الاستنجاد بالأمم المتحدة ومنظماتها لن يحل مشكلة البلاد بل يعقدها
الاستنجاد بالأمم المتحدة ومنظماتها لن يحل مشكلة البلاد بل يعقدها

من الملاحظ والمشاهد حسيا هرولة قادة وحكام البلاد الإسلامية إلى دول الكفر ومنظماتها مرتمين في أحضانها وكأنها الأم الحنون والأب الشفوق ليطرحوا مشاكلهم وينتظروا الحلول والدعم منها! مما يدل على غبائهم السياسي وأن اتخاذهم للقرارات ليس ذاتيا، ومن بين هؤلاء رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك؛ فقد اتجه صوب الأمم المتحدة يوم الجمعة الموافق 27 أيلول/سبتمبر 2019م راجياً منها حل مشاكل السودان، ولقد تناولت وسائل الإعلام المضللة هذا الخبر بشيء من التزيين والترويج بأن رئيس الوزراء قد كسر عزلة البلاد العالمية وجعل السودان دولة عالمية كسائر الدول.

0:00 0:00
السرعة:
October 30, 2019

الاستنجاد بالأمم المتحدة ومنظماتها لن يحل مشكلة البلاد بل يعقدها

الاستنجاد بالأمم المتحدة ومنظماتها لن يحل مشكلة البلاد بل يعقدها


من الملاحظ والمشاهد حسيا هرولة قادة وحكام البلاد الإسلامية إلى دول الكفر ومنظماتها مرتمين في أحضانها وكأنها الأم الحنون والأب الشفوق ليطرحوا مشاكلهم وينتظروا الحلول والدعم منها! مما يدل على غبائهم السياسي وأن اتخاذهم للقرارات ليس ذاتيا، ومن بين هؤلاء رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك؛ فقد اتجه صوب الأمم المتحدة يوم الجمعة الموافق 27 أيلول/سبتمبر 2019م راجياً منها حل مشاكل السودان، ولقد تناولت وسائل الإعلام المضللة هذا الخبر بشيء من التزيين والترويج بأن رئيس الوزراء قد كسر عزلة البلاد العالمية وجعل السودان دولة عالمية كسائر الدول.


وهنا تترادف أسئلة عديدة على الأذهان: هل يجب علينا باعتبارنا مسلمين أن نتعاون مع الأمم المتحدة؟ هل تلك الزيارة تحقق المرجو منها؟ وهل الأمم المتحدة هي أهل لحل قضايا العالم وأنها واهبة نفسها لهذا الغرض كما في شعار بطاقتها (السلم والأمن والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية)؟؟


بكل تأكيد هي منظمة مسيرة من الغرب الكافر المستعمر ونشأت بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945م لاستعمار الشعوب ونهب الخيرات والتحكم في مفاصل البلاد الإسلامية خاصة وفرض مبدئها عليها بقانونها النافذ (الشرعة الدولية)، وهذا ما تنص عليه المادة 25 من ميثاقها (يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق)، وهذا ليس قانونا وضعيا عاديا فقد وضعوه بعمق أكبر من ذلك بكثير. فإن خبراء المجتمع الدولي وفقهاءه يعلنون بأن الميثاق هو أعلى مراتب المعاهدات الدولية وأعظم قواعد القانون الدولي مكانة! لذلك نصت المادة (103) من هذا الميثاق نفسه على أنه (إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقاً لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي يرتبطون به فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق)، ومعنى ذلك أنه لا يجوز لأي دولة ملتزمة بهذا الميثاق أن تبرم أي اتفاق دولي أو تختار وتلتزم بميثاق بينها وبين دولة أخرى تتعارض أحكامه مع القواعد والأحكام الواردة في الميثاق ولو كان شرع العزيز الجبار! ومعلوم أنه لا يمكن لأي دولة الانتساب للعضوية حتى تعلن التزامها واحترامها لهذا الميثاق وتسلم به تسليما، وبذلك يحرم علينا الانضمام إلى هذه الهيئة لتحاكمها إلى الطاغوت بدلاً من الشرع الحنيف ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾، وهذا ما أظهر لون جلدها المسموم وفشلها في حل القضايا (إندبندنت عربية). لم تنجح الأمم المتحدة حتى اليوم في حل أزمات اليمن وليبيا وسوريا (موقع الأمم المتحدة).


قامت أمريكا بإرسال المبعوث تلو الآخر، وفي ظل الأوضاع الصعبة هذه والمتأزمة بات دور المبعوث محصورا بإطلاق النداءات والتنديدات وتنظيم اللقاءات وغض الطرف عن القتل والتشريد ما دام يصب في مصلحة أمريكا، ومنها تجاوزات غريفيث في اليمن. وهذا مبعوث ليبيا غسان سلامة قائم على تأجيج الفتن ويظهر انحيازه لحفتر وغض طرفه عن كل جرائمه وجعله مناضلا وطنيا. وكذلك مبعوثها إلى سوريا غير بيدرسن وفشله الذريع مما جعله يعترف قائلاً (إن النزاع أبعد من أن ينتهي في هذا البلد)، مع العلم أنه المبعوث الأممي الرابع. كما أشركوا روسيا في الحرب لتفتك بالمسلمين وتشردهم وتجعلهم يخضعون لحلولها السامة، وهذا هو ديدن الغرب الكافر المستعمر الذي يقوم نظامه على الأنانية وعدم النظر في مصالح الغير. رئيس فنزويلا مادورو يؤكد ذلك قائلاً إن (الأمم المتحدة لم ترسل المساعدات الإنسانية التي وعدت بتقديمها لبلده) (TRT عربي). بذلك يكون لنا أمام مساعيها الفاشلة عبر مبعوثيها أن ندرك مدى قدرة الأمم المتحدة على لعب دورها في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين وعما إذا كانت غير قادرة وخالقة للفوضى ومضرمة النيران.


وأما لو قلنا إن الأمم المتحدة تعين الدول اقتصادياً فهي نفسها مثقوبة وفارغة الخزينة ولولا نفوذها الذي مكنها من نهب خيراتنا لكانت تتسول الآن على أبواب البلاد الإسلامية، فهي لا تجد ما يكفي لدفع رواتب موظفيها بسبب اختلال ميزانيتها وأمريكا مدينة بـ5.1 تريليون دولار، إذن فاقد الشيء لا يعطيه، لذلك تقوم بفرض ضرائب وغرامات وخطط محايلة لسرقة الدول كما قال سفير السعودية لدى اليمن (إن الأمم المتحدة لم تنفق سوى 40% من إجمالي مليار و250 مليون دولار سلمتها السعودية والإمارات والكويت هاضمة خطة الاستجابة الإنسانية التي أطلقتها الأمم المتحدة في اليمن) (الخبر السعودية)، وكذلك مسؤولة فنزويلا تقول عن الأمم المتحدة (إن هذه الضرائب تبدد ولا تذهب إلى غاية نافعة وفقط إن وقفنا لهم يمكننا أن نمنع الكارثة) (TRT عربي)، إذن من الغباء أن نظن فيهم خيرا ونتعاون معهم.


أما اجتماعياً فيظهر هذا الدور جلياً مثل فلق الصبح لما فيه من اختلاف عقدي والقدرة على إنتاج خليط غير متجانس بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، فقد دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة جميع أجزاء المنظومة إلى تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة في إطار ولاياتها ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، لذلك لا غرابة مما هو متداول حالياً من إعداد دوري كرة القدم للنساء وإقامة أول مباراة باستاد الخرطوم، وكثر الحديث عن مساواة المرأة مع الرجل في الميراث، وغيرها من القيم التي تخدش بسماحة نظام الإسلام.


أيها المسلمون! فلنعلم بأن التحالف مع أي دولة أجنبية يجب أن يتم على أساس نظرة الإسلام للفرد (نظرة إنسانية) كنصرة المظلومين وإغاثة الدول التي بها مجاعة أو أصابتها كوارث بيئية (فيضانات وزلازل وغيرها)، وليس تحالفا تهيمن عليه دولة معينة لتفرض سيطرتها وتبسط نفوذها وتنهب ثرواتنا وتطحن عظامنا وتضرب بمجتمعاتنا القيم السمحة؛ لذا فإن الانخراط في الأمم المتحدة لن يجنى منه عنب بل شوك، ولا يروي ظمأً، وعلى حمدوك أن يتعظ ممن سلكوا هذا الطريق قبله؛ الرئيس المعزول عمر البشير وكل الحكام السابقين فقد وقفوا في المكان نفسه وخاطبوا الأمم المتحدة ولكن ما رأيناهم سعدوا ولا تحققت أحلامهم، ألم تلق بالا إلى أمتك هذه أنها خير الأمم وصاحبة ثروة فكرية تمكنها من بذل الغالي والنفيس لأجل تلك الفكرة وإيصالها إلى العالم والفكرة معصومة من الخطأ لأنها منزلة من علام الغيوب؟ ألم تدر أنك في بلاد جيوسياسية واستراتيجية من حيث الثروة والخيرات التي حباها الله بها؟! عجباً لك تترك كل ذلك وراء ظهرك وتتجه إلى الأمم المتحدة بدل الفرار إلى الله ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، فوالله لن تجني إلا السراب والشقاء، ما تحتاجه أنت يا رئيس الوزراء وكل البلاد التي تريد الرقي والنهضة هو فكرة مبدئية عملية لحل مشاكل العالم، فكرة منزلة من خالق الكون والإنسان والحياة لا من أهواء البشر وكؤوس الخمر التي تنبثق منها أنظمة! وتلك الفكرة القويمة تقوم على أساسها دولة تطبقها وتحملها إلى العالم وتنقذ العالم من ظلم الرأسمالية وترفع عنهم ثقلها وتجبر كسرهم وتنمي اقتصادهم وترعى شؤونهم... اللهم عجل لنا بها دولة خلافة راشدة على منهاج النبوة اللهم آمين.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس بكري آدم – أم درمان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر