الاتفاق الإطاري استمرار للأزمة وصياغة للبلاد على الأساس الغربي
الاتفاق الإطاري استمرار للأزمة وصياغة للبلاد على الأساس الغربي

في يوم الاثنين 5 كانون الأول/ديسمبر 2022م، تم بالقصر الجمهوري في العاصمة الخرطوم، توقيع اتفاق إطاري بين المكون العسكري والحرية والتغيير المركزي، وسط حضور دولي وإعلامي كبير وتم الترتيب لفترة انتقالية لمدة سنتين، ومستويات الحكم لمجلس سيادي ومجلس وزراء، يتم تكوينه من المكون المدني. وتم ترحيل جملة من القضايا المهمة لمرحلة الاتفاق النهائي،

0:00 0:00
السرعة:
December 17, 2022

الاتفاق الإطاري استمرار للأزمة وصياغة للبلاد على الأساس الغربي

الاتفاق الإطاري استمرار للأزمة وصياغة للبلاد على الأساس الغربي

في يوم الاثنين 5 كانون الأول/ديسمبر 2022م، تم بالقصر الجمهوري في العاصمة الخرطوم، توقيع اتفاق إطاري بين المكون العسكري والحرية والتغيير المركزي، وسط حضور دولي وإعلامي كبير وتم الترتيب لفترة انتقالية لمدة سنتين، ومستويات الحكم لمجلس سيادي ومجلس وزراء، يتم تكوينه من المكون المدني. وتم ترحيل جملة من القضايا المهمة لمرحلة الاتفاق النهائي، وهذه القضايا هي العدالة الانتقالية ويقصد بها القصاص ممن قتل الثوار، وقضية السلام وإزالة تمكين نظام الإنقاذ، والإصلاح الأمني والعسكري، وقضية الشرق بوضع الترتيبات المناسبة لاستقرار شرق السودان.

فهل سيحقق الاتفاق مطالب أهل السودان الذين ثاروا على نظام الإنقاذ؟ وهل يتوافق مع عقيدة ومفاهيم وفكر أهل البلد؟ ولماذا هذا الاهتمام الدولي والظهور الدولي الكبير بهذا الاتفاق؟ ولماذا وافقت الحرية والتغيير على هذا الاتفاق وهي التي كانت ترفع شعار "لا شراكة لا تفاوض لا شرعية" مع انقلاب المكون العسكري؟ وما سبب رفض كثير من القوى السياسية والحركات المسلحة التي كانت تدعم المكون العسكري وتشاركه الحكم لهذا الاتفاق؟

إن أهم القضايا التي تشغل أهل السودان الذين ثاروا على نظام الإنقاذ، قد تم تأجيلها للاتفاق النهائي بحجة أنها تحتاج لتفصيل، فالقصاص ممن قتل الثوار منذ كانون الأول/ديسمبر 2018م، وبعد سقوط الإنقاذ "فض الاعتصام" ومن قتلوا بعد انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021م تم تأجيله وكذلك محاسبة رموز النظام السابق المفسدين، واسترداد أموال الناس. أما عن الوضع الاقتصادي السيئ الذي كان سببا في خروج الناس على نظام الإنقاذ، وكان المطلب الأساس هو إصلاح الوضع الاقتصادي، فقد تم ذكره بمادة واحدة تحمل كلاما فضفاضا يتحدث عن إصلاح الوضع الاقتصادي.

فالاتفاق لم ولن ينفذ مطالب الناس فيما يتعلق بالقصاص لأن المكون العسكري متورط، ومتهم من الكثيرين، والقتل يحصل بتعليمات من القادة، أما رموز النظام السابق فالمكون العسكري كان هو اللجنة الأمنية التي كونها النظام السابق، وقوات الدعم السريع، فالذي أتى بهم للخرطوم هو نظام الإنقاذ في أواخر أيامه ليحتمي بهم، بالإضافة لذلك فإن المكون المدني (قوى الحرية والتغيير) قد حكم البلاد سنتين في المشاركة السابقة مع العسكر فلم ينفذ في قضية القصاص شيئا، بل ظل يماطل ويخدع الناس بتكوين لجنة "لجنة أديب" التي ظلت تؤجل وتستمع للشاكين لمدة سنتين حتى انقلب العسكر عليهم، ولم نر منهم استردادا للأموال المنهوبة مع أنهم كانوا قد ذكروا أرقام ثروات رموز النظام السابق، ومكانها في بدايات حكمهم السابق عبر ما سمي بلجنة إزالة تمكين نظام الثلاثين من حزيران/يونيو.

وأما الوضع الاقتصادي السيئ فلم يزده اتفاق الوثيقة الدستورية السابق إلا سوءاً عبر عراب البنك الدولي حمدوك الذي نفذ أوامر الصندوق الدولي المفقرة للبلاد؛ فخفض قيمة العملة المحلية مقابل الدولار، ما أوجد التضخم وزيادة الأسعار، ومزيداً من الضرائب والجمارك. ولن يتغير الواقع الاقتصادي بل سيزداد سوءا؛ وذلك لأن النظام الاقتصادي الذي يطبق على الناس، والذي هو أساس الظلم ما زالت تشريعاته التي تقوم على الضرائب والمساعدات الخارجية المسمومة التي ترهن البلاد لإملاءات صندوق النقد الدولي المفقرة للشعوب، لا زالت هي المطبقة.

أما عن موافقة الاتفاق لعقيدة ومفاهيم أهل البلد، فنجد أن الاتفاق يصوغ الحياة على أساس حضارة الغرب ومفاهيمه عن الحياة، فهو يقر بعلمانية الدولة وأن السيادة للشعب وليست للشرع كما في المادة 3 من مواد الاتفاق الإطاري "السودان دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية برلمانية السيادة فيه للشعب" والدولة المدنية هي الدولة العلمانية، فقد تسمى مدنية أو دولة مؤسسات، وذلك لأن لفظة علمانية مرفوضة ومستهجنة من المسلمين ومعلوم واقعها ومخالفتها للإسلام، لذلك استخدموا كلمة مدنية للتضليل، ويروجون أن المدنية هي ضد العسكرية، ودولة ديمقراطية أي أن الحكم فيها على النمط الغربي، وليس شكل الحكم في الإسلام الخلافة، التي فيها السيادة للشرع لا للشعب. وفي البند 6 يجعل مواثيق الأمم المتحدة واتفاقياتها هي التي تضبط الحياة العامة! ومعلوم أنها تشريعات وضعها الغربيون بما يتوافق مع حضارتهم، وشددت المادة على المواثيق التي تتعلق بالنساء التي تشير إلى اتفاقية سيداو التي "تزيل التمييز ضد المرأة!"، وتخالف أحكام الإسلام في كثير من بنودها الـ30 حيث تبيح الإجهاض والزنا بالتراضي وترفع سن الزواج إلى 18 عاما، وغيرها من التشريعات التي تستهدف الأسرة المسلمة.

أما الاهتمام الدولي من الثلاثية متمثلة في فولكر قائد بعثة الأمم المتحدة يونيتامس، والرباعية بقيادة السفير الأمريكي فبلادنا تشهد صراعا دوليا على ثرواتها من الدول الاستعمارية الطامعة، فتكاد لا تجد اتفاقا إلا وهم طرف فيه، بل برعايتهم، ولم يكتفوا بإجلاس الأطراف المختلفة فقط بل إن وزارة الخارحية الأمريكية في يوم 2022/12/8 أخرجت بيانا تهدد به كل من يعمل على تقويض الاتفاق بالعقوبة والمنع من دخول أمريكا وغيرها من العقوبات التي تستخدمها أمريكا ضد الأفراد. وفولكر يتحدث للأمم المتحدة عبر الفيديو وأخبرهم أن سبب تغيبه عن الجلسة هو الاتفاق وأنه المفاجأة التي وعدهم بها، بل إنه قد أشار إلى أن الأمم المتحدة هي وراء مشروع دستور المحامين، عبر رجل دستوري من الأمم المتحدة، ودستور المحامين هو الذي اعتُمد دستورا للفترة الانتقالية. فالتدخلات ليست طبيعية وليست من أجل المراقبة وحل المشاكل الداخلية بل هي تدخلات واضحة تري أن المتحكم بالقرارات والاتفاقات والدساتير في بلدنا هم سفراء ومبعوثو الدول الغربية المستعمرة.

أما مشاركة الحرية والتغيير بعد رفع شعارات "لا للمشاركة ولا للتفاوض ولا شرعية للانقلاب" فتكشف عدم مبدئية هذه الأحزاب، وتغييرها لمواقفها حسب المصلحة، فليس هناك فكرة تقوم عليها تحدد لهم الصواب من الخطأ، وتكشف مشاركتها عن رغبة وطمع هذه الأحزاب في السلطة والحكم ولو على حساب دماء الشباب الذين تبنوا شعاراتها وواجهوا الرصاص من أجلها، وبأن قرارها ليس بيدها بل بيد الدول المستعمرة الداعمة لها.

أما بالنسبة لرفض كثير من القوى السياسية، والحركات المسلحة للاتفاق، فلأنه ثنائي، ولو استشيروا لدخلوا الاتفاق وكانوا من الداعمين له، فهم أيضا يبنون مواقفهم على غير المبدأ ولولا أن الاتفاق كان ثنائيا مع الحرية والتغيير المركزي لكانوا من الداعمين له.

إن الذي يخرج البلاد من هذه الأزمة ويخرج بها إلى بر الأمان ليس هو الاتفاق ولا التفاوض ولا المبادرات لجمع الأطراف السياسية المختلفة، فالمشكلة ليست فيمن يحكم البلد وإن كان السياسيون مرتبطين بالخارج عسكرهم ومدنيهم، ولكن المشكلة تكمن في النظام الذي يحكم به الناس والتشريعات، هذه هي التي تحتاج لتغيير، فأهل السودان يحتاجون لنظام يجعل النظرة للسلطة نظرة مسؤولية وأمانة، وليست كيكة يتقاسمها الساسة من أجل الاستفادة من المخصصات والحصانات، نظام يرعى شؤون أهل البلد ويحل مشاكلهم فتتلاشى دعوات الفيدرالية والحكم الذاتي وتضمن به وحدة البلاد، نحتاج لنظام يقوم اقتصاده على توزيع الثروة على الناس وليس على جباية أموال الناس ومنعهم من الإنتاج والعمل، نحتاج لنظام يمنع تدخلات الدول الطامعة في بلادنا ويوقف هؤلاء السفراء الغربيين الذين يجولون داخل البلاد وكأنهم ولاة علينا يضعون الدستور ويجلسون الساسة ويحددون من يحكمنا وبم نحكم!

فالأصل هو البحث عن هذا النظام الذي يغير واقعنا للأفضل، ولن نجده إلا في أحكام الإسلام وتشريعاته التي هي من لدن لطيف خبير، ولا سبيل لتطبيق تشريعات السماء إلا بإقامة دولة على أساس الإسلام، وشكل الدولة ونظام الحكم الذي فصله الإسلام هو نظام الخلافة، لمثل هذا فليعمل الراغبون في تغيير الواقع في السودان.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس باسل مصطفى – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر