الأمة الإسلامية وجاهزيتها لإقامة دولة الخلافة
March 11, 2021

الأمة الإسلامية وجاهزيتها لإقامة دولة الخلافة

الأمة الإسلامية وجاهزيتها لإقامة دولة الخلافة


إن الناظر إلى الظروف السياسية السائدة في العالم اليوم يجد أن كثيرا من هذه الظروف تتهيأ بإذن الله لنشوء دولة الإسلام وتمكينها في الأرض ونشر رسالة الإسلام في ربوع العالم. وقبل أن نتكلم عن الظروف العالمية المواتية لقيام الخلافة، لا بد أن نعرج على الظروف المحلية لنشوء دولة الخلافة ومنها:


أ- خلخلة الأجهزة الأمنية، فقد عمدت دول الكفر اٍلى إقامة كيانات سياسية تضبط وجودها أجهزة أمن غاية في التعقيد، إلا أن أمريكا عندما أخذت على عاتقها إعادة بناء الشرق الأوسط على أسس جديدة فقد يكون من السهل إمكانية الوصول إلى أهل النصرة وتجاوز الأجهزة الأمنية.


ب- الرأي العام المحلي وتأصل فكرة الخلافة في البلاد الإسلامية، فلم تعد فكرة الخلافة محصورة في مكان أو إقليم بعينه، بل أصبحت واسعة الانتشار. ولقد ساعدت الأحداث السياسية والعسكرية في مختلف البلاد الإسلامية على بلورة هذا الرأي، كما أدت متابعة الحزب إلى جعل هذا الرأي منبثقا عن وعي عام. ومن أهم مظاهر الرأي العام هذا، كثرة الحركات التي أخذت تنادي أو تدعي النداء بالخلافة سواءً في العراق أو أفغانستان أو غيرهما.


ج- انحسار الطوق الإعلامي وكان ذلك بعد أن ظهرت قوة الحزب بشكل جلي في أوزبيكستان بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1990، وما تلاها من اعتقالات وتعذيب وإعدام للشباب وذويهم. ثم جاء أول مؤتمر عام للخلافة في لندن سنة 1995 والذي حظي بتغطية إعلامية واسعة على مستوى العالم. ثم دخل العالم عصر الإنترنت وعصر الفضائيات ولم يعد بالإمكان فرض التعتيم الإعلامي. وما التغطية الإعلامية التي حظي بها مؤتمر إندونيسيا وما تبعه من أعمال إلا خير دليل على ذلك.


د- تراجع أثر الحركات الإسلامية والمادية في الشارع الإسلامي سواء الحركات التي قامت بالأعمال الإصلاحية والأعمال المادية، أو كذلك الحركات التي شاركت الأنظمة بدلاً من هدم تلك الأنظمة فقد وصلت بالأمة إلى طريق مسدود، وذلك لعدم تحقق نهضة الأمة أو حل مشاكلها المستعصية من الفقر والتخلف الاقتصادي والاحتلال، ما أدى إلى ضعف تأثير هذه الحركات وإمكانية استقطاب الحزب للجماهير.


هـ- ثبات الكتلة واشتداد عودها وذلك بجعل الإيمان الأساس الذي يبنى عليه كل شيء، وباعتباره الدافع للتضحية بكل ما هو نفيس. ولم تزل الكتلة تشيع في شبابها أعلى المثل، وتبعث فيهم أرقى القيم فلا يقبل الحزب في صفه مجاهرا بمعصية أو تاركا لفرض أو خائفا جبانا، أو متقاعسا عن القيام بأعباء الدعوة، أو متشككا غير حازم لأمره.


وأما الظروف العالمية لنشوء الدولة الإسلامية فنذكر منها:


1- أدى انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي وخروج المعسكر الاشتراكي من حلبة الصراع الدولي إلى بروز الصراع الداخلي بين أفراد المعسكر الرأسمالي أمريكا وأوروبا الغربية، وكذلك ظهور التناقض ما بين الديمقراطية السياسية والحرية الفكرية وذلك بسطوة الرأسماليين على الشعوب، خاصة في أمريكا حيث جاء إلى الحكم مجموعة من كبار الرأسماليين في عهد بوش الابن.


2- الاقتصاد الوهمي الافتراضي الذي نشأ في أمريكا وأوروبا الغربية لزيادة الفجوة بين أصحاب رؤوس الأموال وغيرهم، ولتحقيق التفوق الكاسح على المعسكر الاشتراكي خاصة في القضايا المتعلقة بالتنافس على مناطق النفوذ من خلال القروض والمساعدات المالية.


3- الانحراف التدريجي عن أسس المبدأ الرأسمالي وخاصة في أمريكا وبداية أفول نجمها وذلك بتقييد الحريات المطلقة للأفراد والشعوب وتقنينها بشكل يجعل الحرية خاضعة لموازين وقيم معدة لخدمة مصلحة كبار الرأسماليين. ولا شك أن الضعف الذي سيطرأ على أمريكا ومعها كثير من الدول الرأسمالية سيجعل ظروف نشوء الدولة الإسلامية أكثر تهيؤا ومواتاة.


إن ارتفاع الوعي في الأمة وازدياد حرارة الإيمان لديها قد صارت لا تطيق أجواء الظلم والفساد التي تخيم على بلاد المسلمين، فتحركت الأمة ضد العملاء والخونة الذين نصبهم الغرب الكافر على رقاب المسلمين، وجاءت الثورات متتابعة وخاطفة وهددت عروش الأنظمة العاتية، واستطاعت أن تسقط بعضاً من هؤلاء العملاء، ففزع الغرب من جديد لعملائه ولفكره، ودق ناقوس الخطر، ولمعت بين عينيه فاجعته يوم فتح القسطنطينية، فجمع كيده ثم أتى يدَّعي مناصرة الديمقراطية ومحاربة الإرهاب، ويعمل على تثبيت الأنظمة ودعم الثورات المضادة، وهكذا أعلن الغرب الكافر حرباً جديدة على الإسلام والمسلمين يريد القضاء على أي حراك جاد يهدف إلى إسقاط تلك الأنظمة العميلة في بلاد المسلمين.


ومع كل ذلك البطش والجبروت والدماء والأشلاء التي أعقبت الثورات، إلا أن الأمة لم تتراجع ولا زالت تنشد إسقاط الأنظمة والتغيير. ومن هنا نستطيع القول إن هذه الأمة عصية على الكسر برغم الخطط التي وضعها الكافر المستعمر ليلفتها عن دينها وعقيدتها، وبرغم أن حجم المؤامرة كان كبيراً جداً، وبرغم أن التضليل كان متقناً لدرجة كبيرة.


إن الصراع مع الغرب صراع وجودي، وهو مستمر ولن يتوقف يوماً واحداً، ولن تنتهي معاناة أمتنا إلا إذا أدركت بما تملكه من إيمان ووعي من هم قادتها الحقيقيون من أبنائها المخلصين الذين يصلون ليلهم بنهارهم لإعادة السلطان للأمة وجعل السيادة للشرع، فيسعد الناس بحكم الإسلام وعدل الإسلام، وما هي إلا مسألة وقت ليُمكَّن للأمة بعون الله، من جديد في دولة مهيبة عظيمة تعيد سيرة الأولين من الصحب الكرام والمجاهدين العظام. ومع إحساسنا بألم المرحلة وصعوبة الواقع إلا أننا نتلمس اقتراب الأمة من حسم الصراع مع الغرب، ونتيقن بأنها قادرة على حسمه لصالحها بإذن الله تعالى وذلك لأن الأمة اليوم أكثر وعياً على إسلامها، وتريد الحكم بالإسلام فقد عرفت الأمة عدوها، وتريد الوحدة، وترفض الفرقة والتشرذم، كما أنها أسقطت الخوف من حساباتها فهي لا تخشى أعداءها.


وفي ظل هذه الظروف الصعبة وُجد من أبناء الأمة وعلمائها ثلة واعية ألا وهو حزب التحرير الذي حمل الدعوة إلى الإسلام، وإلى العمل لإقامة الخلافة، وأعد لتطبيقها دستورا، وتفصيلات في الأنظمة والأجهزة، كما أن الأمة تملك الثروات والقوى البشرية الكافية، كما قام حزب التحرير بالعمل في الأمة ومعها لإعادتها لسابق عهدها خير أمة أخرجت للناس بإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، ومع ارتفاع الوعي الإسلامي في الأمة شعر المستعمرون أن المعركة لم تحسم بعد بزوال حكم الإسلام، فما زال الإسلام في نفوس المسلمين قوياً وعصياً على الكسر، وما زالت المحاولات الجادة لإنهاض الأمة الإسلامية قائمة على قدم وساق يقوم عليها ويقودها حزب التحرير، فتجد شبابه في كل ميدان يعيدون الأمل بحكم الإسلام والثقة بأحكامه وأفكاره، وبهدم صروح العلمانية، ويكشفون مؤامرات المستعمرين الأعداء.


وختاماً، فإننا نلمس قرب الأمة من وعد ربها يوم تحسم الصراع مع الغرب لصالحها بعودة الإسلام إلى واقع الحياة، ونلمس اقتراب قيام دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، كما ونتشوق لأن تترعرع في ظلال دوحتها ورعاية وعدل خليفتها. واللهَ نسأل أن يجعل ذلك اليوم قريباً، وما ذلك على الله بعزيز، وما النصر إلا من عند الله، ويومئذ يفرح المؤمنون.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الله القاضي – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر