الاستثمار الأجنبي تقنين لنهب الثروات
August 23, 2021

الاستثمار الأجنبي تقنين لنهب الثروات

الاستثمار الأجنبي تقنين لنهب الثروات


بحث العضو المنتدب لشركة كنانة عبد الرؤوف ميرغني في الثاني من آب/أغسطس 2021م، مع الوفد الأمريكي عالي المستوى برئاسة السيناتور الديمقراطي السابق السفير ريتشارد سويت، المشاريع المطروحة من كنانة وإمكانية تنفيذ مقترحات مشروعات في مجالات البنية التحتية والتطوير الزراعي وتكنولوجيا الطاقة المتجددة والإنشاءات العقارية صديقة للبيئة بمنطقة المشروع بما يخدم أغراض المشروع.


وقال ميرغني إن الزيارة تأتي عقب التطورات الإيجابية الأخيرة في ملف العلاقات الخارجية للسودان، بما يسهم في تحسين مناخ الاستثمار، آخذاً في الاعتبار أن شركة كنانة هي إحدى شركات الاستثمار المشترك والعالمية في مجال زراعة وصناعة السكر والمنتجات الأخرى، وضم الوفد الأمريكي ثلاثة أعضاء من الكونجرس وأربعة من رجال الأعمال ومدراء شركات تعمل في مجال البنى التحتية وتكنولوجيا الطاقة المتجددة وأحد صناديق الاستثمار. (صحيفة السوداني 2 آب/أغسطس 2021م).


وقال وزير الاستثمار السوداني الهادي إبراهيم إن بلاده وضعت خطة متكاملة لجذب الاستثمارات الأجنبية كأحد الحلول لإنعاش الاقتصاد، وكشف الوزير خلال تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن الخطة شملت إصلاح القوانين، وإعداد خارطة للاستثمار لأول مرة، ودليل للمستثمر وإعطاء كثير من التسهيلات، وإزالة المعوقات الموروثة من العهد السابق، وقال إن السودان تلقى طلبات ضخمة من شركات عالمية للاستثمار، لافتاً إلى أن بلاده ستركز في بادئ الأمر على الاستثمار في مشروعات البنى التحتية والزراعة.


لا يوجد مسؤول في السودان منذ الاستقلال لم يربط بناء الاقتصاد والتنمية بالاستثمار الأجنبي، ولم تخل خطة لإنعاش الاقتصاد من بند يسمى الاستثمار الأجنبي، حتى أصبحت البلاد جراء ذلك تنوء بالوجود الأجنبي من خلال جيوش شركات الاستثمار التي مكنتها الحكومات المتعاقبة على السودان من موارده وخيراته، دون أن يكون لهذه الاستثمارات أي أثر في حياة الشعب، الذي يكابد الجوع والفقر ومواجهة مصير أكثر قتامة وضبابية، تمكنت هذه الشركات واستحوذت على مفاصل الاقتصاد وامتلكت أصولا وأسهم ومباني وأراضي واسعة، وتدير مصانع تابعة للدولة مقابل التزام هذه الشركات بمبالغ زهيدة تدفعها للدولة كعوائد استثمار!


ومن خلال الدعوات التي أطلقها المسؤولون؛ بدءاً بمبادرة الرئيس المخلوع في العام 2013م ضمن منظومة الأمن الغذائي العربي للاستثمار في الزراعة، أصبح السودان مفتوحاً على مصراعيه من أجل الاستثمار الخارجي حيث بلغ حجم الاستثمارات نحو 74 مليار دولار في مختلف المجالات، وشملت الطاقة والنفط والغاز والتعدين والزراعة والبنى التحتية والسكك الحديدية. رغم ذلك تصيبنا الدهشة عندما نرى نسبة الفقر في تزايد وتدني مستوى المعيشة وارتفاع معدلات البطالة وانهيار اقتصادي شامل وزيادة مديونية الدولة لأكثر من 60 مليار دولار وتسول الحكام، واستجداء المساعدات... فقد أورد تقرير لمنظمة جرين، وهي منظمة بيئية عالمية غير حكومية، تملك مكاتب في أكثر من أربعين دولة في العالم مع هيئة تنسيق دولية في أمستردام، بهولندا، كشفت فيه ما يتم نهبه من الأراضي الزراعية السودانية التي تم الاستيلاء عليها باسم الاستثمار.


هذه الاستثمارات الضخمة ليس لأهل السودان فيها نصيب، فمعظم الشركات تقوم بتصدير منتجاتها للخارج وفق ما تنص عليه بروتكولات الاستثمار، ومن المفارقات أن نسبة الفقر في السودان 46.5% وهي نسبة أعلى من السعودية التي جاءت لتسد حاجتها من الغذاء في أراضينا بنسبة 12.3% حسب تقديرات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. فلو كانت الدولة محترمة وتملك إرادتها وقرارها السياسي، لوضعت يدها على هذه الأراضي الشاسعة ولقامت هي بالإشراف عليها وزراعتها بالمحاصيل الرئيسة، ولما احتاجت للاستيراد من الخارج، والسودان به أكبر المشاريع الزراعية على مستوى البلاد العربية كمشروع الجزيرة بمساحة 2.200.000 فدان لو تم الاعتماد عليه وحده فقط لكفى أهل البلاد، فالمشروع يساهم بنحو 65% من إنتاج البلاد من القطن ونسبة كبيرة من إنتاج القمح والذرة والمحاصيل البستانية، علماً بأنه توجد مشاريع أكبر منه مثل مشروع واد الهواد بنهر النيل الذي يخترق 5 ولايات بمساحة 5 مليون فدان صالحة للزراعة، ولكن للأسف قامت الحكومة الانتقالية وعرضته لأسيادها في مؤتمر باريس لشركات الاستثمار، وفي يوم 26 تموز/يوليو 2021 تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين إدارة المشروع وممثلين عن جامعة كاليفورنيا لتطوير نظم الإنتاج الزراعي والحيواني والبستاني والصناعات التحويلية، وتأسيس منصات البحوث التطبيقية وغيرها، ولا زالت الدول الأجنبية عبر شركاتها تلهث وراء موارد السودان لنهب واستغلال خيراته.


أما في مجال التعدين فحدث ولا حرج؛ فقد بلغ الأمر من توغل شركات الاستثمار وسيطرتها على موارد البلاد بتواطؤ من الحكومة الانتقالية التي همها الوحيد هو الحصول على بقية من فتات هذه الشركات، بلغ بها أن تقوم بإجلاء الناس وطردهم من مناطق التعدين لصالح هذه الشركات؛ فقد تحدث رئيس ومدير شركة أوكرا وهي أكبر شركات إنتاج الذهب بكندا التي أبدت رغبتها بالاستثمار في مجال التعدين، رداً على سؤال من وكالة بلومبيرغ الأمريكية هل سيكون هناك صراع بينكم وبين المعدنين التقليديين؟ وهل أنت قلق من مواجهة مشاكل معهم؟ فكان رده صريحاً حيث قال: "إن الحكومة تعهدت بإزالة المعدنين التقليديين وقد أزالت بالفعل الآلاف منهم من غير استعمال القوة المفرطة ومن غير إحداث خسائر في الأرواح، ولكن اتفقنا معهم بأنهم سيخرجون عند البدء في بناء المنجم". بل ويقول مدير شرطة التعدين اللواء خالد حسن علي في حوار أجرته معه إحدى الصحف السودانية عن أن "شرطة التعدين تخرج المعدنين بناءً على شكاوى من شركات الامتياز لوزارة المعادن، ومن ثم تحول الشكوى للشركة السودانية للموارد المعدنية، بعد ذلك تكتب لنا الشركة السودانية بأن الشركة المعنية بالمربع كذا عندها معدنون تقليديون داخل المربع ويجب إخلاؤهم". علماً بأن 13% من السكان يعتمدون على التعدين الأهلي لإعالة أسرهم و2 مليون شخص يعملون في المهن الملحقة بالتعدين، ويغطي التعدين الأهلي 800 موقع في أنحاء البلاد وهو الأكثر إنتاجية، فطرد كل هؤلاء وهم أصحاب الحق والأرض والموارد لصالح شركات الاسثمار حرام شرعا ويعني إيجاد جيش جديد من العاطلين عن العمل، وبالتالي صناعة مزيد من الفقراء.


إن هذه الحكومة تذل رعاياها لصالح النظام الرأسمالي وتمنع الناس من حقوقهم وتتقرب لأسيادها بسخاء، من خلال عقود الامتياز التي تمثل الغطاء القانوني لنهب خيرات البلاد، فالاستثمار هو فكرة ولدت من رحم النظام الرأسمالي الذي صممه أرباب المال لامتصاص ثروات الشعوب، فالاستثمار المزعوم هو أسلوب خبيث من أساليب الاستعمار، يقول عبد الحي زلوم صاحب كتاب نذر العولمة: (إن هذا الأسلوب الخبيث من الاستعمار أي الاستثمار يتطلب توفر مستلزمات ضرورية حتى يغدو قادراً على العمل على الوجه الأكمل، ومن هذه المستلزمات:


* يجب أن تكون هناك تجارة حرة حتى يتاح فتح البلاد بمصاريعها لاحتضان هذه الشركات.


* حرية الوصول إلى المواد الخام العائدة للشعوب والدول الأخرى ودون أي ضغوط أو مضايقات من حيث السعر أو الكمية المراد الحصول عليها.


* إطلاق يد الممولين وأصحاب رؤوس الأموال ليستثمروا أموالهم ويجنوا الأرباح دون أية عوائق.


* ضرورة وجود المؤسسات الدولية والمالية لإدارة هذه الرؤية الجديدة للاقتصاد العالمي.


بيد أن الإسلام جعل المعادن قسمين من حيث التملك؛ قسم محدود المقدار بكمية لا تعتبر كبيرة بالنسبة للفرد وقسم غير محدود المقدار. أما القسم المحدود المقدار فإنه من الملكية الفردية ويُملك ملكاً فردياً ويعامل معاملة الركاز وفيه الخمس لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله سُئِل عن اللقطة فقال: «مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمَئْتَاءِ - الطريق المطروق - وَالْقَرِيَةِ الْجَامِعَةِ فَعَرِّفُوهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَهِيَ لَكَ، وَمَا كَانَ فِي الْخَرَابِ فَفِيهَا وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» فالتعدين الأهلي من الركاز الذي أباح الشارع الانتفاع به. وأما القسم غير المحدود المقدار، الذي لا يمكن أن يَنْفَد، فإنّه ملكية عامة، ولا يجوز أن يملك فردياً لما روى الترمذي عن أبيض بن حمال: «أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ فَقَطَعَ لَهُ، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمَجْلِسِ: أَتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ؟ إِنَّمَا قَطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ. قَالَ: فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ»، والماء العِدُّ الذي لا ينقطع. شبه الملح بالماء العدّ لعدم انقطاعه.


ففي ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، لا سبيل للاستعمار لأن يرتع في ثروات الأمة.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مجاهد آدم – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر