اغتيال قادة حركة أحرار الشّام عنوان بارز يوضح الاستراتيجية الأمريكية في سوريا
September 11, 2014

اغتيال قادة حركة أحرار الشّام عنوان بارز يوضح الاستراتيجية الأمريكية في سوريا


فجعت مكونات الثورة السورية مساء الثلاثاء 9 سبتمبر باغتيال جماعي لمجموعة من قيادات حركة أحرار الشام، تجاوز عددهم 45 شهيداً من بينهم 28 من قيادات صف أول وصف ثانٍ في الحركة وذلك أثناء اجتماع للحركة بمدينة رام حمدان بمحافظة إدلب. ويقع حسان عبود "أبو عبد الله الحموي" على رأس هذه القائمة إلى جانب ثلة من قياديي الحركة الشرعيين والعسكريين والسياسيين. وحركة أحرار الشام هي جزء أساسي من الجبهة الإسلامية وهي من أهم المكونات العسكرية في الثورة السورية التي تحارب نظام بشار الأسد.


يأتي هذا الحدث ليمثل منعرجا خطيرا في سياق أحداث دولية متسارعة ففي نفس الأسبوع تم تكوين تحالف من 10 دول كبرى أبرزها أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وغيرها من دول أوروبية، تحالف أعلن أن هدفه شن حملة عالمية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والقضاء عليه. يذكر أن تنظيم الدولة له وجود بالعراق والشام وأن التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا قد حسم أمره في مواجهة التنظيم بالعراق بعد أن أعد الأرضية الملائمة بتكوين الحكومة العراقية الجديدة برئاسة حيدر العبادي، حكومة اعتبرها وزير الخارجية الأمريكية خطوة كبيرة في سبيل محاربة تنظيم الدولة في العراق.


أما فيما يخص وجود تنظيم الدولة في سوريا فالوضع يبدو أكثر تعقيدا؛ فقد تحدثت صحيفة الواشنطن بوست عن تفكير إدارة أوباما في استراتيجية قد تطول إلى 3 سنوات أو أكثر في سبيل القضاء على هذا التنظيم، كما لم يستبعد مراقبون أن تشن أمريكا ضربات جوية على مواقع لتنظيم الدولة في سوريا ولكن يبدو أن واقع الحال أكثر تعقيدا في سوريا وهذا لاعتبارات عديدة.


لقد ارتكب نظام بشار الأسد من الإجرام والخراب والدمار والقتل ما لم يعد يسمح لأمريكا بدعمه علنا ولكنها في نفس الوقت قدمت ضوءاً أخضر إلى حد الآن لكل من روسيا وإيران وحزبها في لبنان "حزب الله" لمساعدة النظام وتقويته ومدِّه بالعدة والعتاد والمقاتلين لكي يواصل صموده وينتعش. وفي ظل دعوة أمريكا لمحاربة تنظيم الدولة فإن الرأي العام في سوريا والعالم قد تتجه أنظاره لتغاضي أمريكا عن إزاحة الأسد وهذا ما جعلها ترفض تدخل بشار في محاربة التنظيم بل تنعته بالإجرام وتبشره بالسقوط لا محالة. أما النقطة الثانية فإن أمريكا قد وجدت مكونات عدة للثورة السورية يطغى على جلها النفس الإسلامي وأطروحاتها السياسية لا تخلو من الإسلام كبديل حضاري للأنظمة القائمة، ورغم محاولاتها الكثيرة عبر سنوات الثورة الفارطة لتكوين معارضة سورية معتدلة إلا أنها كانت تفشل وتتخبط في كل مرة، فكل من تستطيع أن تعتمد عليهم لا وزن لهم ولمشاريعهم السياسية على أرض الواقع.


لقد جاء مؤتمر جنيف 2 ليفرض محاولة توافقية بين المعارضة والنظام يتم على أساسها بلورة المستقبل السياسي لسوريا غير أن هذا المشروع كان عاجزا ميتا فاشلا منذ نشأته، ولعل الأمريكان قد دخلوا اليوم في مرحلة جديدة عنوانها البطش والقضاء على كل المعيقات لتنفيذ هذا المشروع.


اغتيال قادة أحرار الشام رحمهم الله يأتي في أثناء محاولة حثيثة ومساعٍ أمريكية جدية في توحيد المعارضة السورية لقتال تنظيم الدولة، نعم هذا هو الهدف المعلن، أما ما تؤكده الأحداث على أرض الواقع فهو أن أمريكا تحاول جاهدة تصفية الثورة السورية من رموزها المخلصة التي قد ترفض أي مشروع يكون خنجرا في ظهر الثورة فيبقي للنظام الذي خرجوا لاقتلاعه جزءاً من حياة أو يجعل من بديله علمانية وقوانين وضعية لا تحتكم للإسلام مطلقا وهم في معظمهم من الصف الإسلامي الصريح. وقد صرح جون كيري وزير الخارجية الأمريكي بعد عملية الاغتيال قائلا "ندعم المعارضة السورية المعتدلة وسنزيد من دعمنا لها"


عمل استخباراتي كبير بكل المقاييس كانت نتيجته القضاء على صف أول وثانٍ من القيادات البارزة، كما كانت حيثياته ولا زالت غامضة مشبوهة؛ حيث إن مكان الاجتماع محاط بتدابير أمنية قصوى وحيث إن التوصل لمكان وجود قيادات على مستوى عالٍ لحركة من أبرز الحركات الموجودة على الساحة ليس بالأمر السهل أو الميسور لأي تنظيم أو جماعة. والجدير بالذكر أن قيادات أحرار الشام رفضوا بعض المقترحات التركية لحلول قد لا تخدم مصلحة الثورة وتؤدي إلى وأدها، مقترحات تركية تمليها وتدعمها أمريكا ضمن مساعيها لهيكلة المعارضة السورية المعتدلة.


إن هذه التصفية البشعة للعشرات من الأنفس المسلمة تبين مسارا واضحا ستنتهجه الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا، مساراً يتضمن رسائل كثيرة أبرزها للكتائب التي تحاول أمريكا توحيدها؛ فإما القبول بالشروط والمطالب والأهداف الأمريكية للثورة السورية، وإما العيش تحت تهديد القتل والاغتيال، أما النقاط الأخرى المهمة في هذا المسار فهي شماعة الإرهاب التي تكتسي في هذه المرة حلة تنظيم الدولة، فبغض النظر عن تكوين التنظيم وأهدافه فإن أمريكا تحاول استغلاله لتنفيذ مشاريعها في المنطقة ولكن التنفيذ في هذه المرة لن يكون باليد الناعمة ولكنه سيتحول للوجه الأمريكي الحقيقي الصريح وجه السطوة والعجرفة والدم.


إن أمريكا وإن كانت تنوي القضاء على تنظيم الدولة في آخر المطاف فإنها ستكون أكثر الرابحين باستغلاله وتمديد وجوده لسنوات حتى تتمكن من فرض ما يجب فرضه وتحقق أهدافها السياسية في سوريا والعراق خاصة بعد أن فشلت في تحقيقها وعرفت لخبطة غير مسبوقة في مواقفها في الشرق الأوسط وخاصة في الشأن السوري، وإنها اليوم ولا شك تبدأ مرحلة جديدة هدفها تثبيت ما تقرر في مؤتمر جنيف 2، وأبرز مقتضيات هذه المرحلة هي عملية الاستنزاف الممنهج للثورة السورية ولكل نفس جدي للتحرر والانعتاق من الهيمنة الغربية، استنزاف للنفس الثوري العسكري المخلص الجاد وأيضا لكل نفس سياسي يطمح في رسم سياسات سورية خارجة عن سيطرة العم سام، وأخيرا استنزاف لطاقة الشعب السوري العظيم بصبره واحتسابه لعل شدة البطش والقتل والتدمير مع فراغ الساحة إلا ممن هم تبع لأمريكا سينتهي بالنفس الثوري إلى اليأس والاستسلام لا قدر الله.


إن الواجب اليوم على كل القوى السورية الثورية أن توحد صفها بناء على نقاط أساسية أبرزها رفض التحالف الدولي الذي اتخذ لنفسه كهدف رئيسي القضاء النهائي على ثورة الشام تحت ذريعة محاربة الإرهاب. كما أن على هذه القوى الفاعلة أن تجعل لنفسها قيادة سياسية وعسكرية موحدة تعطيها الأولى وضوح الرؤية السياسية وتعطيها الثانية المنعة والقدرة على تحقيق الأهداف العسكرية التي من شأنها الإطاحة بنظام البعث. ولعل اغتيال قادة أحرار الشام رحمهم الله يكون سببا في تحديد العدو من الصديق وفي لم شمل القوى الثورية في الشام ونبذها الفرقة والاختلاف والإعلان الواضح والصريح باتخاذ الحلف الدولي عدوا لا يؤدي التعامل معه والالتجاء إليه إلا إلى مزيد من الخراب والدم، ومن ثم إلى مشروع يرضى عنه ساكنو البيت الأبيض ولا يرضى به من ولد حرا وعاش حرا رافضا للاستعمار بكل صيغه فضلا على أنه مسلم لا يرضى بغير الإسلام بديلا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
حبيب الحطاب - تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر