الأمة الإسلامية قادرة على التغيير
March 02, 2021

الأمة الإسلامية قادرة على التغيير

الأمة الإسلامية قادرة على التغيير


في ظل ما تعيشه دول العالم وشعوبه من وضع صعب ومخيف نتيجة انتشار وباء كورونا القاتل الـمَهين الذي لا يكاد يبين، متحدياً حضارة الغرب بالذات حيث أصاب بالدرجة الأولى أكابر مجرميها، أمريكا ودول أوروبا ومعهما الصين، كاشفاً زيفها وسوء أنظمتها على كل الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ حيث بدت أمام هجومه أنها حضارة خاوية على عروشها، وأنها على شفا جرف هار، وتنتظر أن تنهار. فقد أثبت هذا المبدأ الرأسمالي الغربي فشله، وأصبحت البشرية تفتش عن بديل حضاري صالح لقيادتها، وهذا البديل الذي أثبت نجاعته وفاعليته طوال ثلاثة عشر قرناً من الزمان هو مبدأ الإسلام، ومن أهم ما يميز هذه القوة المبدئية أنها مبنية على العقل أولاً، وأنها من عند خالق الكون والإنسان والحياة ثانياً، أي هي طاقة فكرية إيمانية روحية من عند العليم الخبير القدير المدبر لشؤون الكون، هذه القوة المبدئية لا تقتصر على العقيدة بل وتشمل شريعة ونظاماً للحياة في كل جوانبها، تحتاج منا الإقبال عليها بكليِّتنا، دون تردد أو تأخر، إقبال المؤمنين بها الواثقين بحلولها ومعالجاتها. إن الأمة الإسلامية وحدها مؤهلة لقيادة العالم وإخراجه من أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحل هذه المشاكل والأزمات والقضاء على حالة الفوضى والاضطراب. فنصوص القرآن التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؛ تدل على عالمية رسالة الإسلام بصراحة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.


فمن الناحية السياسية ينظر الإسلام إلى العالم بوصفه محلاً لحمل رسالة الإسلام التي تخرجهم من الظلمات إلى النور، وتوجد الاستقرار السياسي في العالم بما تحمله الأمة الإسلامية من رسالة ربانية تجعلها خير أمة أخرجت للناس، تسعى إلى إنقاذهم من الظلم والجور والضلال إلى العدل والهداية. والإسلام في حمله للعالم لا يتخيَّر بين غثٍّ وسمين، ولا بين بلد غني وآخر فقير، وهو لا يطمع في ثروات البلاد الأخرى فيستعمرها ويسرق ثرواتها ويترك أهلها مشرَّدين يقتلهم الجوع والمرض، ولا يؤجِّج الفتن والحروب والصراعات بين أبنائها لتخلو له الأجواء ليعيث في البلاد الفساد والإفساد، بل إنه بمجرد دخول البلاد تحت حكم الإسلام يصبح لها ما لباقي أجزاء الدولة وعليها ما عليها من الحقوق والواجبات؛ كل ذلك امتثالاً لوصية رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود عـن سليمان بن بُريدةَ، عـن أبيه أنَّ النبي ﷺ قال: «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيداً».


وأما من الناحية الاقتصادية، فإن نظرة الإسلام للمشكلة الاقتصادية نظرة صحيحة باعتبارها في توزيع الثروة وليست في الإنتاج، والضامن الوحيد لهذا التوزيع بل لتوزيع عادل يضمن إشباع حاجات جميع الأفراد، هو نظام منبثق من عقيدة روحية سياسية من لدن لطيف خبير يحيط بحاجات عباده ومصالحهم، ويوافق ما في فطرة الإنسان من عجز واحتياج إلى خالق مدبر، هو نظام طالما ارتقى بحياتهم إلى حياة كلها رفعة وسعادة ورفاه وطمأنينة وأمن وأمان، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.


فقد شرع الإسلام أحكاماً شرعية ليضمن توزيع الثروة بين الناس، وليحول دون اختلال التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع الإسلامي وذلك بتكاليف شرعية عديدة تواكب كل زمان ومكان؛ كفرض الزكاة، وتوزيع الدولة من أموالها على أفراد الرعية المحتاجين دون مقابل، ومنع كنز المال، وتأمين الدولة في الإسلام الحاجات الضرورية لكل فرد من رعاياها، كالتطبيب، والتعليم، وكالأمن.


وأما على مستوى الأسرة والعلاقة بين الرجل والمرأة، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فقد جعل الإسلام منزل الزوجية مقرّاً للسّكينةِ والعيش الهنيء والاستقرارِ، تجمع بين أفراده المحبّة والرّحمة، ومفاهيم الإسلام مفاهيم راقية تجعل الرّوابط الأسريّة وثيقة وفريدة، تحدّد الأدوار وتجعل لكلٍّ وظيفته بحيث يكمّل الواحد الآخر في تكامل فريد، بالإضافة إلى أن الإسلام جعل العلاقة بين الرّجل والمرأة علاقة سلم ووئام وتكامل وانسجام، لا علاقة حرب يكثر فيها النّزاع والصّراع والخصام، فقد كرّم المرأة وأعزّها ونظّم علاقتها بالرجل في جميع مجالات الحياة وجعل لها دوراً مهماً في بناء المجتمع إلى جانب الرجل بحيث يكمّل كل منهما دور الآخر في الارتقاء بمستوى المجتمع الإسلامي والنهوض به. أما ما يتعلق بعلاقة الأفراد مع بعضهم فقد نظمها بأحكام تضمن وجود الألفة وبقاء المودة بين المسلمين كوجوب صلة الأرحام، والإحسان إلى الجار، وكظم الغيظ، والستر على المسلم إذا رأى منه معصية، وعدم إشاعة الفاحشة بين الناس، ودعوة المسلم أن يحب لأخيه المسلم كما يحب لنفسه، ودعوة الناس أن لا يتباغضوا ولا يتحاسدوا.


أما على مستوى التعليم فإن الإسلام جعل الأساس الذي يقوم عليه منهج التعليم هو العقيدة الإسلامية، وجعل سياسة التعليم هي تكوين العقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، فتوضع جميع مواد الدراسة التي يراد تدريسها على أساس هذه السياسة. ويسعى إلى أن تكون الغاية من التعليم هي إيجاد الشخصية الإسلامية وتزويد الناس بالعلوم والمعارف المتعلقة بشؤون الحياة حتى ينتج أفراداً مبدعين ومنتجين للمجتمع، وتُنتهج طرق التعليم على الوجه الذي يحقق هذه الغاية وتمنع كل طريقة تؤدي لغير هذه الغاية.


إنّ الأمة الإسلامية بحكم تمسكها بالعقيدة الإسلامية، وبحكم إيمانها بوجوب عودتها إلى الله، وعودة سيادتها على الأمم الأخرى، كل هذا جعل مشاعرها مشاعر إسلامية عارمة، وجعل أحاسيس النهضة والتغيير موجودة فيها دائماً. ولما كان هناك العديد من النصوص والأعمال التي ركّزت الروح الجماعية في الأمة؛ فقد وجد فيها الميل الطبيعي للتكتل والعمل الجماعي. هذا هو واقعها؛ أمة فيها بعض الأفكار والمفاهيم الإسلامية، والمشاعر فيها مشاعر إسلامية، والروح الجماعية مركزة فيها، وضرورة التغيير، يحركها هذا الواقع الفاسد الذي تعاني منه. فأمةٌ هذا حالها، يدل على أن لديها طاقة كافية للتغيبر، فلو تركت وشأنها لتحولت هذه الأحاسيس والمشاعر إلى فكر صحيح. ولكان هذا الفكر قد أنتج عملاً ينهض بالأمة ويغيِّر حالها. هذا بالإضافة إلى وجود طاقات بشرية قادرة على القيادة وإدارة شؤون الأمة إلى جانب وجود علماء وكوادر متعلمة لديها القدرة على النهوض بجوانب الحياة المادية.


ثم إن الأمة الإسلامية تمتلك ثروات هائلة ليس بمقدور العالم التخلي عنها، ومن ذلك مثلاً المخزون الهائل من الطاقة، وما بين قيام الخلافة ومحاولات القيام بحرب ضدها، تكون الخلافة قد قطعت تلك الإمدادات عن العالم كله، فتستفحل الأزمات الاقتصادية، وتتعطل الحياة في الغرب بحيث تتعرض حكوماته لضغوط شعبية هائلة، فتمد دولة الخلافة يدها لإقامة تحالفات استراتيجية مهمة مقابل تلك الطاقة، فتقسم المعسكر المناوئ قسمين وتجعل مهمة القسم المعادي بالغة الصعوبة. وتتعاقد مع علماء وشركات عابرة للقارات على إنشاء صناعات ومراكز أبحاث أو شراء معدات لازمة، وتبدأ رحلة التصنيع الثقيل ونقل التكنولوجيا. هذا إلى جانب ما تمتلكه الأمة الإسلامية من مؤهلات تجعلها مكتفية ذاتيا من الناحية الزراعية والصناعية نظراً لموقعها الجغرافي وطبيعة مناخها وتركيبة تربتها، فما هو موجود في بلاد المسلمين يعادل أضعاف أضعاف ما هو موجود في بلاد الغرب من الثروات، فبالرجوع إلى ما هو معلن من قوائم وإحصاءات في مواقع الموسوعات مثل ويكيبيديا وغيرها، وعند النظر إلى أرقام الإحصاءات لأية مادة استراتيجية على وجه الأرض تجد أن مجموع ما في بلاد المسلمين يزيد مرة أو مرتين عن أعلى دولة تتصدر القائمة حالياً. وأما النسبة المئوية فتكون غالباً فوق 55% من الإنتاج العالمي أو الاحتياطي العالمي لتلك المادة، ولو أخذنا كل دولة على حدة؛ فمثلاً حصة تركستان الشرقية في إنتاج القمح هي الثلث تقريباً، وهي بلاد مسلمة محتلة، لعرفنا أن مجموع بلاد المسلمين يساوي ضعف مرة ونصف ما لدى الصين، أي أكثر من سدس الإنتاج العالمي. وعندها يكون مجموع ما في بلاد المسلمين رغم التأخر الحالي أعلى من أعلى دولة في العالم، وهكذا تأتي معظم الإحصاءات في صالح مجموع البلاد الإسلامية بفارق ضخم يبين مدى شراسة المستعمر في كبح حركة الأمة نحو التغيير وتوجيهها نحو تثبيت مبدئه وهيمنته.


إن التغيير المنشود الذي نطمح إليه كأمة هو بإمكاننا وضمن طاقاتنا وقدراتنا المحدودة والكامنة في نفوسنا، وفي مبدئنا، وفي أمتنا، ولقد جرت سنة الله تعالى الإلهية بنصر من ينصره، وقد وعد الله تعالى، ووعده حق، بنصر المؤمنين واستخلافهم والتمكين لدينه، ومن كان الله تعالى ناصره فلا غالب له.


فما علينا إلا أن نغذ السير في حمل الدعوة ونأخذ بالأسباب ونتوكل على الله ونخلص في العمل حتى نستحق هذا النصر الذي وعد الله به فقط عباده المخلصين ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نهال محمد – الأرض المباركة (فلسطين)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر