الأهداف غير المعلنة للمنظمات ودور الأمة في مواجهتها وإسقاط الأنظمة الحامية لها
الأهداف غير المعلنة للمنظمات ودور الأمة في مواجهتها وإسقاط الأنظمة الحامية لها

لم يستطع الغرب التأثير في المسلمين إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي عبر منظماتهم وبعثاتهم السرية والمتخفية تحت أسماء متعددة، ثم كانت الفاجعة الكبرى والمصيبة العظمى المتمثلة بهدم الخلافة العثمانية التي بذهابها فتح الباب على مصراعيه لدخول كل الشرور والمفاسد التي حملها الكافر المستعمر إلى بلاد المسلمين؛ فقد توقف العمل بكتاب الله وسنة رسوله الكريم ﷺ،

0:00 0:00
السرعة:
December 04, 2019

الأهداف غير المعلنة للمنظمات ودور الأمة في مواجهتها وإسقاط الأنظمة الحامية لها

الأهداف غير المعلنة للمنظمات ودور الأمة في مواجهتها وإسقاط الأنظمة الحامية لها

لم يستطع الغرب التأثير في المسلمين إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي عبر منظماتهم وبعثاتهم السرية والمتخفية تحت أسماء متعددة، ثم كانت الفاجعة الكبرى والمصيبة العظمى المتمثلة بهدم الخلافة العثمانية التي بذهابها فتح الباب على مصراعيه لدخول كل الشرور والمفاسد التي حملها الكافر المستعمر إلى بلاد المسلمين؛ فقد توقف العمل بكتاب الله وسنة رسوله الكريم e، وتمزق جسد الأمة الواحد، وسفكت دماء المسلمين، ونهبت ثرواتهم، وتفشت فيهم الجرائم والذنوب العظام، وفقد المسلمون العلوم والتكنولوجيا وقد كانوا روادها، وتوقف الجهاد في سبيل الله وحرف الكافر معناه وأصبح الجهاد هو قتالاً بين المسلمين في حروب فتنة عبثية، وحكم المسلمون بقوانين كفر وضعية من خلال أنظمة عميلة للكافر المستعمر وخائنة لله ورسوله والمؤمنين، وانتشرت المنظمات الغربية باعتبارها رديفة للأنظمة لتفسد الأسر وأفرادها والتي عجزت الأنظمة عن إفسادها، وقد أوجد الكافر المستعمر البيئة المناسبة التي تتحرك فيها المنظمات بكل أريحية ولا تواجه أي رفض من المسلمين لوجود البيئة المناسبة والتوقيت المناسب، وقد أوكل الكافر المستعمر حمايتها إلى الأنظمة العميلة له التي تحكم المسلمين برأسماليته العفنة المنتنة التي اكتوت البشرية بنارها خلال قرنين من الزمن.

البيئة المناسبة لانتشار المنظمات بسهولة ويسر

يعمد الكافر المستعمر إلى إيجاد بيئة مناسبة لنشر منظماته الفاسدة ولتحقيق أهداف أخرى في آن واحد، فيوجد الحروب الطائفية أو الوطنية أو القومية لتحقيق أجندته وتنفيذ مصالحه ونهب ثروات الأمة وجني الأموال الطائلة من بيع الأسلحة فيصبح الخراب والدمار والقتل والتشريد والكوارث والأزمات تعصف بالأمة، فيكون دخول المنظمات وهي ترفع شعار حقوق الإنسان وتذرف دموع التماسيح على الأطفال والنساء، يكون له ما يبرره فيتقبل الناس وجودها وتصبح بعد فترة زمنية مألوفةً عندهم لأن وسائل الإعلام المسيس تكاد تحصر هدف المنظمات في العمل الإنساني من توزيع السلّات الغذائية التي قارب تاريخها على الانتهاء وبعضها لم يعد صالحاً للاستعمال، ورصف الطرقات، وتسليم بعض مرتبات الموظفين كتسليم مرتب واحد تجزئه في دفعات خلال سنة كاملة وبعد انتظار طويل.

فالهدف الظاهر لهذه المنظمات هو تخفيف المعاناة الإنسانية وإغاثة المنكوبين من جراء الحروب التي تجري بين المسلمين، أما الحقيقة الناصعة فهي أن لهذه المنظمات أهدافاً خبيثة وخفية وغير معلنة.

أهداف المنظمات الخفية الخبيثة غير المعلنة

للمنظمات مجموعة من الأهداف الخفية والخبيثة والشريرة غير المعلنة ومنها:

أولا: التشكيك في معتقدات المسلمين

لقد لبست المنظمات ثوب الإنسانية وتسعى إلى زراعة أفكار خبيثة تتمثل في أنها تعالج الأخطاء الناتجة من ثقافة المسلمين الخاطئة، مثل معالجة المعاناة الناشئة من الحروب بين المسلمين التي سببتها أفكار العنف التي يؤمنون بها، ومثل مظلومية المرأة وعدم إعطائها حقوقاً كالرجل في العمل والميراث وتقلد المناصب المختلفة، وعدم السماح لها بالمشاركة في معترك الحياة كالرجل، فهي تزرع مفهوماً خبيثاً خاصة عند البسطاء؛ أن الكفار هم على الحق وهم أصحاب الرحمة ودينهم هو الذي لديه الرعاية الصحيحة، فالأولى بهم اتباعه وترك الإسلام! وقد تخرج أعداد ممن التحقوا بالمنظمات ملحدين وأعلن بعضهم ترك الإسلام واعتناق النصرانية.

فهي تزرع في أوساط المسلمين الشك بالعقيدة الإسلامية وأن الإسلام ظلم المرأة ويحرض على العنف والقتل والذبح، والحروب الحالية بين المسلمين في اليمن والعراق وليبيا وغيرها يتخذونها دليلاً على أن الإسلام يحرض على الإرهاب والعنف، وتناست هذه المنظمات أن الحرب العالمية الأولى والثانية، وهي بين دول الكفر، قد حصدت أكثر من خمسين مليوناً من البشر وأن أمريكا قتلت أكثر من عشرين مليوناً من الهنود الحمر وهم سكان أمريكا الأصليون.

ثانيا: هدم القيم الرفيعة والأخلاق العالية

تركز المنظمات بشكل كبير على إفساد المرأة وهدم قيم المسلمين الراقية وأخلاقهم العالية، ولذلك فهي تعمل على جذب الكادر النسائي إليها وتكوين منظمات نسوية لإفساد المرأة تحت ستار حقوق المرأة، فهي تشترط على الملتحقين بها للعمل فيها وجود الجنسين في أغلب الأعمال، وبعضها تشترط على المرأة ترك الخمار لقبولها موظفة فيها، وهي تركز على القيام بالدورات الثقافية المختلطة التي تهدم القيم والأخلاق وتعمل فيها ألعاباً ترفيهية لكسر الحواجز بين الجنسين وتنمية المياعة والخلاعة والأخلاق الساقطة وتروج للرذيلة والفاحشة وتجند للدعوة إليها من الجنسين.

ثالثا: حرف مفهوم الرعاية الصحيحة عند المسلمين

تسعى المنظمات إلى تضليل المسلمين وحرف مفهوم الرعاية الصحيحة عندهم، فالذي يرعى شؤون المسلمين هو الخليفة الذي يحكمهم بشرع الله ويطبق فيهم ما أنزل الله، لكن المنظمات تعمل على تغييب هذا المفهوم فهي تعمل على امتصاص بعض غضب الأمة لتهدئة ثوراتها حتى تخف نارها فيستمر عملاء الغرب في الحكم فيجرون وراء وَهْم رعاية المنظمات لهم، فلا يعملون على تغيير الأنظمة الفاسدة وإقامة حكم الإسلام مكانها، وتزرع مفهوم الثقة بالمنظمات ورعايتها.

رابعا: تجعل المسلمين عالة عليها

عندما تلبس المنظمات ثوب الإنسانية وتقوم بتوزيع السلّات الغذائية التي أصبح بعضها غير صالح للاستخدام تجعل المستفيدين منها عالة عليها فلا يفكرون في العمل.

خامسا: تستحوذ المنظمات على أموال طائلة للمتنفذين فيها والعاملين

عندما تتباكى المنظمات على حقوق الإنسان ومعاناة المنكوبين وتذرف دموع التماسيح تتحصل على أموال طائلة من جهات مختلفة فتحتكر أغلب هذه الأموال للمتنفذين فيها والعاملين ولا يصل إلى المنكوبين التي تتسول المنظمات باسمهم إلا القليل.

واجب المسلمين في مواجهة المنظمات

إن عمل المنظمات خطير جدا وأهدافها خبيثة وخطرة، وعلى أبناء الأمة الوقوف في وجهها بقوة وذلك:

1- بالوعي على حقيقة هذه المنظمات وأنها معول هدم وعدو ينفذ أجندة الكافر المستعمر ويغرس ثقافته ويشكك في الإسلام وعقيدته وأحكامه.

2- فضح هذه المنظمات وتعريتها وبيان حقيقتها؛ وذلك لا يكون إلا بالتفاف الأمة حول قيادة مخلصة تملك مشروع التغيير.

3- رفض التعامل معها وطرد قيادتها التي أغلبها من الغرب وتحرسها الأنظمة الفاسدة.

4- العمل الجاد مع حزب التحرير لإسقاط جميع الأنظمة في بلاد المسلمين والتي تحكم بالرأسمالية وتحمي المنظمات الخبيثة الماكرة، وإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة على أنقاضها فتحكم بالإسلام وترعى المسلمين بأحكامه فيعودوا خير أمة، وتلقي بالأنظمة ومنظماتها الخبيثة في هاوية سحيقة.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذ شايف الشرادي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر