الأزمة ليست في صندوق هيئة قناة السويس  ولكن في النظام الذي أوجده والسياسات والتشريعات التي قننته
February 10, 2023

الأزمة ليست في صندوق هيئة قناة السويس ولكن في النظام الذي أوجده والسياسات والتشريعات التي قننته

الأزمة ليست في صندوق هيئة قناة السويس

ولكن في النظام الذي أوجده والسياسات والتشريعات التي قننته

نقلت العربي الجديد على موقعها الأحد 5 شباط/فبراير2023م تحليلا لمعهد كارنيغي للشرق الأوسط يشرح فيه تداعيات موافقة مجلس النواب (البرلمان) المصري على قانون إنشاء صندوق هيئة قناة السويس، بهدف استثمار فائض الإيرادات التي يحققها تشغيل القناة، والسماح بتأجير الأصول وبيعها، وإنشاء الشركات، والاستثمار في الأدوات المالية، وأوضح أن القانون يسمح للهيئة بتكوين احتياطاتها النقدية الخاصة بتمويل المشاريع الإنمائية في القناة من دون العودة إلى وزارة المالية للحصول على الأموال اللازمة، إلا أنه لم يأت على ذكر أي إشراف تشريعي على عمليات الصندوق، وتابع المعهد أن الجيش يتقاضى عمولة غير رسمية على جميع السفن التي تعبر القناة؛ وحفاظاً على هذا التقليد، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي أن الصندوق سيخضع لإشراف "كيان سيادي"، وهو مصطلح مخفف يُقصد به أحد أجهزة المخابرات أو المؤسسة العسكرية، واستدرك بأن السيسي أدلى بهذا الحديث رغم أن القانون اختص مجلس الوزراء - نظرياً - بسلطة التعيينات في مجلس إدارة الصندوق؛ ما يتيح للجيش بصورة أساسية الوصول إلى الصندوق غير الخاضع للإشراف، وسحبه أي مبالغ طائلة من عائدات قناة السويس من دون رقابة مدنية، وبيّن المعهد أن تعديل القانون جاء في خضم أزمة اقتصادية متفاقمة بسبب النقص الحاد في العملة الصعبة، وتدهور قيمة الجنيه المصري إلى أدنى مستوياته التاريخية مقابل الدولار، على أثر خفض قيمة العملة المحلية ثلاث مرات متتالية في أقل من عام، وأكمل في التحليل أنه سيُعاد توجيه جزء من عائدات قناة السويس على الأقل إلى الصندوق المقترح، ما يعني حرمان موازنة الدولة من مصدر مهم للعملة الصعبة؛ بينما تزداد الأوضاع تأزماً بسبب نقص السلع الأساسية، وبلوغ التضخم أعلى مستوياته منذ خمس سنوات مع تسجيله نسبة 18 في المائة في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي.

وأكد المعهد أن لإنشاء الصندوق هدفين أساسيين؛ أولهما تعزيز الدعم للنظام داخل المؤسسة العسكرية في مواجهة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحادة، والثاني هو التوصل إلى حل وسط بالسماح للمستثمرين الخاصين بالمشاركة في عمليات القناة من دون فقدان السيطرة العسكرية، وختم بالقول إن خطة النظام تتمثل في تهيئة الساحة لخصخصة قناة السويس، من دون تغييرات في قواعد حوكمتها، أو تعزيز الشفافية في ما يتعلق باستخدام عائداتها، محذراً من انهيار مدوٍّ لنموذج التنمية الاقتصادية للنظام، الذي يصر على المضي قدماً في مساره المشوب بالخلل، وما يترتب عن ذلك من تبعات كارثية على المصريين.

معهد كارنيجي أنشأه رأسمالي أمريكي، وهو قطعا يضع تقاريره وما يخلص إليه أمام صناع القرار في البيت الأبيض، وهنا هو ينبههم إلى أن رأس النظام المصري أمام معضلة حقيقية فهو لا يستطيع أن يخرج الجيش من معادلة الاقتصاد المصري بل ومضطر لإعطائه المزيد من الامتيازات لضمان ولاء قادته وحمايتهم أمام أي حراك أو هبة شعبية محتملة خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية الحالية، ولعل هذا ما أشار إليه التقرير بالهدفين الأساسيين لإنشاء الصندوق وهما دعم النظام داخل المؤسسة العسكرية والوصول إلى حل وسط يرضي السادة والمانحين بدخول استثمارات لا تؤثر على حصة العسكر في القناة التي لو نزعت منهم ربما تؤدي لعواقب وخيمة.

لماذا قناة السويس؟! قناة السويس تمر منها 8% إلى 12% من تجارة العالم المنقولة بحرا و35% من حجم التجارة من وإلى موانئ البحر الأحمر والخليج العربي، و20% من حجم التجارة من وإلى موانئ الهند وجنوب شرق آسيا، و39% من حجم التجارة من وإلى منطقة الشرق الأقصى. والقناة ككل الموارد الدائمية تمثل مصدرا مهما ومتجددا للعملات الصعبة حيث تمثل إيراداتها 5% من الدخل القومي لمصر، وقد بلغت إيراداتها منذ 2014-2015 حتى 2021-2022، 45.282 مليار دولار (ويكيبيديا).

في كانون الأول/ديسمبر الماضي صرح رئيس هيئة قناة السويس "أن فكرة الصندوق بدأت منذ عام 2019 مع توليه رئاسة هيئة قناة السويس، منوها أن السيسي سأله "أنت شايل كام على جنب؟"، وأجابه حينها بأن كل أموال الهيئة تذهب إلى موازنة الدولة، ووقتها تم اقتراح فكرة إنشاء الصندوق. وعن ميزانية صندوق هيئة قناة السويس قال 85% من دخل القناة يذهب إلى الموازنة العامة، ويتبقى 15% تذهب للأجور ومصاريف التشغيل، وفي نهاية العام كانت تتبقى أموال فائضة من بند المرتبات ومصاريف التشغيل وكانت تذهب أيضاً إلى موازنة الدولة، ولكن بعد إنشاء القانون ستذهب الأموال المتبقية إلى الصندوق لاستثمارها، أيضاً مبلغ التعويض الخاص بالسفينة إيفرجيفين ذهب أيضاً للصندوق، وأكد أنه لا يوجد أجانب في إدارة صندوق هيئة قناة السويس، لكن الصندوق من الممكن أن يقوم بعمل مشاريع بالمشاركة مع أجانب، ولكن النسبة الأكبر ستكون لهيئة قناة السويس، وبالتالي تكون الإدارة في يد الصندوق والهيئة". (روسيا اليوم 23/12/2022م).

ما نخلص إليه هنا هو أن فكرة الصناديق تم استحداثها لإخراج جزء من دخل الدولة إلى ميزانية خاصة وسرية بعيدا عن ميزانية الدولة، ووفق القانون لا يستطيع أحد الاطلاع عليها أو أخذها، الأمر الذي جعل لمصر 4 ميزانيات؛ واحدة عامة معلومة وإن كانت معلوماتها ليست محل ثقة، و3 ميزانيات سرية الجيش والصندوق السيادي والصناديق الخاصة ومنها صندوق قناة السويس. ولهذه الميزانيات الأربع أن تقترض ما تشاء دون أن تتحمل أعباء السداد فأعباء السداد تتحملها الميزانية العامة، أي تقتطع من قوت الشعب ثم يخرج علينا من يدعي أن الزيادة السكانية تلتهم التنمية وأننا نتصرف بلا مبالاة ودون تحمل للمسؤولية فننجب الأولاد ثم نطالبه بالإنفاق عليهم ويكأنه هو من يطعم أهل مصر حقا؟!

في ظل الرأسمالية توقع أي شيء، فالقوانين تصاغ على هوى الغرب وعملائه وبما يخدم مصالحه ويمكنه من الهيمنة على الموارد ونهب الثروات، وشركات الغرب تهيمن على كل موارد البلاد؛ على القناة وحقول الغاز والبترول ومناجم الذهب وغيرها بعقود ذات بنود سرية لا يعرف الناس عنها شيئا ولا يستطيعون الطعن فيها، فالغرب ليس بحاجة لتلك الصناديق أصلا وإنما هي وسيلة من الحكام لمزيد من النهب ومزيد من سهولة التصرف دون الحاجة حتى للرجوع للمجالس الشكلية المنتخبة أو المعينة، ناهيك عما سوف يوفره من حماية إذا تجرأت الشعوب وحاسبته.

إن الحل الوحيد والحقيقي الذي ينجي مصر من هيمنة الغرب وعملائه ومن دوامة النهب والتفريط المستمرين في الموارد والثروات هو تطبيق الإسلام الذي يقيد الحاكم بأحكام شرعية ملزمة له وللرعية، وما فيها من تقسيم للملكيات يحدد ما تتملكه الدولة وكيف تتصرف فيه، وما يمكن للأفراد تملكه، وأسباب التملك، وما هو من الملكية العامة التي لا يجوز تملكها لشركات أو أفراد أو شخصيات حقيقية أو اعتبارية، وهي الموارد الدائمية وشبه الدائمية ومنها قناة السويس وحقول النفط والغاز والمناجم، أي كل منابع تلك الموارد التي يهيمن الغرب عليها وينهب ما تدره من ثرواتنا، فالإسلام أوجب على الدولة أن تهيمن على تلك الموارد وأن تنتج هي الثروة منها وتعيد توزيعها على الناس جميعا على حد سواء لا فرق بين مسلم أو غير مسلم فالجميع متساوون في الحقوق والواجبات.

هذا ينطبق في واقعه على قناة السويس وما تدره من دخل وعلى مناجم المعادن وحقول الغاز وآبار النفط فيجب أن تكون تحت إدارة الدولة بعيدا عن الشركات الأجنبية وغيرها، والتي يجب طردها من البلاد بشكل نهائي، كما لا يجوز أن تختص فئة من دون باقي الناس بشيء من الثروة التي يجب أن توزع جميعها على الرعية بشكل عادل، وهذا كله سهل يسير، إلا أن تحقيقه على وجهه يحتاج نظاما بديلا ودولة تطبقه، يحتاج الإسلام بأنظمته كاملة تطبق في ظل دولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

أيها المخلصون في جيش الكنانة! إن واقع مصر وأهلها وما يعانون من شقاء لا يخفى عليكم، وإن النظام الذي يشتري صمتكم الآن سيضحي بكم إذا شارفت مركبته على الغرق، ولن تنفعكم أمواله التي يغدق بها عليكم ورتبه ومميزاته التي يمنحكم، ووالله إنها لسحت تجركم إلى جهنم فالفظوها والفظوا النظام معها لفظ النواة، وإنكم وإن كنتم طوق نجاة هذا النظام الآن فمن ينجيه وينجيكم من عذاب الله يوم القيامة وقد كنتم عونا له في حربه على الله ودينه وشرعه؟! وإن نجاتكم وبراءة ذمتكم هي في البراءة من هذا النظام ورجسه والانحياز لأمتكم في صراعها مع الغرب وعملائه من الحكام الخونة، ونصرة العاملين لتطبيق الإسلام وإقامة دولته التي تطبقه من جديد، فسارعوا فالأمر جد لا هزل فيه، ووالله لا نجاة لكم وللأمة إلا به، فمن للإسلام إن لم يكن أنتم ومن ينصره غيركم؟! ألا فلتبادروا عسى الله أن يغفر لكم ما قد سلف ويبدله حسنات وكرامات تكتب في سجلكم يوم تلقونه بنصرة تطبق الإسلام وتقيم دولته، والله ما قصرنا في النصح لكم وسنظل نخاطب نخوتكم ونستنصركم حتى يخرج من بينكم من يستجيب ويقول لبيك لبيك لبيك ويحمل راية رسول الله ﷺ بحقها فينتصر للأمة ويستعيد سلطانها من جديد، وستذكرون ما نقول لكم ونفوض أمرنا إلى الله.

﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر