الأرض قاحلة تشتاق أن يغيثها الله بالخلافة
February 18, 2021

الأرض قاحلة تشتاق أن يغيثها الله بالخلافة

الأرض قاحلة تشتاق أن يغيثها الله بالخلافة


ورد في ملخص صفة الصفوة أن رجلاً لحق بأويس القرني فسمعه يقول: "اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائعة، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وليس في بيتي من شيء من الرياش إلا ما على ظهري"، هذا حال أويسٍ التابعي، وهو يعيش في ظل دولة الخلافة الراشدة الأولى، وعاصر جميع خلفائها حتى استشهد رضي الله عنه في واقعة صفين. يعتذر لله عن الكبد الجائعة من المسلمين، وخليفتهم ينام تقرقر بطنه فلا يشبعها قبل أن يشبع أطفال المسلمين. فمن للأكباد التي تموت جوعاً اليوم، ولا خليفة للمسلمين ولا دولة تشبع الجائع وتعطي المحتاج وتقضي دين المدينين؟


اليوم إذ نكتب في الذكرى المئوية لهدم الكيان الذي بناه رسول الله ﷺ، الرحمة المهداة للبشرية، في ذكرى هدم دولة الإسلام، نستقرئ حال البشرية بلا شريعة ربها. فإذا بها كما أنبأ القرآن قبل أربعة عشر قرناً، في معجزة جديدة تؤكد اليقين من صدق رسول رب العالمين: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾. بهذه الكلمة الواحدة: ضنكاً، يلخص الله سبحانه حالنا. والضنك هو الضيق والشقاء، وهو لا بد ضد الرحمة، فالله سبحانه قال عن رسوله ﷺ: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾.


يتحكم بمقدرات الشعوب بضعة نفر، المال والقوة والنفوذ السياسي في قبضتهم. يموت الألوف جوعاً كل يوم، فلا يعبأ بهم أحد ولا يبكيهم لله إلا فقراء مثلهم. تنتهك أعراض الألوف أيضاً، يُقتل عشرات الآلاف، يعيش الملايين بلا منازل تؤويهم، ولا يبكيهم إلا آخرون مهددون أيضاً بأن يكونوا ضحايا في اللحظة التالية. قال مارك ريدلي توماس، المشرف على مقاطعة لوس أنجلوس، في تقرير بثته الـcnn الأمريكية في تموز/يوليو 2019، "إنها ذروة التناقض، فى خضم الازدهار الكبير عبر جولدن ستايت، نشهد أيضاً زيادات غير مسبوقة في التشرد، ولقد مرت الأزمة بسنوات عديدة دون أي حل سهل في الأفق". حيث وصل عدد المشردين في لوس أنجلوس وحدها 60 ألف شخص.


فالبشرية تشهد أكبر عملية سرقة لمقدراتها وفساد في التشريع يجعل اللص يشرع القوانين! هذه القوانين لا تقتصر على النظام الاقتصادي، بل تتعدى الأمر لأتمتة حياة الإنسان، إن صح التعبير؛ تحويل الناس لمجرد أرقام، دمى في المسرح، متغيرات في نص برمجي... ويتغير نمط الحياة كما تريد الطغمة الحاكمة التي تشرع للبشر ما ينظم حياتهم حسب أهوائها ومصالحها.


اتفاقيات تشرعن للزنا والشذوذ، تروج للسفاسف وترفع العالة السفهاء لتصنع منهم نجوماً وقدوات! تُحارب العفة، ويُفتح الطريق المفروش بكل ما يدعو للرذيلة. مشروع واضح المعالم، والهدف تدمير الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وتدمير المنظومة التي تربي القدوات الحقيقية وتصنع الإنسان الذي يريده الله سبحانه ليكون أهلاً للاستخلاف في الأرض حقاً. ولك أن تعلم أن طفلة عربية - عمرها 10 أعوام تقريبا - تقدم محتوى في يوتيوب عن يومياتها بقالب ترفيهي، بلغ مجموع مشاهدات قناتها 13 مليار مشاهدة! وبلغت مشاهدات أعلى مقطع قدمَتْه 300 مليون مشاهدة! فيما بلغ عدد المشتركين في قناتها 27 مليون مشترك.


فالأمر واضح إذاً: حرب بين أجناد الرحمن وأتباع الشيطان. وإنما يدعو الشيطان حزبه ليكونوا من أصحاب السعير.


حال البشرية يتلخص في مشهدين: نساء كاسيات عاريات يعرضن أنفسهن بكل وسيلة يستطعنها، وكلٌ بالشكل الذي تراه مناسباً لمعايير "تدينها"، فقد صار الدين للأسف إطاراً مطاطياً يتقولب حسب الأهواء، وتجد مثلهن الملحدة والبوذية ومن كل دين ولون وحّدهن النظام العالمي في إطار واحد: تسليع المرأة واتباع الهوى. ونساء يكافحن ليسددن رمق أطفالهن، رمت بهن الرأسمالية في معمعة الحياة بلا رحمة، مع زوجها الذي سلبته الرأسمالية عمله وجردته من رجولته بعد أن حطمت مفاهيم القوامة والرعاية وحسن الصحبة في كيان الأسرة.


وقد ذكرتُ المرأة وركزت عليها لسببين؛ الأول أن النظام الرأسمالي اليوم الذي أهلك الحرث والنسل، وجّه حربته للمرأة. فكل المعارك الجانبية والرئيسية، الفكرية منها والعسكرية، وما يدور معها في الاقتصاد والسياسة العالمية والنظم الاجتماعية يجعل الغرب عنوانها: المرأة وحقوق المرأة. والثاني أن المرأة حقيقة هي البوصلة؛ هي التي بفسادها تفسد المجتمعات وتنهار الأسر، وبصلاحها تنهض الأمم وتستعيد سلطانها. وربما يظهر من كلامي بعض الاعتداد المبالغ فيه بدور النساء وأهميتهن، لكن هذا الاعتداد منبعه وصية رسول الله ﷺ للنساء وعليهن. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ... وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا» وعن ابن عمر أيضاً أن رسول الله ﷺ قال في آخر عهده بالدنيا: «الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ». ولكم أن تقدروا المسؤولية والأهمية التي تخص المرأة، إذ قرن رسول الله مسؤوليتها بمسؤولية الحاكم عن رعيته، وجعلها أمانة في عنق الرجال كالصلاة وهي عمود هذا الدين!


وبشكل أشمل، بعيداً عن المرأة وحقوقها، لا تزال الحكومة البوذية في سريلانكا تصر على حرق جثث المسلمين رغم الرفض القطعي والمتصاعد من المسلمين في العالم وفي سريلانكا خاصة، بينما تستمر الصين في عدوانها الآثم على الإيغور، ولا تزال بورما وكشمير والهند والبوسنة وأفريقيا الوسطى وفلسطين والشام، تشهد اعتداءات يومية في عدوان ممنهج وحشي ضد المسلمين الذين لا حول لهم ولا قوة، مكشوفي الظهور، صدورهم عارية يواجهون أعداءهم متفرقين. بينما العدو يهاجم بلا رحمة، يجمع جحافله ويوحد جهوده في توجيه الضربات بشكل مستمر ودون رحمة. فالمشهد في العالم الإسلامي: حروب وسفك دماء، فوضى خلّاقة وتخلف علمي وصناعي غير مسبوق، وفي الخلفية ترتفع ضوضاء الزحام على طوابير الخبز!


هذه المشاهد ليست حكراً على بلاد المسلمين. فالتقدم العلمي والصناعي الذي عدمته بلادهم وامتازت به بلاد الغرب لم يشفع للشعوب الغربية لينقذها من ضنك غياب الإسلام. بل ربما يكون الوضع في بلاد المسلمين أقل وحشية وأخف دموية لولا الحروب العسكرية التي تشنها جيوش أمريكا وبريطانيا على أهل أفغانستان والعراق وسوريا وغيرها. فجرائم القتل وصلت معدلات غير مسبوقة في أمريكا وروسيا وأوروبا، وما الاحتجاجات التي شهدتها الولايات المتحدة في 2020 ضد العنصرية وكراهية السود سوى مثال صارخ على معاناة المجتمعات الغربية في ظل الرأسمالية. وتجارة السلاح وانتشار عصابات المافيا صار كابوساً أفقد أهل هذه البلاد الشعور بالأمان المزعوم في بلاد تفاخر بوجود الديمقراطية وحرية الإنسان. فحسب موقع DW بالعربية تعد صفقات تجارة السلاح من أغلى الصفقات رواجاً في العالم بسبب الحروب والنزاعات المحلية والدولية... ويقدر الخبراء أن صرف جزء صغير من أموالها يكفي لحل مشاكل الفقر والبطالة في العالم. هذا غير معدلات الاغتصاب للأطفال والنساء والاعتداء عليهم من الأقارب من الدرجة الأولى. بل تنتشر الرذيلة عندهم حتى صار الزواج هو الأمر النادر الغريب بعدما كان مواليد الزنا عاراً في المجتمع الغربي في بدايات القرن الماضي. واليد الطولى في ذلك للحضارة الرأسمالية، وغياب النظام الرباني الذي يقف في وجه هذا الإفساد في الأرض.


الله سبحانه بعث رسول الله رحمة للعالمين، وابتعث هذه الأمة بالإسلام لتخرج البشرية من ظلمات الأديان وجورها لعدل الإسلام ونوره. وقد غرقت البشرية في الظلام الدامس منذ هدمت دولة الإسلام، ولا تزال في هذا الظلام غارقة حتى اليوم، تتلمس سبيلاً للخروج من سرداب الرأسمالية الذي أشقاها على جميع الصعد وأودى بها إلى المهالك لأجل مصالح قلة قليلة. ولا سبيل للبشرية إلا بمبدأ صحيح يستطيع مواجهة الرأسمالية في المعركة الفكرية، وفي الأساس الذي تقوم عليه هذه المعركة: التسليم لله سبحانه بأنه الله الخالق الذي يستحق العبادة وحده كما يستفرد بالتدبير وحده بلا منازع. وهذا هو الإسلام الذي يمتلك كل المقومات التي تؤهله للانتصار في هذه الحرب، ورعاية شؤون الناس بالرحمة والعدل لتكون الأرض موطن استخلاف كما يريدها الله، ويعيش الناس فيها بأمن يحفظ أنفسهم وأموالهم وكرامتهم، ويؤمّن لهم بيئة تصلح للعيش كما كرمهم الله فتفتح لهم آفاق الإبداع وتهديهم سبل النجاة.


فالإسلام هو الوحيد الذي يستطيع إنهاء هيمنة الرأسمالية وإنقاذ البشرية؛ عبر تشريعاته التي جاءت بالوحي من رب العالمين؛ التشريعات التي تضمن التكريم والرعاية لكل فرد دون النظر لعرقه أو لونه أو جنسه، وتفرض على المسؤول القيام بواجبه تجاه من يعولهم وهو مسؤول عنهم، بل ويترتب على ذلك الثواب والعقاب في الدنيا عبر منظومة القصاص والعقوبات في الإسلام وفي الآخرة. فالإسلام مبدأ متكامل: لكل عمل جزاء، ولا مفر من ذلك. الله يقولها لنا صراحة: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ بهذا القانون الإيماني يجعل الله سبحانه المسؤولية عن كل عمل يتولاه أي فرد أمانة يُحاسب عليها وعبادة يجتهد ليؤديها على وجهها.


الإسلام الذي يكلف المسلم بعمارة الأرض ويجعل الحاكم مسؤولاً أي مُحاسباً عن رعيته، وأعطى الرعية حق المحاسبة وجعل لها السلطان الحقيقي، كما جعل للحاكم حق الطاعة. فلا حاكم يستقوي بمنصبه ولا رعية تتمرد على الحاكم. ولا فضل لعربي على أعجمي، بل الجميع سواسية كأسنان المشط، والتفاضل بالتقوى. والتقوى سر بين الله وعبده. فالكلمة الفصل هي لله ورسوله، فالسيادة للشرع. هذا هو المبدأ الذي يستطيع الوقوف بوجه الرأسمالية بما أوجدته من طغيان المادة وفساد الحكام وفوضوية الرعية وانتشار الجهل والعبثية والتفاهات وسيطرة الفوضى وغياب العقل وتغييب العلم وأهله.


﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
بيان جمال
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر