الأزمات الاقتصادية لا تحلها المؤتمرات الأشبه بحملات النظافة التي تنطلق مرة في العام بينما النظام غارق في وحل الرأسمالية
October 05, 2020

الأزمات الاقتصادية لا تحلها المؤتمرات الأشبه بحملات النظافة التي تنطلق مرة في العام بينما النظام غارق في وحل الرأسمالية

الأزمات الاقتصادية لا تحلها المؤتمرات الأشبه بحملات النظافة
التي تنطلق مرة في العام بينما النظام غارق في وحل الرأسمالية


يعقد هذه الأيام المؤتمر الاقتصادي الأول في ظل حكومة الفترة الانتقالية. يأتي المؤتمر في ظل أوضاع اقتصادية قاسية والتي ظل المشفقون على حال الناس يقدمون الحلول الناجعة لها من صلب عقيدة الأمة وينبهون لما ستؤول إليه الأوضاع بسبب النظام الرأسمالي الذي زرعه الاستعمار، وظلت الحكومات الوطنية حتى اليوم تنفذه بإشراف مباشر من صندوق النقد الدولي، لذلك فإن عقد المؤتمر الاقتصادي كوسيلة لحل الأزمة السياسية الاقتصادية ما هو إلا حرث في الماء لأن الأزمات الاقتصادية لا تحلها المؤتمرات الاقتصادية الأشبه بحملات النظافة التي تنطلق مرة في العام بينما النظام غارق في وحل الرأسمالية.


ولعلنا لسنا بحاجة إلى كثير من الكلمات لوصف بؤس الحال الاقتصادي، ومظاهر التدهور في كافة مؤشرات الاقتصاد، وتعدد اختلالاته؛ ففي وقت جاءت الحكومة بموازنة تسعى من خلالها لتحقيق "التثبيت الاقتصادي" انتهى بنا الحال لأزمة أعظم أثرا من أزمات العهد البائد! جاء في صحيفة إيلاف يوم 17 أيلول/سبتمبر الجاري أنه بحلول العام 2020 زاد الانكماش الاقتصادي والذي بلغ 2.5% خلال 2019م، وقد كان سبقه انكماش اقتصادي مماثل في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 2.25% في العام 2018. وبينما افترضت موازنة العام 2020 نموا اقتصاديا بمقدار 2.9% للعام إلا أن تقديرات صندوق النقد الدولي توقعت نموا سالبا بحوالي -8% مع توقعات باستمرار النمو السالب للعام التالي أيضا "وعود الفقر المتكررة"، وذلك حتى قبل الأخذ بالاعتبار آثار جائحة كورونا والفيضانات.


ومن ناحية أخرى، فقد جاءت موازنة العام 2020 المعدلة بسبب عدم تحقق معظم افتراضات الموازنة الأصلية، خاصة تلك المتعلقة بالموارد الداخلية والخارجية معا، جاءت تحمل مزيدا من المؤشرات السلبية ابتداء بنسبة نمو قدر بحوالي سالب 3.1% في الناتج المحلي، وعجز كلي في الموازنة يقدر بحوالي 254 مليار (13.2% من الناتج المحلي) نشأ من إيرادات عامة تقدر بحوالي 445 مليار جنيه مقابل 684 مليار جنيه من الإنفاق. مع توقعات بتمويل 200 مليار جنيه من هذا العجز بالاقتراض من البنك المركزي، في وقت يعلم الجميع أن الحكومة قد تجاوزت الحد الأقصى للإقراض حسب قانون البنك، وهذه أزمة من الأزمات المتولدة من الاقتصاد الوهمي.


وفي ظل هذا الوضع المختل، من المتوقع زيادة عرض النقود، ولذلك فإن معدل التضخم الذي كان مستهدفا أن ينخفض إلى 30% خلال 2020 قد عدل ليكون 65% في الموازنة المعدلة بينما بلغ بالفعل في شهر تموز/يوليو عند صدور التعديل 144% وهذا معدل غير مسبوق، ومن المتوقع أن تشهد بقية أشهر العام مزيدا من التضخم. وللأسباب نفسها، فقد قفز سعر الصرف ما يفوق 250 جنيها للدولار وبدأت سمات "الدولرة" تشكل واقعا ملموسا في التبادلات التجارية.


أما الحلول الأمنية والرقابة والسيطرة على الدولار، فالتجارب العملية أثبتت أنها لن تنجح في تثبيت سعر صرف العملة المحلية. ومما يؤكد ذلك أن الزيادات المتصاعدة الأخيرة في سعر صرف العملات الأجنبية قد جاءت مباشرة في أعقاب التهديد والحرب التي أعلنتها لجنة الطوارئ الاقتصادية.


أما الحلول المقترحة لمكافحة التضخم فلا ترقى لمستوى تسميتها بالحلول مثل مشروع "سلعتي" وكذلك "أسواق البيع المخفض" فإنها حلول مؤقتة لا يمكن أن توصف بالديمومة لأن المشكلة تكمن أساسا في الارتفاع المستمر في تكلفة الإنتاج وبشكل أقل في وجود السماسرة والوسطاء الذين يتحكمون في السوق بعلم الحكومة، بل إن الحكومة والقطاع الخاص والجيش والقوات النظامية الأخرى (التي تقع تحت سيطرتها وحدات إنتاجية مملوكة للدولة) جميعهم مشاركون في الأزمة الاقتصادية.


المعلوم قطعاً أن النظام الرأسمالي المطبق هو أصل المشكلة، وهو نظام يحمل فشله في أحشائه والسمة الأبرز في فساد الاقتصاد الرأسمالي المعاملات المالية، والتي تتسبب في تعقيد الأزمات خاصة على البسطاء، لأن النظام الرأسمالي لا يقيم وزناً للأفراد وحاجاتهم الأساسية، ولا يعمل على إشباعها، وإنما جعل ذلك حصولهم على حاجاتهم مربوطا بجهاز الثمن؛ حيث جعل الثمن هو (المنظم للتوزيع والحافز على الإنتاج)، أي جعل القدرة على إشباع الحاجات، واستمرارية العيش والقدرة على البقاء هي فقط لمن يحوز الثمن، أما زيادة الثروة (الدخل القومي) للدولة فلا ينظر فيها كم أخذ الأفراد من هذه الثروات، فكانت النتيجة أن الأغنياء قد ازدادوا غنىً، والفقراء ازدادوا فقراً، والسبب هو أن النظرة الرأسمالية كانت نظرة عامة لمشكلة الفقر، وليس إلى خصوصيّة كل فرد من أفراد المجتمع، مع بقاء كل أسباب الفساد في السيطرة على الثروة من طبقة الرأسماليين كما هي، أي مع بقاء أدوات السيطرة على المال بيد الأغنياء كالشركات العملاقة والبنوك الضخمة والبورصات والمصارف وغير ذلك الذين لا وجود لشيء عندهم سوى المنفعة البحتة.


وبذلك يصبح النظام الرأسمالي الذي لا يرعى وجود الفئات غير القادرة على حيازة الثروة، إنما يعمل على احتكار الثروات والأموال العامة لصالح الشركات الكبرى، وأصحاب رؤوس الأموال؛ وذلك عن طريق الدولة نفسها، وبالتالي حرمان باقي أفراد المجتمع من الثروة ووضعها في متناول يد الرأسماليين، لأن النظام الرأسمالي قد فتح المجال لأصحاب رؤوس الأموال لكي يسيطروا على ثروات الناس بالطرق غير القويمة مثل الاحتكار، والرشوة، والربا، والاتجار بكل شيء مهما كان ضرره، وفتح المجال أيضاً لأصحاب الشركات الكبرى ليقوموا بالمضاربات التجارية، والقضاء على الشركات الصغيرة وإبعاد منافستها! وبهذا نرى أن النظام المالي والاقتصادي الرأسمالي يرعى الفساد في المجتمع ويوسّع دائرته بدل أن يحاربه ويقضي عليه، ويوسّع دائرة الفقر والفقراء، ويعمل على تركّز الثروة بأيدي فئة قليلة لا تتجاوز 5% من الناس في المجتمع، ويحكم السيطرة الاقتصادية، حيث لا مجال لأي انتعاش اقتصاديّ في المجتمع أو زيادة للثروة إلا من قبل فئة قليلة من الرأسماليين.


أما النظام الاقتصادي في الإسلام الذي لا مجال في هذا المؤتمر لأحكامه الصائبة، فهو نظام رعاية لشئون الأفراد في المجتمع، وسياسة الاقتصاد في الإسلام هي تمكين كل فرد في المجتمع من إشباع حاجاته الأساسية من مأكل ومشرب وملبس لكل فرد بحيث يتمكن من إشباعها إشباعاً كاملا، والسعي لتمكينه من إشباع حاجاته الكمالية بأكبر قدر مستطاع.


وجاءت أحكام مفصلة في رعاية شؤون الأفراد بل وجباية الأموال لأجل سد خللهم، قال تعالى، يبين هذا الحكم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. وقال ﷺ: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا» فالمعدوم الفقير كان يلجأ للرسول ﷺ بوصفه حاكما لدولة المدينة، وهذا يعني أن فرض إيواء الفقراء وقضاء حوائجهم يقع على الدولة، وكذلك أمر كل أفراد المجتمع بالتعاضد لسد حاجة المعدوم الفقير والمسكين فقال ﷺ: «مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ، وَأَيُّمَا أَهْلِ عَرَصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعًا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ»، يقول ابن حزم في كتابه المحلى: (إنه يجب على أغنياء كل بلدة أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنّهم من المطر، والصيف، وعيون المارة). وقد كانت السياسة المالية التي انتهجتها الدولة الإسلامية سياسة رشيدة عادلة حققت الخير للمجتمع الإسلامي، ولمن كانوا يعيشون في ظله الوارف من غير المسلمين.


ولتمكين الناس من الانتفاع بالثروة دون احتكار أو تمييز أو محاباة، وضع الرسول عليه الصلاة والسلام قاعدة للثروة لحيازة الثروة حيث قال ﷺ: «الْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ، وَالْبِلَادُ بِلَادُ اللَّهِ، فَمَنْ أَحْيَا مِنْ مَوَاتِ الْأَرْضِ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»، فالدولة تمكّن الأفراد من الثروات الطبيعية، وتساعدهم أيضا في عملية الانتفاع بإقراضهم أموالاً تمكنهم من الإنتاج. وعليه فإن عقد المؤتمرات الاقتصادية لا يحل أزمة بل لا بد من تبني النظام الاقتصادي في الإسلام الذي يقوم على الرعاية وتمكين الأفراد من الثروات الطبيعية بأكبر قدر مستطاع ويحارب السطو على أموال الناس، ويشجع الإنتاج حتى يستفيد الناس من الموارد الموجودة بكثرة. وهذا النظام الرباني لا تطبقة إلا دولة الخلافة الراشدة قريبا إن شاء الله.


كتبته للمكتب الاعلامي المركزي لحزب التحرير
الأستاذة غادة عبد الجبار (أم أواب) – الخرطوم

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر