أكذوبة الانتخابات
June 20, 2010

أكذوبة الانتخابات

تجتاح بعض بلدان العالم الإسلامي هذه السنة ولسنوات مضت موجة من الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ابتداء من أفغانستان مرورا بالعراق ووصولا إلى السودان، هُدر فيها المال والجهد ودوت فيها الهتافات الكاذبة والوعود الباطلة، وصَورت أن شعوب هذه البلدان تُعبر عن إرادتها السياسية بكل اختيار دون «تزوير أو تحريف»، وأن نتائج هذه الانتخابات والمنتخـَـبين هم من اختارهم الشعب. لقد بدأت ظاهرة الانتخابات بالظهور بشكل ملفت قبل ما يقارب العقدين من الزمن، وقبل ذلك لم تكن موجودة، بل كان العالم الإسلامي ولا زال يعيش تحت أنظمة قمعية مغتصبة للسلطة، تحكم شعوبها بالحديد والنار. فما الذي تغير حتى جعل هؤلاء الحكام يقبلون إجراء لعبة الانتخابات مع علمهم بأن صورتهم في أعين شعوبهم قبيحة، واذا مُنحت هذه الشعوب الحرية الحقيقية في الانتخاب لفظتهم وأتت بمن يتقي الله ليحكمها بالقرآن والسنة ويخرجها من الظلمات إلى النور. فهل هذه الانتخابات أكذوبة أم حقيقة؟ وما الغاية من إجرائها؟


إن ما تقوم به حكومات العالم الإسلامي من ظلم وقهر لشعوبها، ومن جلبٍ لقوى الغرب الكافر كي يجثم على صدور هذه الشعوب لتمتص خيراتها وتتركها تتلوى من الجوع. وما يقوم به هؤلاء الحكام من بيع وتنازل عن أراضي ومقدسات الأمة، وتقسيم الممزق من أرض الإسلام إلى دويلات هزيلة، لم يعد مقبولا لدى الأمة، ولم تعد تستسيغ مثل هذه الأمور، فكان لا بد من إضفاء ما يسمى «بالشرعية» على هذه الجرائم. والشرعية في منظور النظام العالمي هي أن من يقوم بهذه الجرائم لا بد وأن يكون منتخب من قبل شعبه وبالتالي كل تصرف يقوم به يكون بموافقة الأمة ورضاها. ولذلك كان لا بد من إجراء هذه الانتخابات وبالتالي أخذ موافقة الأمة على هذه الجرائم، وعليه فإن هذه الانتخابات أكذوبة ولا يراد منها اعطاء الأمة إرادتها الحقيقية في اختيار من يحكمها ويرعى شؤونها بدليل أن كل ما تفرزه هذه الانتخابات هم نفس العملاء أو نسخة مطابقة لهم أمثال حامد كرازي والمالكي، واذا أفرز ت هذه الانتخابات إرادة الأمة الحقيقية فان مصيرها يكون الإلغاء والقمع والاعتقال والتعذيب، وخير دليل على ذلك مصير الانتخابات الجزائرية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، حيث أفرزت تلك الانتخابات إرادة الأمة الحقيقية عندما اكتسحت جبهة الإنقاذ معظم مقاعد البرلمان الجزائري لأنها رفعت شعار الإسلام، فكانت النتيجة أن تدخل الجيش بإيعاز من فرنسا فوأد إرادة الأمة بإلغاء الانتخابات واعتقال قادة جبهة الإنقاذ، وما تبع ذلك من أحداث دموية راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء.


وللوقوف على هذه الأكذوبة نستعرض واقع الانتخابات في كل من السودان وفلسطين و الأردن والعراق وأفغانستان وانتخابات الرئاسة في مصر.


السودان، فلسطين، الأردن: جاءت الانتخابات السودانية تنفيذا لاتفاقية نيفاشا التى نصت على ضرورة فصل جنوب السودان عن شماله. فمثل هذه الجريمة الكبيرة لا بد وأن يوافق عليها الشعب السوداني بجميع أطيافه، ولا يكون ذلك إلا بإجراء الانتخابات التي يسهر الغرب الكافر على إنجاحها لتكتمل مؤامرته الرامية لتمزيق السودان، لذلك يراد لهذه الانتخابات اضفاء ما يسمى بالشرعية على انفصال الجنوب، ففي لقائه مع صحيفة «ديرشبيغل الألمانية» الذي نقلته صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 24/03/2010م قال الرئيس البشير: (لقد أدركنا أن مثل هذا الحدث التاريخي- انفصال الجنوب- لا يمكن البت فيه سوى من قبل ممثلين شرعيين عن الشعب)، وهو عينه ما نطقت به أمريكا -مهندسة اتفاقية نيفاشا- حيث قال المبعوث الأمريكي الخاص للسودان (سكوت غرايشن) في مقابلة مع وكالة رويترز في 26/03/2010م: (إن الولايات المتحدة تأمل أن تمهد انتخابات الشهر القادم في السودان السبيل إلى طلاق مدني لا حرب أهلية). وما يدلل على ذلك أيضا قرار الإتحاد الأوروبي إرسال أكبر بعثة في تاريخه لمراقبة الانتخابات؛ تتكون من (130) مراقباً يقودها نائب في البرلمان الأوروبي، ومركز الرئيس الأمريكي الأسبق (كارتر) قرر إرسال (85) مراقباً، والمبعوث الأمريكي (غرايشن) كان يتنقل بين الخرطوم وجوبا وكادقلي لعلاج القضايا العالقة لإنجاح الانتخاباتِ. فكما هو واضح من التصريحات والأعمال السابقة فإن الغاية من أكذوبة انتخابات السودان هي فصل جنوبه عن شماله باسم الشعب السوداني.


وما يجري في السودان هو عين ما جرى في انتخابات فلسطين قبل عدة سنوات، حيث كانت الغاية من تلك الانتخابات إفراز حكومة تضم الفصائل الفلسطينية الفاعلة، ومن ثم تقود هذه الحكومة المشتركة ما يسمى بعملية السلام المشؤومة والتي ستفضي باعتراف شعبي بكيان يهود المغتصب لأرض فلسطين. وهذا أيضا عين ما حدث في انتخابات البرلمان الأردني عام 1993م قبل التوقيع على اتفاقية وادي عربة الخيانية، حيث قامت الحكومة الأردنية والتي حصلت على ثقة البرلمان (أي ثقة الشعب الأردني) الذي كان قسما من أعضائه من الحركات الإسلامية بالتوقيع على تلك الإتفاقية. وعليه يصبح التنازل عن أرض الإسراء والمعراج وبحسب القوانين الدولية تنازلا شرعيا وقانونيا لأنه يتم عن طريق حكومة منتخبة من قبل شعبها.


الانتخابات العراقية والأفغانية: إن الغاية من الانتخابات العراقية والأفغانية متشابهة ومتقاربة، فبعد إحتلالها لهذين البلدين أرادت أمريكا أن تضفي على وجودها الناحية «الشرعية والقانونية» بطريقة تضمن بقاءها في هذه البلدان وبالتالي تبقى مسيطرة على مقدراتهما، وفي الوقت نفسه تغير وجهها الإستعماري القبيح، مع ضمان وجودها العسكري في هذه البلدان، ولكن بشكل وباسم مغاير للمحتل. فكانت الطريقة أمامها هي الإتيان بحكومات منتخبة من قبل الشعبين الأفغاني والعراقي، بكل طوائفهما وقبائلهما وأطيافهما، وبعد ذلك تقوم هذه الحكومات وباسم الشعبين بالتوقيع على إتفاقيات تعاون مشترك، واتفاقيات أمنية، وأخرى دفاع مشترك، حيث تتطلب هذه الإتفاقيات أن تقوم هذه الحكومات المنتخبة وباسم شعوبها بطلب رسمي من أمريكا أن تبقي قواتها وألا تنسحب حتى يتم التعاون والتنسيق الأمني على أرض الواقع. وبالتالى يتحول الوجود العسكري الأمريكي من محتل ومستعمر إلى وجود قانوني وشرعي حسب الأعراف الدولية. وهذا ما تم بالفعل، فلقد أفرزت الانتخابات المزورة عملاء أمريكا في كلا البلدين (كرزاي والمالكي) وتم التوقيع على الاتفاقيات الأمنية فاصبح وجود أمريكا في العراق وأفغانستان قانونيا ولم تعد مستعمرة.


انتخابات الرئاسة المصرية: لقد أصبح من المـُـسلّم به لدى الأمة الإسلامية أن حكامها مغتصبون للسلطة، وجاثمون على صدور أبناء الأمة بلا سند شرعي. وهذه القضية باتت تؤرّق وتقض مضاجع أسياد هؤلاء الحكام، وتخوفهم. هذا آتي من الوقت الذي تنفض فيه الأمة عنها غبار الذل وتنقلب على حكامها وتخلعهم وتأتي برجال مخلصين يحكمونها بكتاب الله وسنة نبيه. فكان لا بد من إعطاء هؤلاء الحكام الصفة الشرعية والقانونية عبر صناديق الاقتراع المزيفة، فكانت انتخابات الرئاسة في مصر التي أفرزت طاغية مصر حسني مبارك، فأصبح وجود هذا الرئيس في الحكم و حسب الأعراف الدولية وجودا قانونيا وشرعيأ، ويكون أي خروج عليه انقلابا على الشرعية الدولية وبالتالي يحق للأمم المتحدة التدخل لحماية إرادة الشعب وحماية هذا الرئيس المنتخب برضا من شعبه بأي الوسائل. وما جرى في انتخابات مصر ينطبق على أي انتخابات رئاسية في العالم الإسلامي كتلك التي جرت في الباكستان.


فكما هو واضح فإن الانتخابات التي تجري في العالم الإسلامي هي أكذوبة وليست حقيقة وهي مُسَيّسة ولا تعبر عن إرادة الأمة لا من قريب ولا من بعيد، بدليل أن من ينجح فيها هم من عملاء الغرب الذين يمررون سياسته في هذه البلدان، واذا ما أفرزت الانتخابات إرادة الأمة الحقيقية كان مصيرها الوأد والإلغاء. وكما هو واضح لكل ذي بصيرة فإن الغاية من هذه الانتخابات هي إضفاء الشرعية القانونية على ما يقوم به هؤلاء المنتخَبون من مؤامرات وتنازل عن مقدسات الأمة وتمزيق لأرض الإسلام.


بقيت مسألة لا بد من الوقوف عليها، وهي أن الانتخابات أداة تستخدمها الأمم والشعوب لتختار بكل حرية ورضا من يحكمها ويرعى شؤونها، وبالتالي فهي ليست حكراً على أحد، بل موجودة في معظم الأنظمة والقوانين، وهي لا تقتصر كما يظن البعض على الديمقراطية فقط، أو أن الديمقراطية هي عينها الانتخابات، فهذا الظن باطل لأن الديمقراطية نظام حكم وليست طريقة للانتخاب، وهي نظام كفر انبثق عن عقيدة باطلة هي فصل الدين عن الحياة. وأما الإسلام فيوجد فيه نوعان من الانتخابات، النوع الأول هو انتخاب ممثلين عن الأمة في الرأي، يرجع إليهم الخليفة لاستشارتهم في الأمور، وهم ينوبون عن الأمة في محاسبة الحاكم، ولا يكون لهم أي صفة تشريعية أبدا (أي أنهم لا يقومون بسن القوانين). ودليل ذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية حيث طلب من الأنصار أن يُخرجوا له إثني عشر نقيبا، أي ممثلين عنهم لدى الرسول صلى الله عليه وسلم. والنوع الثاني من الانتخابات هو انتخاب الحاكم أو (البيعة) لأن السلطان في الإسلام للأمة وهي وحدها لها الحق في انتخاب من يحكمها بالكتاب والسنة، لا بأي شيء آخر مطلقا. وقد كانت هذه البيعة تأخد أشكالا مختلفة على مدار تاريخ الأمة الإسلامية، وكانت في كل مرة يُعبر فيها عن إرادة الأمة، وللتدليل على ذلك نأخذ الكيفية التي تم انتخاب عثمان رضي الله عنه فيها خليفة. فبعد أن طُعن عمر رضي الله عنه، رشح للمسلمين ستة نفر على أن يختاروا منهم خليفة لهم، وكان منهم علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، ولقد تنازل عبد الرحمن عن الترشُح مقبال أن يقوم هو بإجراء عملية الانتخابات، فأخد يطوف المدينة بيتا بيتا وشارعا شارعا، في الليل وفي النهار طيلة ثلاثة أيام، يسأل فيها الناس، الرجال والنساء، ويستطلع رأيهم ورغبتهم فيمن يخلف عمر رضي الله عنه، فوجد أن الناس يرغبون فيمن يسير على نهج أبو بكر وعمر فكانت البيعة لعثمان رضي الله عنهم جميعا على أن يحكم بالكتاب والسنه وأن يسير على ما سار عليه الشيخان. وعليه يتبين أن الإسلام قد أقر انتخاب ممثلين عن الأمة في الشورى والمحاسبة، وأعطى للأمة وحدها حق انتخاب من يحكمها ويرعى شؤونها بدين الحق، وبغير ذلك تكون الانتخابات باطلة لا سند لها.


كتبة للاذاعة ابو اسيد

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن