العمل السياسي لا يكون منتجاً إلا إذا كان على أساس الإسلام العظيم
February 23, 2021

العمل السياسي لا يكون منتجاً إلا إذا كان على أساس الإسلام العظيم

العمل السياسي لا يكون منتجاً إلا إذا كان على أساس الإسلام العظيم


تمر علينا ذكرى أليمة في هذا الشهر، شهر رجب الأغر، وقد أكملت الذكرى المائة عام على هدم دولة الخلافة في رجب 1342هـ، فهي لم تكن مجرد حدث تاريخي مرّ وانتهى دون أثر، بل ظلت تبعاته الكارثية يعيشها العالم بعامة، والأمة الإسلامية بخاصة في مختلف جوانب حياتهم، ظلماً وإفقاراً، ونهباً لثرواتهم، وترهيلاً، وعبثاً بمناهج التعليم، وتشريداً، وذلاً، وتمزيقاً لبلاد المسلمين الممزقة، كل هذه الأعمال يمارسها عدوها الذي هدم دولتها، وسار على نهجه المستعمرون الجدد بمساعدة الحكام في بلاد المسلمين وتواطؤهم معه.


ولتغيير حال الأمة والخروج من هذا الانحطاط والتدمير الممنهج، لا يكون البحث عن الآثار التي يعيشها الناس الآن. واختلافها على أنظمة ثار الناس عليها قبل سنوات بعد انطلاق ما يسمى الربيع العربي، وما ظل يردده البعض من الحنين إلى الأنظمة السابقة التي أطيح بها. هذا الحنين هو نتيجة لسوء الحكومات الجديدة وتفوقها على الحكومات البائدة في الإجرام والظلم. ولا نتحدث عن أعمال سياسية تكون مجرد ردة فعل أو حماس أو هتافات فارغة المحتوى من حيث الفكر والقناعات سرعان ما تبرد وتنتهي بإزاحة رأس النظام، ليجد الناس أنفسهم أمام ظلم أشد، وإجرام أكبر، وتبعية أعمق للاستعمار، ينتهي بالناس إلى الحيرة والجمود واليأس عن التغيير، بعد أن خاضوا غماره، وتحملوا الضرب والركل والقتل في سبيل الوصول إليه، فيجدوا أن النتيجة أن كل ما تغير هو إحلال عميل مكان عميل آخر.


أما لماذا حدث كل ذلك؟ فلأن العمل السياسي كان عبثياً تخديرياً، من جنس واقع الأنظمة نفسها التي ثار الناس عليها، ولم يكن عملاً مصحوباً بفكر تغييري منتج، يحمل في طياته بذور النهضة. إذن فكيف يكون العمل منتجاً يحدث أثراً في التغيير؟


فالتغيير يحتاج إلى فكر صالح يغير به، ويحتاج طريقا واضح المعالم يوصل هذا الفكر إلى سدة الحكم، ويحتاج إلى همة وعزيمة لا تلين، فلا يستطيع أحد أن يخدع الناس بغيره، أو يثبطهم، أو يضللهم. فكيف السبيل إلى ذلك؟


إن المسلمين، وحتى يقدموا عملاً سياسياً منتجاً فعالاً يوجد التغيير الحقيقي، فلا بد أن يكون ذلك على أساس العقيدة الإسلامية، وما انبثق عنها من أحكام لتنظيم كافة شئون الحياة في الحكم والاقتصاد والتعليم والنظام الاجتماعي، والقضاء، والسياسة الخارجية، وكافة شئون الدولة، إذ إن ما دونها ظلم وفساد وطغيان، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وهو من حكم الجاهلية، يقول تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وذلك بأن يعرف الناس هذه الأحكام فتصبح مطلباً لهم، ويخاطب بها من هم أهل القوة والمنعة في بلاد المسلمين لينصروا هذا المشروع، فهو دينهم، وبه عزهم ونهضتهم، ومرضاة ربهم، وهذا يوجب أن يقوم الساعون للتغيير بتبني هذه الأحكام، ومعرفة تفاصيلها ليوجدوها في أذهان الأمة، ويصارعوا بها كل ما يخالف الإسلام من أفكار وأنظمة، فيكون هذا هو عمل الأمة والأحزاب والجماعات التي تعمل معها وتسعى لإنهاضها، كيف لا وهي أمة جعلت خيريتها بالقيام بهذه الفريضة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.


وهي أمة حدد لها الشرع شكل العمل السياسي والحزبي المنتج، وهو أن العمل السياسي ليس نفاقاً، ولا تآمراً على البلاد والعباد، وليس خضوعاً للكافر المستعمر ولا قبولاً بمساومات يُتخلى بها عن أحكام الإسلام، ولا مصافحة للقتلة والمحتلين، بل خيوطه الشرع: قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وقد عدّ رسول الله ﷺ ترك هذا الأمر موجباً لعدم استجابة الدعاء: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُوُنَّهُ وَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ»، وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغيرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ»، وبناء على ذلك تنطلق الأمة والجماعات تنقب في الواقع فتنظر إلى المعروف الذي تُرِك فيؤمر بإقامته، والمنكر الذي تفشى، وما أكثر المنكرات، فيُنهى عنها.


نجد أن الظلم والدمار الاقتصادي والقروض الربوية التي أصبحت شراكاً لتمرير أجندات الكفار المستعمرين في بلاد المسلمين، ومن ثم روشتات صندوق النقد الدولي التبريرية القاضية بتخفيض أسعار العملة، وسياسات ما يسمى برفع الدعم عن السلع كالوقود والغاز والكهرباء والقمح والدواء وغيرها، والتآمر على ما تبقى من وحدة البلاد، بإثارة الصراع على أساس قبلي وجهوي، والتغيير المستمر الذي يطال مناهج التعليم، وطمس الأحكام الشرعية المتعلقة بالنظام الاجتماعي، الذي ينظم علاقة الرجل بالمرأة، لتؤسس على المفاهيم الغربية التي تفسد الرجل والمرأة، وتقضي على العفة والطهارة وتدمر الأسر تحت لافتة مساواة المرأة بالرجل، وما يسمى بحقوق المرأة والطفل. وتبني الاتفاقيات التي تقنن للفجور كاتفاقية سيداو وأخواتها. والتدخل السافر في شئون الأمة الداخلية لدرجة استدعاء بعثات أممية سياسية لتحكم البلاد بشكل مباشر، كما في حالة السودان.


كل هذه منكرات تسببت في كل هذه المشاكل والخراب في بلاد المسلمين، ورأس كل هذه المنكرات هو الحكم بغير ما أنزل الله، متمثلاً في الأنظمة العلمانية، مدنية كانت أو عسكرية، أو ملكية التي حلت محل الخلافة التي هدمها الكفار المستعمرون وعملاؤهم من خونة العرب والترك.


إذن رأس كل هذا الشقاء ووجود هذه المنكرات وما تفرع عنها، هو بعد إزالة نظام الخلافة الذي فرضه الله سبحانه، وأجمع الصحابة على أن لا يبيت المسلمون ليلتين وأيام ثلاثة بدون خليفة يطبق فيهم شرع الله، فإن لم يفعلوا ذلك ويسعون جاهدين لإزالة هذا المنكر العظيم فإنهم آثمون، ونحن خير أمة أخرجت للناس، أمة عدل وشاهدة على الأمم بهذا الحق والنور الذي أنزله الله تعالى هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فإذا بالأمة تتخبط يمنة ويسرة في البحث عن الحلول عند الكافر المستعمر، دون أن تلتمس الخير في هذا الوحي المبين، والواجب أننا شهداء على الناس بحملنا هذا الخير لهم لينصلح حالهم، والواقع أننا لم نطبقه، ولم نهتد به فضلاً عن أن نحمله للآخرين لإخراجهم من الظلمات إلى النور.


إن إزالة الخلافة هو المنكر الذي أفسد به حياة الأمة الإسلامية، في شكل الحكم وكيفية الوصول إليه، فأصبحت الأمة لا تحكم بالشرع، ولا تُمَكّن من اختيار حاكمها عن رضا واختيار كما أمر الشرع، وكما بايع أهل المدينة رسول الله ﷺ حاكماً، وكما بايع الصحابة الخلفاء الراشدين، فذلك حق جعله الشرع للأمة، يقول النبي ﷺ: «مَنْ بَايَعَ إِمَاماً، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ»، فلما أزيل هذا المفهوم عن الأذهان، أصبح الكافر المستعمر هو الذي يفرض على الأمة من يحكمها، ممن يطبق أجندة المستعمر ويطبق أنظمته، عسكريين كانوا أم مدنيين، ويصور عن طريق الإعلام المأجور أن هؤلاء هم من تريدهم الأمة زوراً وبهتاناً، فأصبح سلطان المسلمين ليس بأيديهم، فيجب إزالة هذا المنكر حتى يعود السلطان بيد الأمة تختار من تبايعه ليحكمهم بشرع ربهم دون فرضه من مخابرات الدول الاستعمارية عبر سفاراتها.


هذه الخلافة التي لم يعد لها وجود منذ مائة عام، ليست حادثة تاريخية عابرة، بل هي أحكام شرعية فرضها رب العالمين، وتأثم الأمة بتركها، ويعاقب على القعود عنها أشد العقاب، كيف لا وهي الفرض الذي تقام به كثير من الفرائض، وتزال به كثير من المنكرات، فكان حقاً على المسلمين الأتقياء أن يشمروا عن سواعد الجد ليرفعوا كاهل الإثم عن أعناقهم بالعمل لها. يقول عليه الصلاة والسلام: «وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».


إن الأمة فيها حشد من الرجال والنساء، وفيها الطاقات من الشباب المتحمس للتغيير، فقط ينقصهم الطريق الواضح، والخط المستقيم الذي يرسم لهم بجانب الخطوط المعوجة، شكل التغيير الجذري الحقيقي الذي يعالج القضايا بوحي السماء من عند الخبير بإصلاح المجتمعات والأمم، وكيفية النهوض بها، اللطيف فيما شرعه لعباده، كيف لا والشباب هم وقود حركة التغيير على مر التاريخ القديم والحديث لما يملكون من طاقات، وقد كان في تاريخ المسلمين من الشباب ممن كان لهم أثر واضح في قضايا الأمة الإسلامية، فكانوا قادة كأسامة بن زيد، وجعفر الطيار وغيرهما، وكان منهم عظماء فاتحين كطارق بن زياد فاتح الأندلس والقائد محمد الفاتح، الذي فاز بمدح الرسول الكريم ﷺ وجيشه الذي فتح القسطنطينية «فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ»، ومنهم محررون لبلاد المسلمين من دنس الصليبيين كسيف الدين قطز، والظاهر بيبرس وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم الكثير الكثير من شباب الأمة ورجالها.

كيف يكون هذا حالنا والأمة فيها من العلماء الذين كتب الله عليهم أن يقولوا الحق ولا يكتمونه، ولهم في المنابر ما يحرك الأمة إلى التبصير بطريق النهضة، والعزة المتمثلة في أحكام الإسلام ونظام حكمه الخلافة، الفرض الغائب، وهم ورثة الأنبياء، فلتستعيدوا مكانكم في الصفوف الأولى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل لإعادة الخلافة تاج الفروض، وحث الناس على العمل لها، كيف لا ولكم في سلفكم من العلماء ما تحفظونه مما قالوه عن الخلافة ووجوبها، ومنها على سبيل المثال ما قاله هؤلاء العلماء:


- الجرجاني: "نصب الإمام من أتم مصالح المسلمين وأعظم مقاصد الدين".


- ابن تيمية في مجموع الفتاوى والسياسة الشرعية: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين فلا قيام للدين إلا بها".


- الهيثمي في الصواعق المحرقة: "اعلم أيضاً أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله ﷺ".


- ابن خلدون في المقدمة: "إن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين".


- النووي في شرح صحيح مسلم: "أجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة".


هذا غيض من فيض مما قاله سلف هذه الأمة من علمائها الأبرار، فليكن علماء هذا الزمان مثلهم، يدافعون عن الحق ولا يرضون لأنفسهم الجلوس بعيداً عن قضية الأمة، وإعادة الحكم بما أنزل الله.


ختاماً: فليكن هذا هو طريق الأمة؛ الأفراد، والجماعات، والعلماء، والشباب، رجالاً، ونساء، القيام بالعمل السياسي على وجهه الذي حدده الشرع حتى يكلل هذا المسعى بالتغيير الحقيقي الذي يرضاه الله، فتنصلح به حياة الأمة، بل والبشرية جمعاء. إلى هذا الخير يدعوكم حزب التحرير لتؤازروه وتنضموا إلى ركب العمل إلى الخلافة معه، فهو قد أعد لها عدتها، وتبنى الأحكام اللازمة للتطبيق عند قيام الخلافة وللتغيير بها وبطريقها قبل قيام الخلافة، فهو واجب عليكم كما هو واجب عليه، وحينها ينزل الله نصره وبركته علينا جميعا بإذن الله سبحانه.

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الدكتور محمد عبد الرحمن – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر