العنف في قرغيزستان ضد النساء والأطفال كوسيلة في مكافحة التطرف  أمر مستساغ في العالم الديمقراطي العلماني!
العنف في قرغيزستان ضد النساء والأطفال كوسيلة في مكافحة التطرف  أمر مستساغ في العالم الديمقراطي العلماني!

ليس سرا أن النظام القرغيزي ليس له علاقة كبيرة بالإسلام، بدلا من ذلك هو معروف بقابليته لروسيا وبوتين، والعداوة تجاه الإسلام والمسلمين. وعلى هذا النحو، اعتمدت المادة 299-2 من القانون الجنائي في عام 2010، التي تحظر حيازة مواد متطرفة وفقا لنموذج القانون الروسي لمكافحة التطرف. بما يليق بالطابع المغرض للحكام والسلطات القرغيزية،

0:00 0:00
السرعة:
August 27, 2020

العنف في قرغيزستان ضد النساء والأطفال كوسيلة في مكافحة التطرف أمر مستساغ في العالم الديمقراطي العلماني!

العنف في قرغيزستان ضد النساء والأطفال كوسيلة في مكافحة التطرف

أمر مستساغ في العالم الديمقراطي العلماني!

(مترجم)

ليس سرا أن النظام القرغيزي ليس له علاقة كبيرة بالإسلام، بدلا من ذلك هو معروف بقابليته لروسيا وبوتين، والعداوة تجاه الإسلام والمسلمين. وعلى هذا النحو، اعتمدت المادة 299-2 من القانون الجنائي في عام 2010، التي تحظر حيازة مواد متطرفة وفقا لنموذج القانون الروسي لمكافحة التطرف. بما يليق بالطابع المغرض للحكام والسلطات القرغيزية، تم وضع تعريف المواد المتطرفة بشكل غامض للغاية، وهو أساس التغييرات وفقاً لتصور ضباط التحقيق والمحامين ووزارة الشؤون الدينية في الدولة، وبالتالي يختلف في كل حالة فردية. وعادة ما تصنف السلطات المواد على أنها متطرفة بعد إجراء الاعتقال. وهكذا، من الشائع جداً في قرغيزستان أن يقوم رجال الأمن بتلفيق أو حتى زرع مواد في أثناء عمليات التفتيش، ثم يطلبون بدفع مبالغ لإنهاء التحقيقات. ومنذ عام 2013، تجرّم التعديلات التي أُدخلت على المادة 299-2 حيازة مواد تعتبر متطرفة حتى لو لم يكن لدى المتهم نية لنشرها، وحتى نفي حيازتها. وهكذا حُكم على مئات من المسلمين الأبرياء بالسجن لمدد تتراوح ما بين 3 و10 سنوات بتهم ملفقة بالتطرف والعنف. وأيضا من الشائع جدا التعذيب على يد موظفي إنفاذ القانون لانتزاع الاعترافات (لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب والمركز الوطني لقرغيزستان). ووفقاً لمنظمة رصد حقوق الإنسان، "وفي كثير من الحالات، استخدمت السلطات في قرغيزستان المادة 299-2 لسجن المشتبه بهم لمجرد سلوكهم غير العنيف، مثل حيازة مطبوعات أو أشرطة فيديو محظورة أو ممارسة أشكال محافظة تتعلق بالإسلام". وكشفت سجلات المحكمة التي استعرضتها هيومن رايتس ووتش بشأن 299 قضية، فضلاً عن الوثائق الحكومية، وتقارير وسائل الإعلام، ونشرات وسائل التواصل الإلكتروني حول مثل هذه الحالات، أن أياً من تلك المواد التي تصنفها الدولة على أنها متطرفة لم تتضمن عنفاً أو تحريضاً على العنف. ووفقاً لمسؤولين حكوميين، فإن الكثير من المواد المتطرفة التي عُثر عليها في حوزة أفراد حوكموا بموجب المادة 299-2 هي خطب وكتابات أخرى من حزب التحرير، وهو حزب سلمي يسعى إلى إقامة الخلافة في البلاد الإسلامية على أساس الشريعة الإسلامية. ويتبرأ حزب التحرير علناً من الجهود الرامية إلى تحقيق أهدافه بوسائل العنف. (تقرير من 78 صفحة من هيومن رايتس ووتش في 2018، "نحن نعيش في خوف دائم: حيازة مواد متطرفة في قرغيزستان").

وبعد توضيح ذلك، فإن الاعتقالات الأخيرة لثماني نساء مسلمات بريئات مسالمات في قرغيزستان لا ينبغي أن تمر دون أن يلاحظها أحد في العالم! فقد ألقي القبض على هؤلاء النساء لمجرد كونهن مسلمات. كما أنهن تعرضن لأساليب الدولة "غير القانونية" نفسها التي تعرض لها المئات قبلهن. وقام رجال الأمن بإذلالهن وإساءة معاملتهن أثناء التفتيش، وحرموهن من حقهن في ارتداء ملابسهن الإسلامية والحجاب. وزرعوا في بيوتهن مواد مشبوهة مختلفة لا تخص أياً من النساء المعتقلات. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أُسيئت معاملتهن، واحتجزن في الهواء الطلق في يوم ممطر وبارد لمدة تتراوح ما بين 6-12 ساعة في ظل ظروف كوفيد-19، مما أثر سلباً على جهاز المناعة لديهن وجعلهن عرضة للعدوى، وحرمانهن حتى من الأكل. ونتيجة لذلك، أصيبت إحدى السيدات، باكتيبيك كيزي محبت (29 عاما)، التي تعاني من حالة صحية تتطلب علاجا منتظما، مما اضطر إلى إدخالها المستشفى. هذه السيدة لديها أيضا طفلان صغيران في مرحلة ما قبل المدرسة يعتمدان على والدتهما. وبالمثل، فإن حالة مريم إسماعيلوفا، وهي أم لأربع بنات، تتراوح أعمارهن بين 6 سنوات و12 سنة. قد أُطلق سراحها لتوقيفها في المنزل، وتتوقع السجن في أي لحظة. وفي يوم اعتقالها كانت ألماجول أجومودينوفا (51 عاماً) ترعى حفيدتها المصابة بالشلل الدماغي. ونتيجة للاعتقال، أصيبت الفتاة، التي لم تتمكن حتى من الجلوس بمفردها، بنوبة صرع. واستجوبت إحدى النساء، وهي مامريكانوفا أمانجول، لعدة ساعات بينما كانت تعتني بابنها البالغ من العمر 4 سنوات والمصاب بمتلازمة داون والذي خضع لعملية جراحية في القلب مؤخراً. ولم يُسمح حتى لأرونوفا إركينجول (37 عاماً) التي ترعى والدها البالغ من العمر 90 عاماً ووالدتها البالغة من العمر 80 عاماً، التي تعرضت لسكتة دماغية مؤخراً وحالتها الخطيرة، برؤية أي شخص من أفراد أسرتها منذ اعتقالها. ولم تُقدّم هي وباكتيبيك كيزي محبت إلى المحكمة بعد، وهما محتجزتان في سجن فيه مصابون بوباء كورونا. أرخاجول أجومودينوفا (37 عاماً) أم لثلاث بنات وابن، يبلغون من العمر 2 و6 و9 و16 عاماً. مريم كاديرالييفا (34 عاماً) أم لطفلين يبلغان من العمر 5 و9 سنوات... وغيرهن الكثير في ظروف مماثلة.

وهذا بلا شك عنف بأشكال مختلفة تجاه هؤلاء النسوة وأطفالهن وآبائهن. بل هذا إرهاب الدولة في شكله الأكثر وضوحاً، بحجة التطرف! هذا العنف الذي يقوم به النظام القرغيزي يتسامح معه العالم الديمقراطي العلماني باعتباره وسيلة مشروعة في مكافحة التطرف!

ومن المؤكد أن هناك واجبا ومسؤولية على كل مسلم لرفع مستوى الوعي حول هذا الإرهاب الذي يقوم به نظام قرغيزستان. وفي مقدمة الأمر، من واجب كل السياسيات والناشطات في البلاد الإسلامية مثل تركيا، وخاصة السياسيات والوزيرات والناشطات في حزب العدالة والتنمية، اللواتي يناضلن بإخلاص من أجل الحقوق الحديثة للمرأة، واللواتي يتشبثن بالاتفاقات والحقوق الدولية للمرأة بأظافرهن وأسنانهن خوفاً من "فقدان كل المكاسب الديمقراطية للمرأة"، من واجبهن رفع أصواتهن ضد هذا العمل من أعمال العنف.

عزيزاتي الناشطات والسياسيات والوزيرات في البلاد الإسلامية، اللواتي يؤكدن على الدفاع عن حقوق المرأة المسلمة، إن المسلمين الأتقياء في قرغيزستان ليسوا سياسيين ذوي نفوذ، ولا ناشطين مشهورين؛ وهم لا يتمتعون بالنفوذ. ولا توجد نساء بمكاسب ومناصب حديثة مثلكن، لكن وجودهن البسيط وحده يشكل تهديداً لهذا النظام المتعصب والمتطرف. لا يحتجن إلى رفع إصبع لجذب انتباه القانون، لكن القانون يجد طريقه دائماً للوصول إليهن بكل قسوة، ومع ذلك فإن العالم ليس لديه علم بهذا العنف ضد هؤلاء النساء المسالمات!

لقد حان الوقت أن تستجوبوا أنفسكم، ومواقفكم، وألقابكم في ديمقراطياتكم الحبيبة! إذا كان حراس هذا النظام، الذي يكره الإسلام والمسلمين، يصفقون لكم، فعليكم أن تعترفوا بأنكم تقفون موقفاً خاطئاً، فإذا كنتم تتلقون إشادة البرلمانات الديمقراطية العلمانية ووسائل الإعلام، في حين إن أخواتكم المسلمات محرومات من حريتهن في الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم، وإذا عززت وسائل الإعلام العلمانية أصواتكم وآراءهم المؤيدة للمحادثات الغربية، بينما هم يشوهون صورة الإسلام ونسائه وقيمه وتاريخه؛ وإذا منحتكم أوروبا والغرب الدعم المالي لتنفيذ الاتفاقيات والمشاريع الدولية، وفي الوقت ذاته يحرمون أخواتكم من الوصول إلى المدارس العامة والأماكن العامة بملابسهن الإسلامية، فعليكم أن تشككوا في الأفكار التي تدعون إليها.

هؤلاء النساء المسلمات الورعات الصالحات، اللواتي لا يخضعن لأي شيء إلا لأوامر ربهن، اللواتي لا يقلن كلمة واحدة ضد رضا خالقهن، اللاتي ليس لديهن قول أو سلوك غير أخلاقي أو غير لائق، يُنتزعن من أزواجهن وأطفالهن وآبائهن بينما أنتم تفخرون باحترام الكفار، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مؤشر أنكم أنتم من يتعرض للإذلال، لقد آن الأوان لقلب الموازين.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زهرة مالك

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر