الأندلس الفردوس المفقود من الفتح إلى السقوط
August 13, 2010

الأندلس الفردوس المفقود من الفتح إلى السقوط

بسمِ اللهِ والصلاةُ والسلامُ على من لا نبي بعده أُرسلَ مهداةً ورحمةً للعالمين سيدِنا محمدٍ المختارِ الأمين عليهِ أفضلُ صلاةٍ وأتمُّ تسليمٍ ، وبعد مستمعينا الكرام ، نلتقي وإياكُم وبإذنِه تعالى ومعَ سلسلةٍ جديدةٍ نطّلِعُ من خلالِها على عزٍ مفقودٍ وكرامةٍ ضائعةٍ، فكان لا بد من سبرِ أغوارِ هذا التاريخِ المجهولِ لدى كثيرٍ من المسلمين . فتاريخُ الاندلسِ ثروةٌ حقيقيةٌ من العلمِ ومن الخبرةِ ومن العبرةِ والتي لا بدَ أن نعتبرَ منها حتى لا نقعَ في نفسِ الأخطاءِ التي وقعَ فيها من سبقونا ، فتاريخُ الأندلسِ مضى في أكثرِ من ثمانِ مئةِ عام ، قامتْ فيه أممٌ وارتقتْ ، وفي الوقتِ نفسِه وَقَعَتْ أممٌ أخرى واندَثَرَتْ ، بَرَزَتْ فيهِ شخصياتٌ عديدةٌ، كعبدِ الرحمن الداخل وعبدِ الرحمن الناصر ويوسفَ بنِ تشفين وغيرِهم..

لذا سنقومُ من خلالِ هذهِ الحلقاتِ ببيانِ كيفةِ فتحِ الأندلسِ وكيفيةِ سقوطِها وما هي عواملُ السقوطِ؟ والتي لا بد من تجنبِ تكرارِها لتجنبِ تكرارِ السقوط .

فمن المعلومِ لدينا أن للهِ سنةً في خلقِهِ لا تتبدلُ ولا تتغيرُ ، فاللهُ سبحانَهُ وتعالى يقول : " فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً" (فاطر:43) سورةُ فاطر الآيةُ الثالثةُ والأربعون.


فهذا أمرُ اللهِ سبحانَه وتعالى قرَرَهُ في كتابِهِ وجعلَهُ من سنَنِهِ الثابتةِ، كثبوتِ درجةِ غليانِ الماءِ ودرجةِ تجمدِه وثبوتِ الحرقِ في النارِ والقطعِ في السكينِ وثبوتِ حاجةِ الإنسانِ إلى الطعامِ والشرابِ لاستمرارِ حياتِهم ، وإلا فقدهَا بفقدانِهِ إياها ، فهذهِ الأمورُ وغيرُها ثابتةٌ وستظلُ كذلك إلى يومِ القيامةِ ، وهذا الثبوتُ يؤديْ إلى ثبوتِ حياةِ الناسِ وبالتالي تستقيمُ أمورُهُم وتستقر، فاللهُ سبحانَه وتعالى وضعَ للإنسانِ والكونِ والحياةِ قواعدَ محكمةً وسُننًا ثابتةً.لا تتغيرُ إلى يومِ الدين.
كذلك وبالمثل فإن سننَ اللهِ تعالى في تغييرِ الأممِ هي سننٌ ثابتةٌ، فقد جعلَ اللهُ لتغييرِ الأممِ وتبديلِها من الفسادِ إلى الصلاحِ، ومن الصلاحِ إلى الفسادِ سنناً ثابتةً لا تتغيرُ.
فالقارئُ للتاريخِ المقلبُ لصفحاتِه يشاهدُ هذا الثبوتَ في تلك السننِ، ويجدُ كيفَ أن التاريخَ يكررُ نفسَهُ بصورةٍ عجيبةٍ، فيظنَّ نفسَهُ حين يقرأَ أحداثاً حدثت منذ ألفِ عامٍ أو أكثر، وكأنها هيَ هيَ، نفسُ الأحداثِ التي تتمُ في هذا الزمن، مع اختلافٍ فقط في بعضِ الأسماءِ أو المسميات.

والمؤمنُ الحصيفُ لا يقعُ في أخطاءِ السابقين، والمؤمنُ العاقلُ الواعيْ هو الذي يكررُ ما فعله السابقون من المحامدِ والإيجابيات، فيفلحُ بفلاحهِم واقتدائِه بهم، وهو نفسُه الذي لا يقعُ في أخطاء ِمن عارضَ منهجَ اللهِ سبحانه وتعالى، أو وقع في خطأٍ مقصودٍ كان أو غيرَ مقصود.

وقبل البدءِ في تاريخِ الأندلسِ ، كان لا بدَ من وَقْفَةٍ ولو يسيرةٍ على أمرِ الجهادِ وتعريفِه ، فمسألةُ الجهادِ من المسائلِ التي هاجمنا الغربُ من خلالِها ، وهبَّ المسلمون للدفاعِ عنها وكأنَها تهمةٌ تَلْحَقُ بالإسلامِ وأهلِه ، مما زادَ الطينَ بِلَّةً ، وأدى هذا الدفاعُ إلى الإساءةِ لأحكامِ الشرعِ وتأويلِ نصوصِهِ تأويلاً لا تحتملُهُ ، فأدى إلى الخطأِ بلِ الضلالِ .

فقالوا: إن الجهادَ هو للدفاعِ عن النفسِ ، وهمشوا تماماً بقصدٍ أو دون قصد مسألةَ جهادِ الطلبِ ، والذي لا تنتشرُ الدعوةُ إلا بِِهِ ، بل إنهُ الطريقةُ الشرعيةُ الوحيدةُ للدعوةِ إلى الإسلامِ.

والجهادُ هو بذلُ الوسعِ في ساحةِ القتالِ ، وأيضاً هو إزالةُ جميعِ الحواجزِ الماديةِ التي تمنَعُ انتشارَ الإسلام ، فالإسلامُ هو الدينُ الخاتَمُ، وهو كلمةُ اللهِ الأخيرةُ إلى الناسِ، وقد كلّفَ اللهُ هذهِ الأمةَ - أمةَ الإسلامِ - أمرَ نشرِ هذا الدينِ في ربوعِ العالم، وتعليمِ الناسِ كلِّ الناسِ مُرادَ ربِهم عزَّ وجلّ الذي أنزلَهُ على نبيِهِ خاتَمِ الأنبياءِ صلى الله عليه وسلم.

وقد جعلنا اللهُ سبحانَه وتعالى -أمةَ الإسلامِ- أمةَ الشهادةِ على باقيْ الأممِ ، قال سبحانه وتعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً" البقرة:143.

والطبيعيُّ أن يكونَ هناك من يمنعُ ويصدُّ، ويقفُ بكلِ ما أوتيَ من قوةٍ حائلاً بين حملةِ الدعوةِ وبين مَن يرادُ توصيلُ الدعوةِ إليهِم؛ وذلك لأنَهُم- وهمُ الحكامُ- مستفيدون من عبادةِ هؤلاءِ الناسِ لغيرِ اللهِ سبحانه وتعالى، فإذا حَكمَ شرعُ اللهِ انتقلتِ الحاكميةُ من هؤلاءِ الناسِ- الحكامِ- إلى اللهِ سبحانه وتعالى وهم لا يريدون ذلك، ومن هنا سيقفون أمامَ الدعوةِ بجيوشِهِم وسيوفهِم، ولن يجد المسلمون إلا أن يقفوا أيضا أمامَهُم بجيوشِهم وسيوفِهم حتى يحموا الدعوةَ إلى اللهِ سبحانَه وتعالى.

ومبدأُ الإسلامِ هو مبدأٌ شاملٌ كاملٌ ليسَ فيهِ ثُغُراتٌ وليس فيه ما نستحيْ منهُ أو نُخفيهِ عن الآخرين، فهو من عندِ اللهِ عزَّ وجلّ، بتعاليمِهِ ، وكيفيةِ تنفيذِ هذه التعاليم ، ووجبَ نشرُ هذا المبدأ ، ونشرُهُ يتمُّ بالدعوةِ والجهادِ ،، فهذا أمرُ اللهِ ووجبَ علينا التنفيذُ، كما نفذَ أجدادُنا الذين حملوا الإسلامَ طيلةَ أربعةَ عشرَ قرنا من الزمان

فهذهِ دولةُ فارسَ والتي تشملَ الآنَ: العراقَ وإيرانَ وباكستانَ وأفغانستانَ وكلَ دولِ الاتحادِ السوفيتي الجنوبيةِ والتي تمثلُ أكثرَ من خمسةَ عشرَ إلى ستةَ عشرَ [تمثل ماذا- المدقق]من جملةِ الاتحادِ السوفيتي السابق، كلُ هذهِ البلدانِ من هذهِ الدولةِ الفارسيةِ أسلمتْ ودخلَها المسلمون عن طريقِ الفتحِ الإسلاميِّ العسكري، بالجيوشِ والجهادِ والاستشهادِ والحروبِ المريرةِ لسنواتٍ طويلة، ومثلُها أيضا دولةُ الرومِ، وكذلكَ بلادُ الشامِ التي تشملُ فلسطينَ والأردنَ وسوريا ولبنانَ وأجزاءً من جنوبِ تركيا، بالإضافةِ أيضا إلى بلادِ آسيا الصغرى، كلُ ذلكَ فُتِحَ بالجهادِ في سبيلِ اللهِ، دولةُ الرومِ فُتحت فتحا عسكريا، وليسَ فتحُ القسطنطينيةِ خافيا عن العيون، وكذلكِ أيضا كلُّ بلدانِ شرقِ أوروبا، وكان منها على سبيلِ المثال: بُلغاريا واليونانُ ورومانيا والمجرُ وتشيكوسلوفاكيا وأجزاءٌ من النمسا ويوغوسلافيا بكاملِها وقبرصُ ومالطا، كلُ هذه البلدانِ فُتحت بالجهادِ في سبيلِ اللهِ في زمنِ الخلافةِ العثمانية، وعاشَ فيها الإسلامُ رَدّحا من الزمن، ثمَّ ما لبثَ أن اختفى منها.، بسقوطِ دولةِ الإسلام

وأيضا دولُ شمالِ إفريقيا كلُّها فُتحت بالجهادِ في سبيل ِالله، ابتداءً بمصرَ ومرورا بليبيا ثم تونسَ ثم الجزائرِ ثم المغربِ، ومثلُها أيضا دولُ وسطِ وغربِ إفريقيا فتحت بالجهادِ في سبيلِ الله.

والناظرُ للفتوحاتِ الإسلاميةِ التي حصلتْ ، وتلكَ الحروبِ التي يشنُها الغربُ الكافرُ على الإسلامِ وأهلِه ، يرى البونَ الشاسعَ بين أهدافِ الفتوحات ، وأهدافِ تلك الحروب ، رغم ادعاءاتِهم بأنهم يريدون نشرَ السلامِ وتحقيقَ الحريةِ والطمأنينةِ وتخليصَ الشعوبِ من ديكتاتورية حكامِهِم ، نجدُهُم يقتلونَ النساءَ والأطفالَ والشيوخَ دون رحمةٍ ، يهدمونَ البيوتَ يحرقونَ كلَّ شيءٍ أمامَهم ولمْ يسلمْ منهمُ الحجرُ والشجرُ .

فالمسلمون دخلوا البلادَ لينشروا فيها العدلَ والرحمةَ ودينَ الحقِ ويعبِّدوا الناسَ لربِ العالمين، علّموا فيها الناسَ دينَهم وهَدَوْهُمْ إلى طريقِ ربِهم ، عملوا على نشرِ العلمِ والدينِ والرحمةِ والعدلِ في ربوعِ العالمِ أجمع.

أما الغربُ الكافرُ فلم يدخلِْ البلادَ إلا لاحتلالِها ونهبِ ثَرَواتِها وخيراتِها والقضاءِ على المسلمين أطفالاً ونساءً وشيوخاً.

ففي فلسطينَ سمعنا عن كلِّ الموبقات التي فعلها ومازالَ يفعلُها يهودُ هناك ، وكذلك الأمرُ في العراقِ وأفغانستانَ ، وسابقاً سمعنا عن أفعالِ الصربِ في البوسنةِ والهرسكِ وفي كوسوفا حين قُتِل مِائَتَا ألفٍ أو أكثرُ في واحدةٍ من الاثنتين وقاموا بهتكِ عِرْضِ خمسينَ ألفَ فتاةٍ مسلمة، ولا ننسى اجتياحَ روسيا للشيشانِ وكذلك أفغانستانَ وتدميرَ المنشآتِ المدنيةِ في هذهِ البلاد، وقتلِ المدنيين ليلَ نهار.

كلُّ هذهِ الأفعالِ وأكثرُ باسمِ الديموقراطيةِ ونشرِ الحرية ، فعن أيةِ حريةٍ يتكلمون,,,؟؟!!
إن تاريخَ المسلمين مليءٌ بصَفَحاتِ الشرفِ والعزةِ والمجدِ، وهؤلاء إنما يريدونَ تغييرَ هذه الصَفَحاتِ المشرقةِ عن عَمْدٍ؛ حتى يشعرَ المسلمون بشيءٍ من الاستحياءِ تُجاهَ تاريخِهِم، وإنما التاريخُ الإسلاميُّ صَفَحاتٌ بيضاءُ ناصعةٌ، يشرّفُ كلَ المسلمين ويُعْلِيْ من قدرِهِم، وإنما الاستحياءُ كلُّ الاستحياءِ يجبُ أن يكونَ من أدعياءِ الحضارةِ والمدنيةِ وفُعّالِ الفحشِ والموبقات.

نكتفي بهذا القدرِ ، ونعود إليكُم بإذنه تعالى الأسبوعَ القادمَ وحَلْقةً جديدةً من حَلَقاتِ (الأندلسُ المفقودُ من الفتحِ إلى السقوطِ) نتعرف من خلالِها على بلادِ الأندلس ، فإلى ذلكَ الحين ، أستودعُ اللهَ دينَكُم وأمانتَكُم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم null

تعمل الحكومة الكينية من جهة والمنظمات والجمعيات النسوية في كينيا من جهة أخرى على قدم وساق، في سباق مع الزمن، لتحقيق أهداف الألفية التي وضعتها الأمم المتحدة لبلدان العالم، آملة في الوصول للنمو والتقدم المنشودين. ويتمركز هذا العمل حول تحقيق المساواة الفعلية بين الجنسين في كافة المجالات، وإدماج المرأة بشكل كامل في كافة مؤسسات الدولة وجعلها شريكاً فعالاً في الاقتصاد والتنمية. وبينما تتباهى الحكومة وهذه الجمعيات بما تم تحقيقه من مكاسب، تتأمل فتاة صغيرة كسيرة أطلق عليها الإعلام المحلي اسم "ليز" من مقعدها المتحرك هذا الصخب وتلك الشعارات الرنانة والوعود الكاذبة بمستقبل أفضل للمرأة في كينيا، وشتان بين ما يدّعونه والواقع المرير الذي تعيشه "ليز" والكثير من نساء وفتيات هذا البلد الذي يصور كنموذج لبلدان القرن الأفريقي.


لا شك أن هذه الصورة البراقة للمرأة في كينيا تتناقض مع ما تنقله وكالات الأنباء عن أوضاع المرأة في كينيا، مثل الخبر الذي أورده الموقع الإنجليزي لمؤسسة تومسون رويترز نقلاً عن الديلي نيشن بتاريخ 28-10-2013 حول تعرض فتاة كينية في السادسة عشر من عمرها لاغتصاب جماعي وحشي من قبل ستة رجال أدى لعاهة مستديمة وضرر في العمود الفقري، وقد ألقى المجرمون بالفتاة في جارور مرحاض عام عمقه 6 أمتار بعد القيام بفعلتهم الشنيعة التي يعجز القلم عن سرد تفاصيلها. وقد ألقت الشرطة القبض على ثلاثة من الذئاب البشرية بعد تعرّف الفتاة عليهم، فما كان من الجهات الأمنية إلا أن أفرجت عنهم بعد أداء عقوبة بتقطيع عشب الحديقة الملحقة بقسم الشرطة!


لم يفاجئ هذا الخبر المتابعين لأوضاع المرأة في كينيا التي تتميز عن الدول المجاورة لها بانتشار العنف وخصوصاً العنف الموجه ضد المرأة، بينما تصل حالات الاغتصاب في العشوائيات لمستويات وبائية (تقرير منظمة العفو الدولية 2010)، وقد اعتاد أهل كينيا لسنوات رؤية ملصقات في الشوارع كتب عليها "احذري من الذئب البشري، لا تكوني آخر ضحايا الاغتصاب.. كل 30 دقيقة تغتصب امرأة في كينيا". وتنتشر جرائم الاغتصاب في أرجاء البلاد في ظل عادات ومعتقدات مهينة للمرأة ومجتمع مادي تسوده قيم النفعية والاستهتار بالضعفاء، فيما تهيمن الرأسمالية مصطحبة معها كالعادة قانون الغاب؛ حيث يُغيب صوت الضمير ويستبدل به صوت جهوري ينادي صاحبه "لا مجال للتردد طالما ستنفذ من العقوبة"!! شاعت الجريمة وعم البلاء حتى اعتاد الناس عليها ولم ير البعض فظاعة في هتك الأعراض وارتكاب جرائم العنف ضد النساء. ومما يدل على مدى هذا التهاون ما ذكرته الصحيفة الكينية أن أستاذ أحد المغتصبين اللذين تعرفت عليهم الفتاة "ليز" طلب من صاحب الشرطة تأخير القبض على الطالب حتى ينتهي من امتحاناته، وقد لبّت الشرطة هذا الطلب مما أعطى المتهم فرصة للتخفي. ولا يزال المغتصبون طلقاء يهددون حياة ضحيتهم ويتحينون الفرصة للفتك بغيرها.


بالرغم من المؤتمرات المعقودة والشعارات البراقة وتجميل الحكومة للصورة، تشعر النساء بعدم الأمان والغضب من فساد الشرطة وتهاونها في معاقبة المجرمين وكأنها تشجع على المزيد من الانتهاكات. هذا الغضب نتج عن سلسلة من القضايا التي أبرزت سلبية المجتمع وتهاونه في حماية المرأة ونتج عنها حملة شعبية منددة بقضية الفتاة "ليز" التي وصفت "بأسوأ عقوبة على جريمة اغتصاب". وقد نادى بعض النشطاء لوقفة جادة حتى تكون قضية ليز حدًّا فاصلاً ونهاية لهذه المهازل، وقد لاقت هذه المبادرة تجاوبا كبيرا؛ حيث وقّع أكثر من مليون ومائتي ألف شخص على عريضة تطالب باعتقال ومحاكمة ثلاثة مشتبهين، على خلفية اغتصاب جماعي للصبية "ليز". ويزعم البعض أن الحكومة ستلبي مطلبهم، ولكنهم يتناسون المفارقة الكبرى في قضية "ليز" وغيرها.. حيث إن الرئيس الكيني أوهورو كينياتا ونائبه وليام روتو يواجهان تهماً من محكمة الجنايات الدولية بتدبير أعمال عنف وقتل وجرائم اغتصاب عقب الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2007 في كينيا. حيث أسفرت هذه الجرائم المروعة عن مصرع أكثر من 1200 شخص وتهجير 600 ألف من مساكنهم. إن المرأة بحاجة لمن يحميها من هذه الحكومة، فكيف تحتمي بها؟؟ المشكلة ليست في كيفية معاقبة أفراد مستهترين في جهاز الشرطة أو تغيير بعض الأفكار السلبية عن المرأة، إن المشكلة أعمق وأكبر من ذلك وتحتاج لتغيير جذري. مشكلة "ليز" وغيرها متشعبة ومتشابكة وتستدعي نظرة متكاملة للفرد والمجتمع والدولة.


تعيش كينيا كغيرها من البلاد المنكوبة بالقوانين الوضعية؛ حيث تتفاقم الهوة بين الواقع المرير وما توهمنا به هذه الحكومات الفاشلة والمنظمات والجمعيات من دعوات براقة لدمج المرأة في العملية السياسية وتفعيل دورها في الاقتصاد بقصد تحقيق الرقي. فهم يشغلون المرأة بتحقيق أهداف الألفية وهي في أمسّ الحاجة للأمن والأمان.. إنه ذرٌّ للرماد في العيون. يسحرون أعين الناس ويصورون لهم أن الرقي يكمن في تقلد المناصب العليا بينما لا تجرؤ المرأة على السير في الشارع دون أن يتعرض لها من في قلبه مرض! ثم أية أهداف تُرجى من أنظمة تؤذي شعوبها للوصول لسدة الحكم؟! إنه السراب بعينه.


كلما سمع المرء بقصص "ليز" وأخواتها خنقته العَبرة وهو يقول: ما أحوج البشرية لنظام الإسلام، ما أحوج المرأة للعيش في ظل حكمٍ رشيد يحفظ كرامتها ويوفر لها الأمان. هذا الأمان لا يتحقق بمناصب سيادية لبعض النسوة ولا بشعارات براقة ووعود كالسراب من منظمات لها مآرب أخرى ولا تكترث لدماء وأعراض أهالي المستعمرات. إن هذا الأمان غائب بسبب غياب فكر رباني يحمي المرأة وينظر لها كعرض يجب أن يصان، فتركز الدولة هذا الفهم في رعاياها وتوجد رأياً عاماً يحمي المرأة ونظاماً يردع كل من تسول له نفسه المريضة بأن يتطاول على أعراض الناس؛ وبهذا تتحقق الحماية الفعلية للمرأة على المدى الطويل. أما ما دون ذلك فلا يسمو لطموح المرأة كإنسان يقدم الأمن على ما سواه من مكاسب ويتوق للعيش بكرامة وعزة. ما سواه لا يعدو كونه عِصيَّ سحرة فرعون في اللحظة الفاصلة أمام عصا سيدنا موسى.


﴿قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُ‌وا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْ‌هَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ‌ عَظِيمٍ ﴿116﴾ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿117﴾ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿118﴾ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِ‌ينَ ﴿119﴾ وَأُلْقِيَ السَّحَرَ‌ةُ سَاجِدِينَ ﴿120﴾﴾



كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

في 30 سبتمبر 2013، أعلن رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، عن حزمة إصلاحات ديمقراطية جديدة في البلاد. وكان أحد أهم التغييرات التي جاءت في الحزمة هو الرفع الجزئي للحظر القمعي للخمار (غطاء الرأس) عن موظفات القطاع العام في المؤسسات العامة، والذي تعرضت له النساء المسلمات لعقود عدة. وقد قدم رئيس الوزراء التوضيح التالي: "سنرفع الحظر المفروض على ارتداء الخمار في المؤسسات العامة عن طريق تغيير قانون اللباس. إن قانون "الهندام العام" الخاص بالموظفين العاملين في القطاع العام، تضمن بنودًا تقيد من حرية كل من النساء والرجال. وهو ما يعدّ انتهاكًا لحرية الفكر والعقيدة، ولحقوق العمل، وشكلًا من أشكال التمييز. ويتم استثناء اللواتي يتعين عليهن ارتداء ملابس رسمية، بمن فيهن العاملات في القوات المسلحة التركية، والشرطة، فضلًا عن القاضيات والمدعيات العامات". وهذا يعني بقاء الحظر ساريًا على العاملات في الجيش والشرطة والقضاء.


قد يشعر البعض أن هذا سببٌ يستوجب تقدير النظام الديمقراطي العلماني في تركيا والثناء عليه. إلا أنه ينبغي علينا أن نتذكر أن هذا الحظر قد تم تنفيذه في المقام الأول في ظِل النظام العلماني، وأنه ظَل ساري المفعول لسنوات عديدة تحت النظام الديمقراطي في تركيا، والذي بموجبه أجبرت الآلاف من النساء المسلمات للكفاح من أجل التزامهن بفرض من فرائض الإسلام الواجبة عليهن. ولا يزال الزي الإسلامي تحت نفس هذا النظام الديمقراطي العلماني، ممنوعًا في مختلف قطاعات المجتمع التركي. كما أنه تحت هذا النظام نفسه قد صدر حظر الخمار والنقاب في كل من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا ودول علمانية غربية أخرى. فكيف يمكن لهذا الرفع الجزئي لحظر الخمار أن ينظر إليه باعتباره سببًا للاحتفال بالنظام الديمقراطي العلماني؟


فإذا كانت الديمقراطية نظامًا مفيدا حتى يتم تقديمه للنساء المسلمات، فلماذا تضطر الآلاف من النساء في الأنظمة الديمقراطية إلى الخروج إلى الشوارع والكفاح من أجل حقوقهن؟ إن الديمقراطية هي النظام الذي يتم تفسيره وتطبيقه تمامًا وفقا لأذهان أصحاب السلطة، وبالتالي فهو نظامٌ عارٍ على الإطلاق من أية موثوقية أو نزاهة. وإذا كان ممكنًا باسم الديمقراطية ارتكاب الكثير من الظلم ضد المرأة المسلمة، فما الذي يضمن أن الديمقراطية لن يتم إعادة تفسيرها من قبل السياسيين في المستقبل من أجل سحب هذه الحقوق الأساسية التي منحت للنساء مرة أخرى؟ وإذا كانت الديمقراطية تمتلك البنية الأساسية لتوفير العدالة للبشرية، فهل هذا يعني أن النساء المسلمات اللواتي يعشن خارج تركيا، في معابد الديمقراطية في فرنسا وبلجيكا وروسيا وكندا والعديد من الدول الغربية الأخرى حيث يفرض حظر اللباس الإسلامي بالقوة، هن لسن جزءًا من الإنسانية؟ ففي ظل مثل هذه الدول الديمقراطية العلمانية، حرمت النساء والفتيات المسلمات من الحصول على التعليم الجيد، ومن العمل، والرعاية الصحية، وحتى القدرة على التحرك بحرية داخل مجتمعاتهن، وذلك لمجرد أنهن رغبن في ممارسة معتقداتهن الدينية الراسخة؛ بعد أن تم الحكم على حقوقهن بكل وضوح بأنها تافهة وعديمة الأهمية!


وعلاوة على ذلك، فإنه ينبغي علينا أن نفهم أن حزمة الإصلاحات الديمقراطية هذه، وكما هو واضح من اسمها، لا تهدف إلى الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، لأنها لا تزال تمنع النساء اللواتي يخدمن في القوات المسلحة التركية، وفي الشرطة والنظام القضائي من الالتزام بارتداء اللباس الذي أوجبه الله عليهن. وبالإضافة إلى ذلك، مع استثناء المدارس الثانوية الإسلامية، فإن الخمار للفتيات المكلفات شرعاً لا يزال محظورًا في جميع المدارس الأخرى. فإذا كانت هذه الحزمة الديمقراطية تجسد العدالة، فلماذا لم تشمل هذه العدالة هؤلاء النساء والفتيات أيضًا؟ وهذا يدل مرة أخرى على أن الديمقراطية هي نظام بشري مستند إلى القوانين الوضعية، وعلى هذا النحو فإنها تقف دائمًا في تناقض حاد مع نظام الله وستظل دائما معادية له. وعلاوة على ذلك، فإن النساء في تركيا الديمقراطية لا زلن يواجهن مستويات وبائية من العنف فضلًا عن الاستغلال الاقتصادي داخل مجتمعهن، وكذلك تعانين من معدلات الفقر المرتفعة والأزمات الاقتصادية، وهي المشاكل التي ما زالت لم تُحلّ لملايين النساء في جميع أنحاء العالم تحت النظام الديمقراطي العلماني. لذلك، فإن تقديم الرفع الجزئي لحظر الخمار من خلال هذه الحزمة الديمقراطية كما لو أنها قد رفعت القهر عن النساء المسلمات في تركيا واعتبارها نعمة موهوبة للمسلمين، هو خداعٌ ووهمٌ كاذب! وفي الواقع، فإن أي شيء آخر سوى التطبيق الكامل للإسلام سيؤدي حتمًا إلى ظلم المرأة والرجل على حد سواء، فالله سبحانه وتعالى يقول: ((وَمَن لَّمۡ يَحۡڪُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ)) [المائدة: 45]


وفوق ذلك فإن تركيا الديمقراطية، حتى في ظل حكم حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية، تبقى هي الدولة التي لا تزال فيها النساء اللواتي يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر ويعملن لإقامة حكم الله، وإعادة الخلافة، فتواجهن الاضطهاد والسجن. فلا هن، ولا أزواجهن، ولا إخوانهن، ولا آباؤهن أو أبناؤهن، سينالون أية فائدة من حزمة التحول الديمقراطي هذه. إن حزب التحرير، وهو حزب سياسي عالمي مبدؤه الإسلام ولا يستخدم العنف في عمله ويعمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة، فإنه ما زال محظورًا في إطار القانون الديمقراطي في تركيا. ولا يزال أعضاؤه يعتقلون بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية، على الرغم من أن أسلحتهم هي فقط أصواتهم والعبارات التي تدعو إلى التطبيق الكامل للإسلام.


ولذلك فإن هذه الحزمة الديمقراطية ليست أكثر من حبوب مسمومة؛ يجبر السكان المسلمون في تركيا على ابتلاعها، وهي تخدم فكرة الحرية الشخصية في حين تضع طاعة الله سبحانه وتعالى في آخر اهتماماتها. إن الرفع الجزئي لحظر الخمار تبعته حملة "10 مليون توقيع للخمار" التي بدأت في بداية عام 2013، وحملة العصيان المدني التي حصلت بدعم من اتحاد نقابة الموظفين العموميين ميمور سين منذ آذار/مارس من هذا العام. وبالتالي فإن الهدف من تمرير مثل هذه القوانين هو بكل وقاحة لإيهام المسلمين بأن حقوقهم بممارسة الأحكام الإسلامية يمكن تأمينها من خلال العملية الديمقراطية ونظامها، وأنه ليست هناك حاجة لتطبيق نظام الله سبحانه وتعالى في الحكم حتى يعيشوا حياة إسلامية جيدة أو لتنظيم شؤون دولتهم. ومع ذلك، فإن الشمس لا يمكن أن تغطى بغربال! فمقارنة نظام الله سبحانه تعالى المثالي والسامي في حماية وضمان مبادئ الإسلام وتنظيم شؤون البشر، بالنظام العلماني الديمقراطي المعيب والفاسد والذي يسبب تعاسة لا توصف للنساء والرجال، للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء، هو مثل مقارنة النور بالظلام. فالله سبحانه وتعالى يقول: ((وَمَا يَسۡتَوِى ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ (١٩) وَلَا ٱلظُّلُمَـٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ (٢٠) وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلۡحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسۡتَوِى ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٲتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٍ۬ مَّن فِى ٱلۡقُبُورِ (٢٢) إِنۡ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ)). [فاطر19-23] .


وعلاوة على ذلك، فإن حزمة الديمقراطية هذه لا تقدم أي حل للتعذيب والظلم والقهر، والذبح الذي تواجهه النساء المسلمات في جميع أنحاء العالم كما هو الحال في بورما وأفغانستان وفلسطين وكشمير وآسيا الوسطى، وباكستان، والصومال، وسوريا (جارة تركيا)، وهو واجب على هذه الأمة، وعلى أية دولة تمثل الإسلام حقًا أن تسرع في معالجته. ولكن بدلًا من ذلك، نرى استمرار الحفاظ على مبادئ تركيا القومية الفاسدة في البلاد؛ تلك المبادئ التي تجعل قادتها يديرون ظهورهم للمسلمين من الدول الأخرى في الوقت الذي هم في أمسّ الحاجة إليهم، ويعتبرونهم أجانب بدلًا من كونهم إخوة وأخوات لهم في الإسلام، فلا يحركون ساكنا لوقف إراقة دمائهم وإنهاء معاناتهم.


لذلك، فإنه بغض النظر عن عدد الحزم الديمقراطية القادمة، فإن هذا النظام لن يستطيع أبدًا أن يكون نظامًا عادلَا يزيل الظلم عن بنات هذه الأمة، أو يمكنهن من أداء كل الفرائض التي أوجبها الله عليهن والعيش وفقًا لأوامر خالقهن سبحانه وتعالى. والديمقراطية لن تكون أبدًا النظام الذي يوفر الحياة الكريمة لهذه الأمة، أو يحل المشاكل التي تواجها البشرية. وعلاوة على ذلك، فإن رمي الفتات لمسلمي تركيا لا يمكن أن يرضي رغبتهم في التغيير الإسلامي الحقيقي الذي يسعون إليه أو امتصاص غضبهم إزاء التقاعس عن حماية دماء أبناء أمتهم.


إن السبيل لحل مشاكل المرأة المسلمة وكل الناس لا يتوصل إليه من خلال الديمقراطية، بل فقط من خلال الإسلام. وفي الواقع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بقدوم مثل هذه الأنظمة غير الإسلامية وكيف ينبغي لنا أن نواجهها. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله». [الطبراني، المعجم الكبير، المعجم الصغير].


إن دولة الخلافة، وحدها التي يمكنها أن تضمن حق المرأة المسلمة في ممارسة عقيدتها الإسلامية وأداء جميع فرائضها وواجباتها الإسلامية، بما في ذلك الالتزام بلباسها الإسلامي - الخمار والجلباب - دون مضايقة، أو خوف أو تمييز، لأن الخلافة القادمة بإذن الله ستكون على منهاج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فقد أجلى صلى الله عليه وسلم قبيلة بنو قينقاع بأكملها، انتصارا لامرأة مسلمة. فالخلافة وحدها هي التي ستتعامل بأقصى درجات الحزم والشدة مع أي انتهاك لكرامة المرأة أو أي عمل من أعمال العنف أو الإساءة التي تضر بها، وتفرض عقوبات قاسية على كل من يعتدي عليها ويضر بها جسديًا أو يسيء لسمعتها. وستقوم الخلافة بحشد الجيوش للدفاع عن دماء وكرامة بنات هذه الأمة في سوريا وبورما وتحريرهن من الظلم الواقع عليهن. تمامًا كما فعل الخليفة المعتصم الذي أرسل جيشًا ضخمًا استجابةً لنداء امرأة مسلمة استنجدت به كانت قد اعتقلت وأهينت من قبل الرومان. فنظام الخلافة وحده هو الذي يلزم الحاكم أن يكون راعيًا لشعبه وبالتالي يتحمل الحاكم الأعباء الاقتصادية للمرأة على ظهره، ويضمن تمتعها بحياة آمنة ومستقرة ماليًا، وينقل لها المواد الغذائية بيديه إذا كانت جائعةً كما فعل الخليفة عمر بن الخطاب مع المرأة الفقيرة وأطفالها في المدينة المنورة. إنه فقط في ظل الخلافة يمكن للمرأة المطالبة بالعدالة دون التعرض للاضطهاد أو الإهانة أو الاعتقال، لأنها هي الدولة التي سوف تشجع النساء على أن يصبحن ناشطات سياسيًا، وستسهل عليهن، بدلًا من محاربتهن، أداءَ واجبهن الإسلامي في محاسبة الحاكم وستثمن آراءهن السياسية حق التثمين. ويعود هذا إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أحد الفرائض الأساسية التي أوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين والمسلمات القيام بها، قال تعالى: ((وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍ۬‌ۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ)) [التوبة: 71].


ولذلك فإن النساء في ظل الخلافة سيصبحن قادرات على المطالبة بحقوقهن التي منحهن الله سبحانه وتعالى إياها، وسيتم تكريمهن لأدائهن هذا الواجب وذلك كما كان أيام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فعندما أعلن عمر أنه يريد تحديد المهور، وقفت امرأة ورفعت صوتها أمام الملأ وانتقدت قرار عمر رضي الله عنه علانية، قائلة: "ليس ذلك لك يا عمر. كيف تقولها والله تعالى يقول: ((وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا)). فقال عمر: "أصابت امرأة وأخطأ عمر"، وتراجع على الفور عن قراره.


إن كل هذا مكفول وفقًا لقوانين الله سبحانه وتعالى، ولكن فقط من خلال تطبيقها بالكامل تحت النظام الإسلامي لدولة الخلافة، فإن هذا النظام وحده، الذي شرعه الله سبحانه وتعالى هو الذي يمكنه ضمان العدالة الحقيقية واتخاذ التدابير الحقيقية والفعالة ضد اضطهاد المرأة والبشرية جمعاء.


أخواتي العزيزات في الإسلام! إننا في حزب التحرير ندعوكن لدراسة كتبنا المفصلة الشاملة وكذلك مشروع دستور دولة الخلافة الذي أعده الحزب، لكي تدركن بالتفصيل مكانة المرأة وحقوقها في ظل حكم الإسلام. وإننا ندعوكن أخواتي العزيزات، وأنتن اللواتي ترغبن بصدق في الفلاح في الدنيا، وفي الآخرة، بأن تنأين بأنفسكن عن الأفكار والمفاهيم غير الإسلامية وعن تطبيق أي مبدأ غير الإسلام في حياتكن، وندعوكن بأن تعتصمن بحبل الله سبحانه وتعالى وتتبعن سبيله. قال تعالى: ((وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٲطِى مُسۡتَقِيمً۬ا فَٱتَّبِعُوهُ‌ۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦ‌ۚ ذَٲلِكُمۡ وَصَّٮٰكُم بِهِۦ لَعَلَّڪُمۡ تَتَّقُونَ)) [سورة الأنعام: 153].

أم خالد
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير