الدستور الإسلامي... لماذا الآن؟
September 13, 2012

الدستور الإسلامي... لماذا الآن؟


لقد قام حزب التحرير بوضع دستور كامل متكامل للدولة الإسلامية التي يسعى لإقامتها، قام الحزب بوضع هذا الدستور سنة 1963م وقدمه للأمة ليكون موضع نقاش في الأمة الإسلامية التي كانت قد تخلصت أو بدأت في التخلص من الاستعمار العسكري المباشر الذي جثم على صدرها في أواخر الدولة العثمانية وبعد سقوطها، والتي تكالبت عليها قوى الكفر فاقتطعت أجزاء منها إبّان ضعفها، ومن ثم قامت بالقضاء عليها وإنهاء وحدة أراضيها التي كانت عليها وتقسيمها إلى وحدات جغرافية تسمى دولاً، تم توزيع النفوذ فيها بين الإنجليز والفرنسيين باتفاقية سايكس بيكو اللعينة سنة 1916م.


في فترة الستينات بدأ مسلسل تغيير وجوه الاستعمار -بعد أن تعرض لحملة عالمية عليه قادها الاتحاد السوفيتي آنذاك بعد الحرب العالمية الثانية- فبدأ مسلسل الاستقلالات المزعوم، فكان أن خرج الاستعمار بجيوشه العسكرية وبقي بنفوذه السياسي من خلال عملاء مخلصين له، زينوا للناس أنهم مُخَلّصوه من الاستعمار اللعين. ومع هذه الاستقلالات بدأت تلك الدول بوضع "أعلام الاستقلال" والأناشيد الوطنية، ومن ثم وضع دساتير للبلاد. وبدأت تلك "الدول المستقلة" تلتفت شرقا وغربا تستجدي دستورا للوطن، ولم تلتفت لما تملكه من تراث تشريعي وفقهي عملي لا تمتلكه أية أمة من الأمم، ولعل المدونة الفقهية للإمام مالك كانت أكبر غنيمة حصل عليها نابليون عندما احتل مصر، فقام بإرسالها إلى فرنسا مباشرة.


أراد حزب التحرير بوضعه لهذا الدستور في هذا الوقت أن يقول لهؤلاء الحكام وللمضبوعين بالغرب وبثقافته وقوانينه ودساتيره، لا تُتعبوا أنفسكم بالتسول على عتبات الغرب الكافر، وفتشوا في تراثكم التشريعي الغني فسوف تجدون منظومة تشريعية متكاملة، ليس فيها أي شيء غير إسلامي ولا متأثر بأي شيء غير إسلامي. فقام الحزب بإخراج مشروع دستور دولة الخلافة مشروعا متناسقا، بارع الصياغة متكامل الأركان، مناديا الأمة الإسلامية أن تعمل على وضعه موضع التطبيق، وأن تصرخ في وجه هؤلاء المضبوعين الذين سموا أنفسهم لجنة تأسيسية، لتقول لهم الأمة: تأسيسية لماذا؟! فهل نحن أمة وليدة اليوم ليس لها نظام تريد أن تؤسس لنفسها مكانا تحت الشمس فتستعين بغيرها، إننا أمة عريقة في التاريخ حملت الخير للبشرية طوال قرون ناهزت العشرة قرون، ولدينا اليوم ما نقدمه للعالم لنخرجه من حالة التخبط والضياع والقهر، فالإسلام دين عظيم جاء رحمة للعالمين، قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ}.


وها نحن اليوم بعد ثورة 25 يناير نعيد الكرّة مرة ثانية، ونقول للجنة التأسيسية الجديدة التي تقوم بوضع دستور جديد لمصر الثورة، من أنتم حتى تحددوا مصير بلد عريق كمصر حاضرة العالم الإسلامي؟ من أنتم حتى تتجرؤوا على وضع دستور كفرٍ لبلد إسلامي كمصر؟ هل تظنون أنكم يمكن أن تخدعوا أهل مصر بذر الرماد في عيونهم بمادتكم الثانية تلك التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟ هل يمكن أن تتصوروا أنكم بقولكم "دستور توافقي" أن توهموا أهل مصر أن هذا ما توافق عليه أهل مصر، وما علينا إلا أن نخرج في غزوة جديدة للصناديق لنقول لدستوركم المهلهل نعم وألف نعم؟ إننا لا نرضى إلا أن يكون الإسلام هو المصدر الوحيد للتشريع، بل أكثر من ذلك إننا لا نرضى إلا أن تكون العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة، بحيث لا يتأتى وجود أي شيء في كيانها أو جهازها أو محاسبتها أو كل ما يتعلق بها، إلا بجعل العقيدة الإسلامية أساسا له. وهي في الوقت نفسه أساس الدستور والقوانين الشرعية بحيث لا يسمح بوجود شيء مما له علاقة بأي منهما إلا إذا كان منبثقا عن العقيدة الإسلامية.


إننا نقول لكم ولمن يقف وراءكم داعما عملكم، مباركا إصراركم على إخراجكم لدستور علماني للبلاد، إنكم لا تختلفون عمن سبقكم من لجان الظلم التي قنّنت الظلم دستورا، فهو ليس دستورا منبثقا من عقيدة هذه الأمة، وهو حكم بغير ما أنزل الله، وأقل ما يقال عنكم أنكم ظالمون {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، إن دستوركم هذا هو دستور زائف غير متناسق من كل وادٍ عصا، هو دستور مستورد من عند الغرب الكافر الذي يعيش أزمة اقتصادية وقيميّة خانقة من جراء نظامه الرأسمالي العفن الذي انبهرتم به فصم أعينكم وآذانكم.


إننا ومعنا جموع أهل مصر لا نقرّ حكما غير حكم الإسلام، إيمانا وعملا، ولا دولة غير دولة الإسلام، دولة الخلافة، وإن دستوركم الذي به تفرحون سيكون مصيره مصيرَ نظام مبارك الذي به تقتدون.


وأخيرا نقول لكم: لماذا هذا الدستور الإسلامي الآن؟


1- ألستم تؤمنون بديمقراطيتكم تلك التي انبهرتم بها، ألا تقول ديمقراطيتكم تلك أنها تعني حكم الأغلبية، أليس أهل مصر في غالبيتهم الساحقة مسلمين، ويريدون أن يحكموا بأحكام شريعتهم، أم إنكم تقولون ما لا تفعلون؟


2- هل تعرفون أن الفقه عند المسلمين هو العلم بالمسائل الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية، وبهذا فإننا نمتلك تشريعا عمليا مستنبطا من الكتاب والسنة ومما أرشدا إليه من أدلة كإجماع الصحابة والقياس المبني على علة شرعية، قادر على علاج كل مشكلات العصر؟ قال تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا} ويقول {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}.


3- نحن لسنا مخيرين بين دستور إسلامي أو غيره، بل الواجب هو أن يكون دستورنا دستورا إسلاميا فقط، فالإسلام هو عقيدة هذه الأمة، وهو يعبر عن ثقافتها وحضارتها وتراثها الفقهي والتشريعي، والأمة تحيا به كل يوم، وتسمع أحكامه ومواده في كل مكان -لا في قاعات المحاكم "المظالم" فحسب كالقوانين الوضعية- بل هي تراه حيّاً في كل مفصل من مفاصل حياتها، وتسمع به على المنابر وفي المدارس والجامعات وفي المنتديات، فهو في حلها وترحالها حاضر بكل قوة ، فكيف نأتي بعد كل هذا في محاكمنا بقوانين وضعية جامدة لا حياة فيها مقطوعة عن وجدان الأمة؟!


4- نحن نقول بالدستور الإسلامي لأن الأمة ترضى أحكامه بل وتسلّم بها تسليما، ولا تتحايل عليها للهروب من تطبيقها، ومثال ذلك أن المسلم يدفع زكاة ماله عن رضا وحُبّ وتسليم، بينما تراه يتحايل في الوقت نفسه على دفع ضرائب مفروضة عليه بقوانين ظالمة جائرة، قال تعالى {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.


5- نحن نقول بالدستور الإسلامي للقضاء على حالة التبعية والانضباع لدى بعض أبناء هذه الأمة بما عند الغرب، ولو كان أظهر شيء فسادا، بينما يستنكفون عمّا يُعرض عليهم من دينهم وثقافتهم وحضارتهم العظيمة، قال تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودا}.


6- وأخيرا نحن نقول للمضبوعين بالحضارة الغربية لا تفتروا على الله الكذب، وتقولوا أن الإسلام لا يملك نظاما للحكم، وأنه يمكننا أن نبني نظاما جمهوريا ديمقراطيا مدنيا برلمانيا أو رئاسيا أو مختلطا، ونكون في الوقت نفسه ملتزمين بجعل مبادئ الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع فهذه تنقض تلك، وما هو إلا نظام واحد أُمرنا أن نُحكَمَ ونَحكُمَ به، وهو نظام الخلافة الإسلامية الذي أسس بنيانه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار عليه الخلفاء الراشدون من بعده، والذي يجب علينا العمل بكل ما أوتينا من قوة لجعله نظاما حاكما لنا، خلافة على منهاج النبوة، يرضى عنها ربنا ويُلَمّ بها شَعثُنا وتُحفَظ بها أعراضُنا، وأموالُنا وثرواتُنا، نكون فيها سِلمًا لأولياء الله، حربًا على أعدائه، ويومئذٍ نضع الدستور الإسلامي موضع التطبيق، فيفرح المؤمنون بنصر الله.

شريف زايد - رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير ولاية مصر

المزيد من القسم null

نص المادة 167:

(نقود الدولة هي الذهب والفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة، ولا يجوز أن يكون لها نقد غيرهما، ويجوز أن تصدر الدولة بدل الذهب والفضة شيئا أخر، على أن يكون في خزانة الدولة ما يساويه من الذهب والفضة، فيجوز أن تصدر الدولة نحاسا أو برونزا أو ورقا أو غير ذلك، وتضربه باسمها نقدا لها إذا كان له مقابل يساويه تماما من الذهب والفضة).

تبين هذه المادة أن الإسلام قد حدد النقد، وفرض على الدولة أن تتقيد به، وهذا النقد هو الذهب والفضة ليس غير، فالشرع لم يترك للدولة أن تصدر النقد الذي تريده من أي نوع تشاء، وإنما عين الوحدات النقدية التي للدولة أن تجعلها نقدا لها إذا أرادت أن تصدر نقدا بوحدات نقدية معينة، هي الذهب والفضة ليس غير.

والدليل على ذلك أن الإسلام ربط الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير، فحين فرض الدية، عين لها مقدارا معينا من الذهب، وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب، قال صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: (وإن في النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الوَرِق ألفُ دينار)، وقال: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا)، فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار والدرهم والمثقال، يجعل الدينار بوزنه من الذهب، والدرهم بوزنه من الفضة، وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود.

فتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد، فربط الشرع الذهب والفضة بهذه الأحكام يعني أنهما حَصْرا هما النقد.

وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى حين فرض زكاة النقد أوجبها على الذهب والفضة، وعين لها نصابا من الذهب والفضة، فلو كان النقد غيرهما لما وجبت فيه زكاة النقد، لأنه لم يأت نص في زكاة النقد إلا على الذهب والفضة، مما يدل على أنه لا إعتبار لغيرهما من النقود.

وأيضا فإن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد، إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما، وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت على الذهب والفضة.

وأما الصرف فهو بيع عملة بعملة، إما بيع عملة بنفس العملة وإما بيع عملة بعملة أخرى.

وبعبارة أخرى الصرف بيع نقد بنقد، فتعيين الشرع للصرف بالذهب والفضة وحدهما دون غيرهما، دليل صريح على أن النقد يجب أن يكون الذهب والفضة ليس غير، قال عليه الصلاة والسلام: ( بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد)، وقال عليه السلام: (الذهب بالوَرِق ربا إلا هاءَ وهاء). وفوق ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عين الذهب والفضة نقدا، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يُرجع اليه عند قياس السلع والجهود والخدمات، وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم والدانق والقيراط والمثقال والدينار. وكانت هذه كلها معروفة ومشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بها الناس.

فكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد جعل النقد الذهب والفضة، وكون الشرع قد ربط بعض الأحكام الشرعية بهما وحدهما، وجعل الزكاة النقدية محصورة بهما، وحصر الصرف والمعاملات المالية بهما، كل ذلك دليل واضح على أن نقد الإسلام، إنما هو الذهب والفضة ليس غير.

فكون الشرع قد عين النقد الذي تصدره الدولة وهو الذهب والفضة، لا يعني أن الدولة تقيد المبادلات بين الناس في البلاد التي تحكمها بهذا النقد، بل يعني أن الأحكام الشرعية التي عين الشرع فيها النقد، بوحدة معينة، لا تجري على هذه الأحكام إلا بحسب هذا النقد.

أما المبادلات بين السلع فتبقى مباحة كما جاء الشرع بها، ولا يحل للخليفة أن يقيدها، لأن هذا التقييد هو تحريم لمباح، وهو لا يجوز ولا يحل للدولة أن تفعله، إلا أنه إذا رأت الدولة أن إباحة نقدٍ غيرها في البلاد التي تحت سلطانها، يؤدي إلى ضرب نقدها، أو ضرب مالها، أو ضرب اقتصادها، أو يؤدي إلى ضرر، فإنها حينئذ تمنعه عملا بقاعدة: ( الوسيلة إلى الحرام حرام)، وكذلك إذا رأت نقدا معينا يؤدي إلى ذلك، فإنها تمنع ذلك بقاعدة: ( كل فرد من أفراد الشيء المباح إذا كان يؤدي إلى ضرر يحرم ذلك الفرد ويبقى الشيء مباحا).

إن المبادلة في الأشياء مباحة مطلقا، إلا ما ورد النص بتحريمه، فيحرم التبادل فيه. وبناء على ذلك، فان مبادلة السلعة بنقد والنقد بسلعة، وكذلك مبادلة الجهد بنقد، والنقد بجهد مباحة مطلقا، إلا السلع والجهود التي ورد نص بتحريمها.

ولتسهيل هذه المبادلات على الناس، يجوز للدولة أن تصد ر أوراقا نقدية نائبة عن الذهب والفضة تمثلهما تمثيلا كاملا، يعني أن غطاءهما الذهبي أو الفضي يمثل قيمتهما مائة في المائة، ولحامل هذه الأوراق النقدية النائبة أن يحولها الى ذهب أو فضة حسب غطائها .

وقد تصدر الدولة أوراقا نقدية مغطاة بجزء من قيمتها - ذهبا أو فضة - بنسبة محددة معينة، ويطلق عليها (النقود الوثيقة) أي حصلت الثقة بها من الثقة فى الجهة التي أصدرتها، ويكون القسم المغطى منها بالذهب أو الفضة عملة نائبة عنهما، ويجري بها التبادل، للنقود والسلع والخدمات.

ويجوز للدولة أن تصدر نقدا خاصا وتضربه باسمها، من المعادن الأخرى غير الذهب أو الفضة، كالبرونز والنحاس، التي يسهل على المسلم تداولها، لشراء المحقرات من الأشياء، شريطة أن يكون له ما يساويه من الذهب والفضة .

والى حلقة قادمة ومادة اخرى من مواد النظام الا قتصادي في الاسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

نص المادة 166:
(تصدر الدولة نقدا خاصا بها يكون مستقلا ولا يجوز أن يرتبط بأي نقد أجنبي).


تُعَرَّف النقود بأنها الشيء الذي اصطلح الناس على جعله ثمنا للسلع وأجرة للجهود والخدمات، سواء أكان معدنا أم غير معدن، وبه تقاس جميع السلع وجميع الجهود والخدمات.


وكان الناس يتبايعون ويتبادلون السلع والجهود مقايضة قبل أن تعرف النقود، ولكن لما كان تبادل السلع والجهود مقايضة، يكتنفه كثير من الصعوبات التي فرضت قيدا على المعاملات التجارية، فقد فكرت الجماعات في اختيار سلعة أساسية، لها قيمة في ذاتها وسهلة التداول، وقد اتخذت الدولة الرومانية والبلاد التابعة لها الذهب أساسا لعملتها، فسكت منه الدنانير الهرقلية، وجعلتها على شكل ووزن معينين.


كذلك اتخذت الدولة الفارسية والبلاد التابعة لها الفضة أساسا لعملتها، وسكَّت منها الدراهم وجعلتها على شكل ووزن معينيين.
فلما جاء الإسلام، أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم التعامل بهذه الدنانير الرومانية والدراهم الفارسية وأقر اعتبارها نقدا، وأقرها الخلفاء الراشدون من بعده، كما أقر الأوزان التي كانت قريش تزن بها هذه الدنانير والدراهم.


وبقي المسلمون يستعملون هذه الدنانير والدراهم على شكلها وضربها وصورها، طيلة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يضرب نقدا معينا على صفة معينة، وظلت الدولة طوال أيامه عليه السلام، وطوال أيام الخلفاء الراشدين الأربعة، وصدر بني أمية، اللهم إلا ما قام به عمر في أيام خلافته الأولى من ضرب دراهم جديدة، ولكن على الطراز البيزنطي والطراز الفارسي، إلى أن جاء عبد الملك بن مروان سنة 76من الهجرة، فرأى أن يصدر نقدا من الذهب والفضة ويجعلها على الطراز الإسلامي، وتحمل نصوصا إسلامية، وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف، وبناء على الأوزان الشرعية.
ومنذ ذلك التاريخ وجدت دراهم إسلامية، ودنانير إسلامية مضروبة، أما قبل ذلك فلم يكن موجودا.


ومن هنا كان إصدار النقد مباحا، وليس واجبا على الدولة، إلا أنه إذا أصبح حفظ اقتصاد البلاد من الضياع، وحمايته من الأعداء، يحتاج الى إصدار النقد، فإنه حينئذ يصبح إصداره واجبا، عملا بالقاعدة الشرعية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).


هذا هو واقع إصدار النقود، وواقع ما سار عليه المسلمون من إتخاذ النقود وإصدارها، واستعمال الذهب والفضة أساسا لها.


وعلى دولة الخلافة أن تجعل نقدها هو الذهب والفضة وأن تسير على قاعدة هذين المعدنين كما كان الحال أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده.
أما ما ذكر في المادة من حرمة ربط هذا النقد الذي تصدره الدولة بنقد آخر، كربطه بالدولار أو الجنيه الإسترليني أو أي نقد للدول الكافرة، كما هي الحال مع جميع الدول القائمة في بلا د المسلمين اليوم، لأن النقد يكون تابعا عند ربطه، وتحت مطرقة الدول الكافرة من الناحية المالية والسياسية، ووسيلة ضغط تستعمله هذه للإذلال والخضوع، والله سبحانه وتعالى يقول: )ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)، والقاعدة الشرعية: (الوسيلة إلى الحرام حرام).
لذلك يحرم على الدولة أن تربط نقدها بنقد غيرها مطلقا.


والى حلقة قادمة ومادة اخرى من مواد النظام اللإقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.