلام قادر على قيادة العالم و أخراجه من ضيق الدنيا و شظفها الى سعة الدنيا و الآخرة و من جور الرأسماية و الديموقراطية الى عدل الاسلام و من عبودية أمريكا و طواغيت الأرض الى عبودية رب الناس. وقد بدأ بزوغ فجر الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. ولا يجهلها أو يجحدها الا حاقد أو أعمى. و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون.

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن