January 23, 2012

الدستور الإسلامي لماذا الآن.....؟

- المحور الأول: الإسلام مبدأ كامل شامل لكل شؤون الحياة (عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام):

أ‌- لأن أحكام الإسلام كاملة شاملة لكل مفاصل الحياة:

إن الله أنزل لنا نظاماً ينبثق عن العقيدة الإسلامية ينظم علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وبغيره.

قال تعالى:( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)

وقال تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)

فإذا نظرنا عبر بوابة التاريخ لا نجد الأمة الإسلامية قد استعملت أي نص قانوني من غيرها من الأمم رغم أن الأمة الإسلامية قد ترجمت الفلسفات الهندية واليونانية وكتب الطب والفلك وغيرها من العلوم التجريبية ولكنها لم تترجم أي قانون لأننا في التشريع لا نتحاكم إلا للكتاب والسنة.عن طريق مجالد عن الشّعبيّ عن جابر بن عبد الله: ((أنّ عمر بن الخطّاب أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فغضب، فقال: أمُتَهَوِّكون فيها يا ابن الخطّاب، والّذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحقّ فتكذّبوا به، أو بباطل فتصدّقوا به، والّذي نفسي بيده، لو أنّ موسى صلّى الله عليه وسلّم كان حيّا ما وسعه إلاّ أن يتبعني).

وإذا نظرنا عبر بوابة الفقه الإسلامي نجد آلآف الأحكام الإسلامية التي تتعلق بالحكم بالبيع والشراء والحوالة والكفالة والحدود والزكاة وأنواع الملكية والزواج والرضاعة وغيرها من الأحكام التي حققت الرعاية الحقيقة والسعادة والكفاية والرفاه للدولة والمجتمع فهذه الثروة الفقهية والفكرية أين يكون محلها؟ هل نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير هل نجعل تشريع العباد فوق تشريع رب العباد؟

إن هذه الثروة الفقهية أبهرت العالم ونابليون عندما احتل مصر اعتبر أكبر غنيمة عاد بها من مصر هي المدونة الفقهية الإسلامية.

فديننا شامل لكل شؤون الحياة ذو نظام خاص متميز يعالج الشؤون في كل وقت وحين حسب وجهة نظره الخاصة .

ب- لأنه يحرم على المسلمين أخذ أي تشريع من غير إسلامهم:

قال تعالى(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).

قال تعالى(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ).

وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم(كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد).

والأدلة في هذا الباب كثيرة فيحرم علينا أن نأخذ أي تشريع من غير الكتاب والسنة.

ج- لأن القوانين هي نتاج وجهة النظر في الحياة:

القانون مَجْمُوعُ القَوَاعِدِ الَّتِي يُجْبـِرُ السُلْطَانُ الناسَ عَلَى اتباعها في عَلاقَاتِهِمْ كالأنظمة التعليمية والصحية والاجتماعية وغيرها ومن يخالفها يعرض نفسه للعقوبة.

هذه القوانين إذا أخذت مفصولة عن عقيدتها فقدت الحياة والحيوية التي تدفع للالتزام بها فعلى سبيل المثال:

  • عندما هدم كمال أتاتورك الخلافة بالتعاون مع خونة العرب والإنجليز طبق قوانين على أساس العلمانية الرأسمالية لكن لم تحدث هذه القوانين نهضة.
  • وجمال عبد الناصر عندما طبق قوانين الاشتراكية لم تحدث نهضة.

أيها المسلمون:

إن القوانين الوضعية المطبقة في بلاد المسلمين اليوم مقطوعة الحياة لأنها لا تنبثق ولا ترتبط بعقيدة الأمة بل هي تصطدم وتضاد هذه العقيدة وما انبثق عنها من معالجات ومع مجموع القيم والمفاهيم المنبثقة من العقيدة، فالمسلمون يتعاملون مع هذه القوانين كأمر واقع وهي موجودة في الإدارة معدومة في الإرادة.

أما عندما تكون القوانين مرتبطة بالعقيدة تكون فيها الحيوية الدافعة إلى العمل بها أي تعود لها الحياة فتطبق القوانين على اعتبار أنها أوامر ونواهٍ من الله فتكون إدراك صلته بالله هي المسيطرة عليه أي المسلم فعلى سبيل المثال:

  • عندما زنا ماعز بن مالك جاء الرسول صلى الله عليه وسلم واعترف بالزنا ورجم وقال الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن رجم لقد تاب توبة لو قسمت على أمة لوسعتهم والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها.
  • والغامدية التي زنت.
  • ودرع سيدنا علي بن أبي طالب مع اليهودي عند القاضي شريح.

فحتى يعطي الدستور والقانون أكله لا بد أن يكون منبثقاً عن العقيدة الإسلامية وإلا كان مقطوعاً مجمداً لا روح به فلذلك عندما ينظر الغربيون إلى بعض المعالجات الإسلامية من قوانين وعقوبات يعتبر ذلك نوعاً من أنواع الجرائم فهو لا يتخيل قطع يد السارق أو رجم الزاني أو قتل القاتل ونحن نعتبرها جوابر وزواجر وهي حكم شرعي نزل بالوحي من عند خالق الكون والإنسان والحياة.

قال تعالى:(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).

- المحور الثاني: الثـــــــورات العـــــــربية:

أ- بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً:

بدأ الإسلام غريباً سامياً في جاهلية مظلمة غارقة في عبادة الأصنام وفي روابط فاسدة, فبدأ الإسلام بدعوة فكرية متميزة رغم البطش والتنكيل والأذى إلا أن هذه الدعوة ظلت دعوة فكرية تتفاعل مع المجتمع إلى إن تكونت فئة ذات قوة وقاعدة شعبية بذلت نفسها رخيصة في سبيل إعزاز الإسلام بإقامة دولته, وعند قيام الدولة أضيف إلى الصراع الفكري الصراع الدموي لحمل الإسلام رسالة إلى العالمين.

فبقيت الدولة تطبق الإسلام وتحمله إلى العالم منذ عهد النبوة إلى أن هدمت الخلافة.

وبعد هدم الخلافة قسمت الأمة إلى وطنيات وقوميات ووضعت الحدود المصطنعة وطبقة الدساتير الوضعية (دساتير الكفر) وقدست من دون دين الله وأصبحت الأمة تهاب الظالم أن تقول له يا ظالم إلا فئة من الأمة وعت الإسلام فكرة وطريقة ونذرت نفسها لهذا الإسلام العظيم بعد أن تجسد بها فكراً وسلوكا ووقفت في وجه الطغاة الذين اهلكوا الحرث والنسل وطبقوا على الآمة كل فكر عفن نتن من اشتراكي إلى علماني فوقفت هذه الفئة غريبةً تقول للأمة: من هنا الطريق.

إن الغرب الكافر يرقب حركة الوعي في الأمة الإسلامية ويرى بلوغ الإسلام في مرتقى تطلعات الأمة الإسلامية في أغلب مناطقها المفصلية في الرأي العام ولكنه فوجئ بحركة الأمة بل ثورتها على الأنظمة الجبرية العفنة العميلة للغرب الكافر والانقضاض عليها الواحد تلو الآخر, وكان يخيف الغربَ تعالي التكبيرات والصلاة في ميدان التحرير وخروجُها يوم الجمعة من المساجد ترفع شعارات هي لله هي لله ولن نركع إلا لله الله مولانا ولا مولى لهم فسارع الكفر بكل ما أوتي من قوة ومن خلال عملاء فكريين وإسلاميين معتدلين وفضائيات مضللة يريد أن يسلبها صحوتها أو يعيدها إلى سباتها العميق وان كان باسم الإسلام, خصوصاً أن هذه الثورات لم تكن تحمل مشروعاً إلا الخلاص من هذه الأنظمة الجبرية الجاثمة على صدر الأمة.

فلذلك دخل على الأمة من خلال الحركات المعتدلة التي لا يمانع أن تصل إلى الحكم لأنها لا تحمل الإسلام كمشروع حضاري متكامل فهي ترضى بالديمقراطية وترضى بالدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية (وهي علمانية) ولكنها محاولة لحرف الأمة عن حقيقة الدولة المدنية والديمقراطية فيحاولون أن يروجوا لها بين المسلمين بأنها ذات مرجعية دينية.

وهذه الحركات كذلك ترضى بالدساتير الوضعية وتعتبر أن تغيير بعض المواد أو جعل دين الدولة الإسلام نصر من الله وفتح مبين ورغم كل هذه التنازلات التي يقدمها الإسلاميون من عدم فرض الحجاب وعدم منع الخمور والرضى بالديمقراطية والدولة المدنية نجد السفارة الأمريكية تدعو "أصدقاءها" بالقاهرة لاجتماع عاجل لبحث تداعيات فوز الإسلاميين.

ب‌- حالة التبعية التي يعيشها أدعياء الثقافة بالإضافة إلى حالة الفزع التي تعيشها تلك الحركات عند ذكر الخلافة الإسلامية:

أولئك الذين لا يتصورون الإنتاج والإبداع الفكري والفقهي والسياسي إلا من خلال أدوات الكفر الديمقراطية والدولة المدنية العلمانية ونحن كأمة إسلامية عندنا هذا التراث العالمي بل هو عملاق عالمي فكرياً وسياسياً وفقهياً واقتصادياً واجتماعيا لا يوجد عند أية أمة من الأمم.

ج- الثورات العربية قد تكون هي نهاية الحكم الجبري وبداية الخلافة الراشدة.

- أما المحور الثالث والأخير فهو : أن الإسلام هو البديل الحضاري القادم والمنقذ للعالم من الرأسمالية العفنة ونارها.

قال تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)

قال تعالى:( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)

نحن أمة الوحي أمة الرسالة نحمل الإسلام رسالة هدى ونور وخير للعالمين رسالة رحمة وعدل.

نحن أمة التحرير الحقيقي لنحرر العباد من عبادة المصلحة والمنفعة والهوى والشهوات إلى عبادة رب العباد.

لنحرر الإنسان من ضيق الرأسمالية العفنة المتآكلة المنهارة وظلمها ونارها إلى سعة الإسلام وسعادته وعدالته إلى سعة الدارين الدنيا والآخرة.

لنحرر الإنسان من كل رابطة هابطة منحطة كالوطنية والقومية وغيرها من روابط إلى أسمى رابطة وهي الرابطة المبدئية رابطة العقيدة الإسلامية التي توافق فطرة الإنسان وتقنع عقله لنجعل الإنسان مرتبطاً بالسماء بإطاعة أوامر الله على الأرض أي بإطاعة شرع الله الذي أنزله للإنسان في كل وقت وحين.

فنحن أصحاب رسالة الإسلام مطالبون بحملها إلى العالمين فلا بد من كيان تنفيذي لهذه الشريعة؛ لهذه الرسالة؛ يطبقها من خلال دستور منبثق عن هذه العقيدة أي لا بد من دولة تقوم بالتطبيق وحمل الإسلام رسالة إلى العالمين من خلال الجهاد وبدون هذا تكون الأمة فاقدةً هذه الميزة التي كرمنا بها رب العالمين وتكون الأمة منتحرة سياسياً مضبوعة بل مستعمرة فكرياً.

إن الرأسمالية العلمانية الديمقراطية تترنح والعالم يرفضها بل يلفظها والإسلام الصاعد هو المشروع الحضاري الشامل لكافة مناحي الحياة بل هو النظام العالمي القادم بإذن الله فلا بد أن يكون في دولة يكون الدستور بها من جنس الفكرة التي تقوم عليها لتعطي ناحية دعوية عملية لهذه الرسالة عدا عن واجب الدولة حمل الإسلام رسالة إلى العالم.

قال تعالى:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).

إعداد:محمد العموش

المزيد من القسم null

نص المادة 167:

(نقود الدولة هي الذهب والفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة، ولا يجوز أن يكون لها نقد غيرهما، ويجوز أن تصدر الدولة بدل الذهب والفضة شيئا أخر، على أن يكون في خزانة الدولة ما يساويه من الذهب والفضة، فيجوز أن تصدر الدولة نحاسا أو برونزا أو ورقا أو غير ذلك، وتضربه باسمها نقدا لها إذا كان له مقابل يساويه تماما من الذهب والفضة).

تبين هذه المادة أن الإسلام قد حدد النقد، وفرض على الدولة أن تتقيد به، وهذا النقد هو الذهب والفضة ليس غير، فالشرع لم يترك للدولة أن تصدر النقد الذي تريده من أي نوع تشاء، وإنما عين الوحدات النقدية التي للدولة أن تجعلها نقدا لها إذا أرادت أن تصدر نقدا بوحدات نقدية معينة، هي الذهب والفضة ليس غير.

والدليل على ذلك أن الإسلام ربط الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية، عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب، قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: (وإن في النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الوَرِق ألفُ دينار)، وقال: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا)، فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار والدرهم والمثقال، يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة، وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود.

فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد، فربط الشرع الذهب والفضة بهذه الأحكام يعني أنهما حَصْرا هما النقد.

وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى حين فرض زكاة النقد أوجبها على الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة، فلو كان النقد غيرهما لما وجبت فيه زكاة النقد، لأنه لم يأت نص في زكاة النقد إلا على الذهب والفضة، مما يدل على أنه لا إعتبار لغيرهما من النقود.

وأيضا فإن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما، وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت على الذهب والفضة.

وأما الصرف فهو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة وإما بيع عملة بعملة أخرى.

وبعبارة أخرى الصرف بيع نقد بنقد، فتعيين الشرع للصرف بالذهب والفضة وحدهما دون غيرهما، دليل صريح على أن النقد يجب أن يكون الذهب والفضة ليس غير، قال عليه الصلاة والسلام: ( بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد)، وقال عليه السلام: (الذهب بالوَرِق ربا إلا هاءَ وهاء). وفوق ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عين الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يُرجع اليه عند قياس السلع والجهود والخدمات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم والدانق والقيراط والمثقال والدينار. وكانت هذه كلها معروفة ومشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس.

فكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد جعل النقد الذهب والفضة، وكون الشرع قد ربط بعض الأحكام الشرعية بهما وحدهما، وجعل الزكاة النقدية محصورة بهما، وحصر الصرف والمعاملات المالية بهما، كل ذلك دليل واضح على أن نقد الإسلام، إنما هو الذهب والفضة ليس غير.

فكون الشرع قد عين النقد الذي تصدره الدولة وهو الذهب والفضة، لا يعني أن الدولة تقيد المبادلات بين الناس في البلاد التي تحكمها بهذا النقد، بل يعني أن الأحكام الشرعية التي عين الشرع فيها النقد، بوحدة معينة، لا تجري على هذه الأحكام إلا بحسب هذا النقد.

أما المبادلات بين السلع فتبقى مباحة كما جاء الشرع بها، ولا يحل للخليفة أن يقيدها، لأن هذا التقييد هو تحريم لمباح، وهو لا يجوز ولا يحل للدولة أن تفعله، إلا أنه إذا رأت الدولة أن إباحة نقدٍ غيرها في البلاد التي تحت سلطانها، يؤدي إلى ضرب نقدها، أو ضرب مالها، أو ضرب اقتصادها، أو يؤدي إلى ضرر، فإنها حينئذ تمنعه عملا بقاعدة: ( الوسيلة إلى الحرام حرام)، وكذلك إذا رأت نقدا معينا يؤدي إلى ذلك، فإنها تمنع ذلك بقاعدة: ( كل فرد من أفراد الشيء المباح إذا كان يؤدي إلى ضرر يحرم ذلك الفرد ويبقى الشيء مباحا).

إن المبادلة في الأشياء مباحة مطلقا، إلا ما ورد النص بتحريمه، فيحرم التبادل فيه. وبناء على ذلك، فان مبادلة السلعة بنقد والنقد بسلعة، وكذلك مبادلة الجهد بنقد، والنقد بجهد مباحة مطلقا، إلا السلع والجهود التي ورد نص بتحريمها.

ولتسهيل هذه المبادلات على الناس، يجوز للدولة أن تصد ر أوراقا نقدية نائبة عن الذهب والفضة تمثلهما تمثيلا كاملا، يعني أن غطاءهما الذهبي أو الفضي يمثل قيمتهما مائة في المائة، ولحامل هذه الأوراق النقدية النائبة أن يحولها الى ذهب أو فضة حسب غطائها .

وقد تصدر الدولة أوراقا نقدية مغطاة بجزء من قيمتها - ذهبا أو فضة - بنسبة محددة معينة، ويطلق عليها (النقود الوثيقة) أي حصلت الثقة بها من الثقة فى الجهة التي أصدرتها، ويكون القسم المغطى منها بالذهب أو الفضة عملة نائبة عنهما، ويجري بها التبادل، للنقود والسلع والخدمات.

ويجوز للدولة أن تصدر نقدا خاصا وتضربه باسمها، من المعادن الأخرى غير الذهب أو الفضة، كالبرونز والنحاس، التي يسهل على المسلم تداولها، لشراء المحقرات من الأشياء، شريطة أن يكون له ما يساويه من الذهب والفضة .

والى حلقة قادمة ومادة اخرى من مواد النظام الا قتصادي في الاسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

نص المادة 166:
(تصدر الدولة نقدا خاصا بها يكون مستقلا ولا يجوز أن يرتبط بأي نقد أجنبي).


تُعَرَّف النقود بأنها الشيء الذي اصطلح الناس على جعله ثمنا للسلع وأجرة للجهود والخدمات، سواء أكان معدنا أم غير معدن، وبه تقاس جميع السلع وجميع الجهود والخدمات.


وكان الناس يتبايعون ويتبادلون السلع والجهود مقايضة قبل أن تعرف النقود، ولكن لما كان تبادل السلع والجهود مقايضة، يكتنفه كثير من الصعوبات التي فرضت قيدا على المعاملات التجارية، فقد فكرت الجماعات في اختيار سلعة أساسية، لها قيمة في ذاتها وسهلة التداول، وقد اتخذت الدولة الرومانية والبلاد التابعة لها الذهب أساسا لعملتها، فسكت منه الدنانير الهرقلية، وجعلتها على شكل ووزن معينين.


كذلك اتخذت الدولة الفارسية والبلاد التابعة لها الفضة أساسا لعملتها، وسكَّت منها الدراهم وجعلتها على شكل ووزن معينيين.
فلما جاء الإسلام، أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم التعامل بهذه الدنانير الرومانية والدراهم الفارسية وأقر اعتبارها نقدا، وأقرها الخلفاء الراشدون من بعده، كما أقر الأوزان التي كانت قريش تزن بها هذه الدنانير والدراهم.


وبقي المسلمون يستعملون هذه الدنانير والدراهم على شكلها وضربها وصورها، طيلة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يضرب نقدا معينا على صفة معينة، وظلت الدولة طوال أيامه عليه السلام، وطوال أيام الخلفاء الراشدين الأربعة، وصدر بني أمية، اللهم إلا ما قام به عمر في أيام خلافته الأولى من ضرب دراهم جديدة، ولكن على الطراز البيزنطي والطراز الفارسي، إلى أن جاء عبد الملك بن مروان سنة 76من الهجرة، فرأى أن يصدر نقدا من الذهب والفضة ويجعلها على الطراز الإسلامي، وتحمل نصوصا إسلامية، وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف، وبناء على الأوزان الشرعية.
ومنذ ذلك التاريخ وجدت دراهم إسلامية، ودنانير إسلامية مضروبة، أما قبل ذلك فلم يكن موجودا.


ومن هنا كان إصدار النقد مباحا، وليس واجبا على الدولة، إلا أنه إذا أصبح حفظ اقتصاد البلاد من الضياع، وحمايته من الأعداء، يحتاج الى إصدار النقد، فإنه حينئذ يصبح إصداره واجبا، عملا بالقاعدة الشرعية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).


هذا هو واقع إصدار النقود، وواقع ما سار عليه المسلمون من إتخاذ النقود وإصدارها، واستعمال الذهب والفضة أساسا لها.


وعلى دولة الخلافة أن تجعل نقدها هو الذهب والفضة وأن تسير على قاعدة هذين المعدنين كما كان الحال أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده.
أما ما ذكر في المادة من حرمة ربط هذا النقد الذي تصدره الدولة بنقد آخر، كربطه بالدولار أو الجنيه الإسترليني أو أي نقد للدول الكافرة، كما هي الحال مع جميع الدول القائمة في بلا د المسلمين اليوم، لأن النقد يكون تابعا عند ربطه، وتحت مطرقة الدول الكافرة من الناحية المالية والسياسية، ووسيلة ضغط تستعمله هذه للإذلال والخضوع، والله سبحانه وتعالى يقول: )ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)، والقاعدة الشرعية: (الوسيلة إلى الحرام حرام).
لذلك يحرم على الدولة أن تربط نقدها بنقد غيرها مطلقا.


والى حلقة قادمة ومادة اخرى من مواد النظام اللإقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.