الدعم الذي ينتظره حكام السودان من أمريكا في مجال التعليم سرابٌ لا يخدم للأمة قضية
November 10, 2019

الدعم الذي ينتظره حكام السودان من أمريكا في مجال التعليم سرابٌ لا يخدم للأمة قضية

الدعم الذي ينتظره حكام السودان من أمريكا في مجال التعليم سرابٌ لا يخدم للأمة قضية


عقد منتدى لدعم أمريكا للتعليم في السودان شارك فيه 35 ممثلاً من 25 مؤسسة أمريكية مختلفة من مؤسسات التعليم العالي في أمريكا، وكانوا يمثلون 16 ولاية من أصحاب المصالح المختلفة مثل الجامعات الحكومية وكليات الفنون الليبرالية وجامعات البحوث الخاصة والوكالات الحكومية الفيدرالية وغير الربحية.


وفي ختام المنتدى، الذي عقد في الفترة ما بين 28 تشرين الأول/أكتوبر إلى 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2019م، وقع العديد من المشاركين على مذكرات تفاهم لتصل إلى 13 شراكة أمريكية سودانية.


- قالت السفارة الأمريكية في الخرطوم إنها قدمت 55 ألف دولار كمنحة لمعهد التعليم العالي في أمريكا لتعزيز قطاع التعليم العالي في السودان.


وأوضحت في بيان صحفي الأحد أن المنحة المقدمة عن طريق قسم الشؤون العامة في السفارة هي متابعة لمنتدى التعاون السوداني الأمريكي الذي انعقد في 2018م حول التعليم العالي والبحث العلمي، وتم بموجبه توقيع مذكرات تفاهم بين مسؤولي الجامعات لإضفاء طابع رسمي على 13 شراكة أمريكية سودانية.


وأشار البيان إلى أن معهد التعليم الدولي سيقوم بتعزيز الشراكات بين السودان وأمريكا من أجل تعزيز التعاون بين البلدين والمساهمة في التنمية الشاملة للسودان. (شبكة الشروق 27 تشرين الأول/أكتوبر 2019م)، لم يأت دعم أمريكا للتعليم في السودان بين عشية وضحاها بل كان وليد أعمال وشراكات حدثت بعيدا عن الإعلام، وهذا ما كشفته السفارة الأمريكية وكأنها تكشف للملأ علاقتها السرية بحكومة البشير الذي قال يوما ما (المتغطي بأمريكا عريان)! ففي تشرين الأول/أكتوبر 2017م تم تقييم إمكانية عقد شراكات في التعليم العالي بين أمريكا والسودان بدعوة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والسفارة الأمريكية بالخرطوم بناءً على مبادرات أخرى عبرت عن دفء العلاقات الدبلوماسية مثل استئناف برنامج فولبرايت الأمريكي للخريجين ووفد برنامج الزائر الدولي المكون من 13 من أساتذة الجامعات السودانية ووكيل وزارة التعليم العالي في عام 2016م، كما كشف البيان إلى أن التقييم استقبل بقدر كبير من الاهتمام مثل هذه الشراكات وسط المؤسسات السودانية وأدى إلى التعاون بين مكتب الشؤون العامة بالسفارة ووزارة التعليم العالي في السودان لتخطيط وتنفيذ منتدى التعاون السوداني الأمريكي الرائد في مجال التعليم العالي والبحث العلمي.


صحيح يمكن أن تكون هناك مصالح متبادلة بين أي دولتين لكن ما هي هذه المصالح ولأي درجة تكون متكافئة؟ وهل من مصلحة الدولة أن تعقد شراكات في مجال حساس مثل التعليم وأن تقبل المنح والهبات التي لا يمكن في العرف السائد اليوم خاصة مع انتشار المبدأ الرأسمالي النفعي أن تكون الشراكات أعمالاً إنسانية بحتة، بل المنفعة المرجوة هي الأصل في كل شراكة كما يؤصل لذلك المبدأ الرأسمالي الذي يسيطر اليوم بقيادة أمريكا التي قال رئيسها بكل وضوح لا مكان للإنسانية في عالم اليوم.


المؤكد أن مفهوم المصالح من منظور أمريكا يختلف عنه في دولة مثل السودان، حيث لا نستطيع القول إنّ السودان يشكل وحدة سياسية لها وجهة نظر وقضية مصيرية، أو على الأقل وحدة ذات سياسة خارجية واحدة يمكن الحديث عنها كوحدة مستقلة، كما هو الحال بالنسبة لأمريكا، التي بينت التجارب التاريخية على الأقل منذ الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية ولغاية الآن بأنها ثابتة، إذ لا تختلف السياسة الخارجية في عهد أي رئيس أمريكي عن الآخر وخاصة ما يتعلق بدول العالم الإسلامي، وإن كانت بعض الوسائل تختلف من حين لآخر، وهذا يعبر عن استمرار النهج الأمريكي وتعريف المصلحة الوطنية لها، بغض النظر عن الفرد الموجود في البيت الأبيض.


يقوم التعليم في أية أمة أساساً على وجهة النظر التي تتبناها لإيجاد مجتمع متناسق متناغم مع وجهة النظر التي يبنى عليها، ولوعي الغرب الكامل على ذلك أصبح يعنى بمجال التعليم في بلاد المسلمين، ولأن الغرب يصبو إلى السيطرة التامة على البلاد الإسلامية وتكريس التعليم لصالحه طبقاً لوجهة نظره ليسهل السيطرة عليها، فكان أداة للسياسة الاستعمارية تفصل المسلمين عن عقيدتهم وتراثهم الإسلامي، وتحول دون نهضتهم وتقدمهم، وتعزز المفاهيم العلمانية والليبرالية وغيرها من المفاهيم التي تفرض وجهة نظر دخيلة على البلاد.


ماذا يمكن أن ننتظر من أمريكا؟ وهل أمريكا حريصة على تقدم التعليم في السودان؟ وهل تاريخها فيه نموذج لشراكات تعود على الدول الشريكة بأي منفعة؟ للإجابة نورد خبراً يؤكد على أن مصالح أمريكا الذاتية هي التي تجعلها تتبنى التعليم ودعمه في السودان وغيره من بلاد المسلمين.


نشر موقع "كومون دريمز" تقريرا للكاتبة جوليا كونلي، تقول فيه إن وزيرة التعليم الأمريكية، بيتسي ديفوس، هددت بقطع الدعم عن برامج لدراسات الشرق الأوسط.


ويشير التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن هذه الخطوة تأتي بسبب تصوير هذه البرامج للإسلام بطريقة "إيجابية جدا"، لافتا إلى أن يوم الأحد كان الموعد النهائي لكل من جامعتي نورث كارولينا وديوك لتقديم معلومات إلى إدارة دونالد ترامب، حول برامج الجامعات للدراسات الشرق أوسطية، بعدما اتهمتها وزارة التعليم بالتحيز ضد المسيحية واليهودية، وتلفت كونلي إلى أن الوزارة طلبت من الجامعتين تقديم قائمة بالمناسبات التي عقدت خلال العام الدراسي، وقائمة كاملة بالمساقات التي قدمتاها، مشيرة إلى أنها زعمت في رسالة أرسلت الشهر الماضي، أن في البرنامج "تأكيدا كبيرا على فهم ملامح الإسلام الإيجابية، في وقت غاب فيه التركيز ذاته على الملامح الإيجابية للمسيحية واليهودية، أو أي نظام دين أو معتقد في الشرق الأوسط".


ويورد الموقع نقلا عن الوزارة، قولها إن "البرنامج يجب أن يؤكد ملامح اللغة الأجنبية ومجالات الدراسة التي تدعم الأمن والاستقرار الاقتصادي للولايات المتحدة".


لا بد من صحوة من هذا السبات والآمال والسراب الذي يعيشه وينتظره حكامنا من أمريكا. فالخلاص والأمل لا يربط بأكبر دولة استعمارية، بل مربوط بالرجوع إلى الله وشرعه الحنيف؛ وذلك باستئناف الحياة الإسلامية بعيداً عن كل هذا الإلهاء الحضاري الذي تعيشه الأمة وراء المفاهيم والنظريات العقيمة التي جعلتنا في ذيل الأمم.


إن دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله ستقوم بتبني سياسات عملية منتجه في مجال التعليم:


1) وضع سياسة التعليم على أساس عقيدة الإسلام حصرا من شأنه أن يبني الشخصيات الإسلامية بعقلية ونفسية إسلامية قوية.


2) وضع المناهج على نحو من شأنه تطوير طريقة التفكير والتفكير التحليلي والرغبة في المعرفة من أجل نيل رضوان الله وثوابه وتقديم مساهمات ذات نفع للأمة بعيدا عن المصلحة المادية البحتة.


3) التركيز على العلوم التجريبية في مختلف مراحل التعليم بهدف تطوير الإنتاج والتنمية والتكنولوجيا لتكون الدولة الإسلامية قائدة للعالم في مجالات الابتكار الصناعي والصحة والهندسة المعمارية والمتطلبات العملية الأخرى للوجود الإنساني ويتم ربط العلم والتكنولوجيا بالحاجات الضرورية العملية مثل الزراعة والصناعة والرعاية الصحية وهذا الذي سيضمن تفوق الأطباء والعلماء والمهندسين بين الأمم.


أما بالنسبة للآداب الثقافية فإن الأمر يكون على مرحلتين الابتدائية والثانوية وفقاً لسياسة محددة لا تتعارض مع الأفكار الإسلامية.


4) تخصيص وقت كاف لتعلم اللغة العربية والعلوم الإسلامية حتى يتم بناء الأطفال على الأفكار الأساسية للإسلام وتطبيقه بشكل عملي وتشجيع التلاميذ ليصبحوا أكفاء في فهم الأحكام الشرعية والقضائية من أجل فهم كيفية تطبيق الإسلام في الحياة العملية.


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار (أم أواب)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر