الدولة المدنية هي رؤية الحوثيين الجديدة للحكم في اليمن!
February 13, 2019

الدولة المدنية هي رؤية الحوثيين الجديدة للحكم في اليمن!

الدولة المدنية هي رؤية الحوثيين الجديدة للحكم في اليمن!

عادةً يقدم العاملون للتغيير رؤاهم السياسية الجديدة لرعاية شؤون الناس، مختلفةً عمن سبقوهم في الحكم، قبل أن يصلوا إلى سدة الحكم، لأن الناس هم من يوصلونهم إلى الحكم بعد تفاعلهم إيجابيا مع ما يقدمونه من أفكار. بالأمس حمل الحوثيون أسلحتهم واندفعوا من صعدة إلى العاصمة صنعاء. حزب التحرير الذي تعرض شبابه للاعتقال من الحوثيين ولا يزالون ألحّ عليهم بالسؤال عن رؤيتهم السياسية لحكم اليمن. وفي 2019/01/29م بعد سنوات أربع من الإعراض عن الإجابة، أطل الحوثيون بمسودة رؤية للحكم في اليمن، فماذا عساها تقول؟

مسودة الرؤية الجديدة للحكم قدمت للمجلس السياسي الأعلى - المكون من الحوثيين وحزب المؤتمر الشعبي العام - الذي بسط الحوثيون سيطرتهم عليه بكل عنجهية بعد تخلصهم في 2017/12/14م من شريكهم فيه "علي صالح"، ولم يسع شركاءهم المؤتمريين سوى هز الرؤوس بالموافقة على مسودة الرؤية.

تضمنت الرؤية مصطلحات مختلفة تظهر أن هذه الرؤية أعدت على أساس ونمط وتفريع الدولة المدنية في الغرب الرأسمالي، الذي عانى من ظلم الكنيسة الديني على الناس في العصور الوسطى متخذا الدولة المدنية بديلا عن الدولة الدينية. كان ذلك صريحا في مخرجات الحوار الوطني التي اعتمدتها الرؤية مرجعاً من مراجعها. الصادم في المنخرطين معهم في القتال والناس بأنهم يسعون للحكم بالإسلام بمجرد وصولهم وتمكنهم من زمام الأمور. وسوف نورد نصوصا ذكرت حرفيا في الرؤية لمعرفة ما تنطوي عليه.

جاء في الرؤية "وقد كان إطلاق المشروع لبناء الدولة كأساس يتفاعل معه كل مخلص من الشعب اليمني وقواه السياسية لبناء الدولة اليمنية الحديثة..."، و"لذا فإننا نطلق اليوم هذه الرؤية الوطنية للتعبير عن هذا المشروع لبناء الدولة بما يحمله معنى البناء من أسس ومبادئ وقيم وطنية خالصة تتضمن الإصلاح والتطوير...". هكذا يكون واضعو الرؤية انفردوا بقرار أن رؤيتهم هي الأساس. ما هو هذا الأساس المقدس الذي لا يجوز المساس به، ولا يهم موافقة الناس من عدمها عليه؟ فقد دعي الناس إذاً كشهود زور بمنطق فرعون ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وما أبعد الرؤية الموضوعة عن الرشاد! أما التوكيد على "أسس ومبادئ وقيم وطنية خالصة تتضمن الإصلاح والتطوير..."، فالأساس الذي تبنى عليه الدولة الناهضة واحد وليس أكثر، والدولة الناهضة إنما تقوم على مبدأ واحد "عقيدة ينبثق عنها نظام" لحل مشاكل الإنسان الناتجة عن عيشه الطبيعي وليس عدداً من المبادئ لأن كل مبدأ من المبادئ الثلاثة اليوم له عقيدته ونظامه المختلفان عن غيرهما من المبادئ (الإسلام بعقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ونظامه القائم على الأحكام الشرعية المنظمة لجميع شؤون الحياة، والرأسمالي بعقيدة فصل الدين عن الحياة، ونظامه القائم على أساس النفعية، والاشتراكي بعقيدة لا إله والحياة مادة ونظامه القائم على أساس التطور المادي). فتعبير الأسس والمبادئ بالجمع لا يعني سوى عدم إعطاء الإسلام أمر التفرد بالعقيدة والنظام، فيكفي الأخذ من الإسلام عقيدتَه، وترك تنظيم شؤون الحياة لغيره! أما الوطنية فليست سوى الحصر والعزل عن المحيط الإسلامي بالمحيط الوطني الضيق الذي يستحيل استيعابه للإسلام. وأما الإصلاح والتطوير فهو يعني أن القوانين والأحكام في "الدولة اليمنية الحديثة" ستكون متغيرة ومطورة بحسب الزمان والمكان، فالقوانين والأحكام هذه الأيام سيعاد إصلاحها وتطويرها بما يواكب السنين القادمة. والقوانين والأحكام ليست موحَّدة وتختلف بحسب المكان الذي تتلاءم معه؛ فالجنوب يختلف عن الشمال على منوال القوانين والأحكام المستصلحة والمطورة في الغرب الرأسمالي بحسب النفعية العقلية بعد منع الدين من تنظيم شؤون الحياة، وهذا ما سيكون للقوانين والأحكام في "الدولة اليمنية الحديثة"، المبعدة عن الأحكام الشرعية التي تستوعب الزمان والمكان بوصفها خاتمة الرسالات على الأرض ولا تُستصلح ولا تُطوّر.

ذكرت الرؤية "الدولة القوية"، لكنها لم تتطرق إلى كيف تكون الدولة قوية؟ إن الدولة تكون قوية ناهضة بالمبدأ الذي تقوم عليه وهو عقيدتها والنظام الذي ينبثق عن تلك العقيدة، بحيث تكون كل أفكار وأحكام الدولة من جنس عقيدتها، غير مخالفة لها، لأن اتخاذ أفكار وأحكام من خارج العقيدة الإسلامية يؤدي بآخذها إلى الفصام، فنحن في العقيدة مسلمون، رأسماليون في تطبيق نظام الحكم والاقتصاد والنظام الاجتماعي والتعليم والسياسة الخارجية. ألم ينتكس المسلمون إلا حين استبدلوا بأفكار وأحكام الإسلام في جميع شؤون الحياة، أفكار الغرب الرأسمالي وطبقوها على أنفسهم؟!

ذكر في الرؤية "الوحدة الوطنية للشعب اليمني" و"لتحافظ على عزته وكرامته...". مصطلح الوطنية قادم إلينا من فرنسا، زعيمة العالم في وضع المبدأ الرأسمالي فهي أول الداعين له عند قيام الثورة الفرنسية. فالوطنية تصلح لفرنسا المنسلخة عن الإمبراطورية الرومانية الأوروبية، ولا تصلح لنا كونها تكرس تفريق بلادنا الإسلامية شذر مذر تسهل السيطرة عليها من أعدائها بعيدا عن ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾، فالخطاب هنا للمسلمين بالاجتماع والبعد عن الفرقة، وليس لأهل اليمن دون غيرهم من المسلمين. أما العزة والكرامة ففي قوله تعالى ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ فنحن بالفعل كما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغير الله أذلنا الله".

وذكر في الرؤية في الحديث عن الدولة "تنفذ دور ووظائف وقيم الدولة وهويتها المتعارف عليها..."، فالدولة هي كيان معنوي يجسد السلطة السياسية العليا في المجتمع والتي تقوم برعاية شؤون الأفراد والجماعة بحسب منظومة فكرية تعكس قناعات المجتمع ونظرته إلى الحياة، القناعات التي لم يعرها واضعو الرؤية اهتماماً حين وضعوا أساس الدولة، واكتفوا بوضعها هم من دون اعتبار للناس الذين سيُحكمون بها. دور ووظائف الدولة إنما هي رعاية شؤون الناس تبعا للعقيدة التي ارتضوها لأنفسهم وأساسا للدولة التي ستحكمهم، ففي "الدولة اليمنية الحديثة" تقوم الدولة بناء على عقيدة فصل الدين عن الحياة، وفي الإسلام تقوم الدولة على أساس لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقيم الدولة تكون تبعا لعقيدتها التي قامت عليها. أما الهوية فلم تسمّها الرؤية لأنها ليست غير الإسلام، لكن ذكر إسلاميتها سيقلب عليهم المواجع في الركون في تنظيم مختلف شؤون حياتها إلى أنظمة غير الإسلام.

وذكر في الرؤية "تكون السيادة فيها للقانون...". إن السيادة في الإسلام هي للشرع حصرا، أما في "الدولة اليمنية الحديثة" فهي للقانون، حيث إن "القانون هو التعبير عن إرادة الأمة" بحسب ما نصت عليه المادة السادسة من إعلان الحقوق سنة 1789م بفرنسا التي أعطاها المؤتمرون في مؤتمر الحوار في آذار/مارس 2012م إعادة صياغة الدستور اليمني، واعترفت رؤية "الدولة اليمنية الحديثة" بهذا المؤتمر، واتخذته مرجعية لها.

لقد صمت آذاننا بثورة 2014/09/21م، فيما نظام الحكم هو أبرز مظهر يستهدفه التغيير في الثورات، فإن تم الحفاظ عليه كالسابق، ولم يتم تغييره، فأين الثورة وبم أتت الثورة إذاً؟

ورد في الرؤية "وتحقق استقلاله من أي تبعية اقتصادية..." و"تحقق الاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء بصورة متدرجة...".

لم يستطع واضعو الرؤية الإتيان بشيء جديد في الاقتصاد والابتعاد عن الاقتصاد الرأسمالي الذي نختلف معه في النظام الاقتصادي في الإسلام من حيث تعريف المشكلة الاقتصادية ما هي وكيفية حلها، ومن أين تحصل الدولة على مواردها وكيف تنفقها، وحرمة التعامل بالربا وتقسيم الملكيات وكيفية اتخاذ العملات المعدنية "ذهبية وفضية" وكيفية اتخاذ وتداول الأوراق المالية نائبة عنها... الخ.

إن التبعية الاقتصادية كالتبعية السياسية لم يستطع واضعو الرؤية الإفلات منها، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء، لأن من ربطهم به سياسيا لن يسمح لهم بتحقيق ذلك. وسيظل اليمن تابعاً اقتصاديا، منذ تخلي حكامه، منذ 1962/09/26م، عن تحقيق سياسة الأمن الغذائي لمن يحكمونهم، بإنتاج المحاصبل الزراعية الاستراتيجية بأنفسهم، واستعاضوا عنها بإنتاج المحاصيل الزراعية النقدية، وفتح أسواقهم أمام المحاصيل الاستراتيجية الأجنبية.

يعد موضوع الاقتصاد مربط الفرس عند الحوثيين، فبالأمس استخدموه لتحقيق مكاسب سياسية، ولا يزال موضوع الاقتصاد يفضحهم أمام الناس. خصوصا أنهم خسروا موارد النفط نهائيا، وأن البنك الدولي الذي ثاروا على برامجه الاقتصادية المقدمة لحكومة باسندوه، يرحبون به الآن ويستقبلونه بكل الرضا، ويمدون أيديهم لمواصلة الحصول على قروض من البنك وصندوق النقد الدوليين، فهما أداتان من أدوات التدخل في الشؤون الداخلية لأنظمة الحكم في بلاد المسلمين اتُّخذتا لتنفيذ برامج وقروض مقدمة لتلك الأنظمة بهدف الحصول على موارد مالية إضافية لتسديد ربا القروض السنوية للدول المدينة، ولإيجاد المبررات بإسقاط أنظمة حكم وإقامة غيرها مكانها، وربط تلك الأنظمة وقطرها بها ترسم لها الخطط وتسيرها عليها وتوجهها بتوجيهاتها وتفعل بها ما تشاء. وحديث الرؤية عن "رفع مستوى المعيشة..." و"النهوض بالمستوى الاقتصادي..." و"تحريك عجلة التنمية..." كلام مفرغ من محتواه، وليس سوى كلام للاستهلاك المحلي والتخدير المؤقت الذي سرعان ما سيزول وسيجد الناس أنفسهم يكابدون شظف العيش.

إذا الحوثيون نسوا فإن الناس لم ينسوا أن الحوثيين رفعوا شعار تخفيف العبء عن كاهل الناس مما يجدونه جراء الجرعة التي وافقت عليها حكومة باسندوه برفع أسعار المشتقات النفطية حيث ارتفع سعر الدبة "20 لتراً" إلى 4000 ريال والدبة الديزل 3000 ريال وأسطوانة الغاز إلى 1500 ريال. إن سعر الدبة البترول اليوم 6500 ريال والدبة الديزل 7500 ريال وأسطوانة الغاز 3000 ريال، وسط انقطاع رواتب موظفي الجهاز الحكومي في مناطق سيطرة الحوثيين.

كما ذكرت الرؤية مفردات عدة كـ"أمن واستقرار،" و"الأمن والعدل" و"توفير العدالة الاجتماعية، "صيانتها لحقوق الانسان وحرياته"...

لقد عيث بالأمن منذ 2014/09/21م واشتعلت الحرب من صعدة حتى المهرة مرورا بعمران وصنعاء وذمار وإب وتعز وعدن وأبين وشبوة وحضرموت. كما ديس خلال السنوات الماضية على كل المفردات التي أوردتها الرؤية، فاعتدي فيها على البيوت واقتحمت عنوة وانتهكت حرمتها، وتم تدميرها، بعد إجبار أهلها على مغادرتها، ولم تسلم من الاعتداء حتى بيوت الله، واقتيد الناس إلى السجون من بيوتهم ومن الطرقات ومن مرافق عملهم، وأودعوا فيها من دون تهم محددة ولا محاكمات عادلة، وكممت الأفواه بإحكام.

أما صيانة حقوق الإنسان وحرياته فهي أيضا لا ينظر إليها سوى من المنظار الرأسمالي الذي أنحى بحقوق الإنسان بعيدا عن الفطرة الإنسانية السوية، وركض بها بعيدا نحو إشباع الشهوات بشكل مقزز. وبالاتجاه نفسه ركض بمفهوم الحريات ولم يعد ينظر إليها بعكس مفهوم العبودية. فالإنسان حقه في العيش أن يحافظ على نفسه وعرضه وماله من التلف فلا يعتدى عليها وعقله ودينه من الزيغ. هل يستغبي الحوثيون الناس بأنهم لن يعودوا البته إلى ما اقترفته أيديهم بالأمس؟ إن العدل يظهر من أول يوم ولا يؤجل، وكذلك الأمان.

بالأمس أقفل علي صالح ومن هم حوله قيادات الجيش والأمن عليهم حتى ضاق الناس ذرعا، واليوم يعيد الحوثيون الأمر ذاته، بل ويسمحون للولايات المتحدة باختراق الجيش في اليمن، بغية الإمساك بالنظام والسيطرة عليه من خلاله، كما فعلت ذلك في العديد من البلدان التي صارت طوع أمرها من البرازيل وإندونيسيا وحتى مصر وباكستان، وقد سنحت لها فرصة الإمساك بملف إعادة هيكلة الجيش في اليمن ولن تفلته.

التدخل الخارجي في اليمن، وهي واحدة من بقاع الأرض التي بدأ الصراع عليها مبكرا، لامتدادها على بحر العرب جنوبي مكة المكرمة والمدينة المنورة، واشتد الصراع عليها.

جاء في الرؤية للدولة "وبناء علاقات متكافئة مع الدول العربية و(الإسلامية) وكل دول العالم على القواعد والمصالح والمنافع المشتركة بين الشعوب والدول ملتزمين بكل الواجبات تجاه أمتنا العربية والإسلامية والعالم...".

لقد وضعت الدول الرأسمالية الخارجة من العصور الوسطى لنفسها القانون الدولي على قاعدة المصالح والمنافع المادية الدنيوية لينظم علاقاتها الخارجية مع بقية دول العالم، وتحرص تلك الدول أن لا يكون غير القانون الدولي ينظم العلاقات الخارجية بين الدول في العالم، خصوصا المسلمين لأن علاقاتهم الدولية القائمة على أساس العقيدة الإسلامية تقوم على تقسيم العالم إلى دارين: دار الإسلام ودار الكفر، وتنظم سياسة دولة المسلمين الخارجية مع دول العالم بحسب كونها محاربة حكما فتقام معها علاقات، أو محاربة فعلا فلا تقام معها علاقات. والأصل أن ينظر للبلاد الإسلامية أنها من ضمن رعاية الشؤون الداخلية وليس الخارجية.

جاء في الرؤية للدولة "إن من مهام الدولة اليمنية الحديثة الحفاظ على استقلالية اليمن وسيادته ووحدته من أي هيمنة أو وصاية أو تبعية...". من المؤسف أن استقلال اليمن بحسب الدولة المدنية يعني استقلاله عن بقية الأقطار الإسلامية. ومن المؤسف أن نرى الصراع الدولي على اليمن قد اشتد في العشرة أعوام السابقة بشكل خطير لا يخفى على عين بين بريطانيا التي سمّرت علي صالح لأكثر من 30 عاما، وأمريكا التي دأبت مرارا على زعزعته عن كرسي الحكم بأدوات محلية مرة بدفع الحزب الاشتراكي لمواجهته في حرب 1994م، وأخرى بالحراك الجنوبي بنسخته الأولى الأمريكية الصنع والرعاية، وثالثة بالحوثيين، وسط رعاية إقليمية، فقد وضع الأمريكان والإنجليز أنظمة إقليمية تقوم برعاية مخططاتها في المنطقة لخدمة مخططاتها؛ فنظام آل سعود بالأمس في ظل عبد الله بن عبد العزيز كان راعيا إقليميا لبريطانيا واليوم الإمارات، وإيران ونظام آل سعود في ظل سلمان وابنه راعيان إقليميان لأمريكا. قد يغتر البعض بالعداء الظاهر بين الحوثيين ونظام آل سعود، والحقيقة أن هذا ما يظهر على الطاولة، فيما تدور تحتها أعمال أخرى. فهناك من الأعمال ما جمعت الحوثيين بحكام آل سعود كبندر بن سلطان وسلمان وابنه محمد، كمحاربة "الإرهاب"، فأنتم أيها الحوثيون تحاربونه كما يحاربه آل سعود، ولديكم "رؤية 2030" كما لديهم "رؤية 2030" ومعلّمكم واحد...

مع أن الرؤية كررت الحديث أكثر من مرة عن تمسكها بوحدة اليمن، إلا أن الواقع يناقض ذلك، فسيطرة الحوثيين على شمال اليمن وعبد ربه وحكومته على الجنوب، تشير إلى شرخ يصعب التئامه، وتصريحات الحوثيين بأن الجنوبيين مخيرون بالبقاء في الوحدة أو الانفصال تظهر استعدادهم التخلي عن الجنوب. كما أن أعمال نظام آل سعود في جنوب اليمن تتجه إلى تفتيت اليمن.

جاء في الرؤية "مصلحة الوطن العليا..." و"مصلحة الأجيال القادمة...". يسلك الحوثيون نفس مسلك من سبقوهم في التمسك بتحقيق المصلحة، ولكنهم يكررون الخطأ نفسه بالركض وراء المصلحة العقلية ويتركون المصلحة الشرعية. فالقاعدة الفقهية تقول أينما وجد شرع الله فثمة المصلحة، لأن الشارع يكون حدد المصلحة، فما على مبتغيها سوى اتباع الشرع، وليس أينما وجدت المصلحة فثم شرع الله، لأن العقل من حدد المصلحة وليس له ذلك، لأن ذلك من التشريع، وهو للشارع وليس للعقل، فما على العقل سوى إنزال أحكام التشريع على وقائعها. فأي مصلحة عليا للوطن، وأي مصلحة للأجيال القادمة إذن؟!

ورد في الرؤية القول "كما أن السلام والحل السياسي اللذين ننشدهما يقومان على الشراكة والتوافق، مرجعيتهما وحاكميتهما الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة".

تفتقت عقلية الهالك صمويل هنتنغتون بعد سقوط الاتحاد السوفيتي إلى تحديد الإسلام عدوا حضاريا للحضارة الرأسمالية فوضع كتاب "صدام الحضارات"، الذي أرشد الجمهوريين لتتويج بوش الابن رئيسا بحكم محكمة، ولوضع وتنفيذ خططهم بتفجير برجي التجارة العالمي واتهام المسلمين بتدمير البرجين ومن ثم شن الحرب على الإسلام تحت مسمى (الإرهاب). وقد أثبتت سوزان لينداور في كتابها "عندما تكون الحقيقة خيانة" حقيقة من يقف وراء تدمير برجي التجارة.

بالأمس القريب كان الحوثيون يقدمون الحرب على السلام للوصول إلى قمة هرم السلطة وإخراج المناوئين لهم، واليوم بعد أن وصلوا ويبحثون عن شرعية الحكم، فالسلام لديهم مقدم على الحرب. فمن الذي أوجب التقديم والتأخير؟ أليس الهوى فحسب؟ فمن جاء ببندقيته على عاتقه بالأمس يقدم لنا النصح والإرشاد ويعظنا اليوم بإلقائها عن كواهل من يحملونها، بل ويدعوهم للمشاركة معه في الحكم ليس حبا فيهم، ولكن لإسكاتهم وإخماد شرورهم.

لكن الحوثيين وهم حريصون دائما على الاستدلال بآي القرآن وضعوا جانبا قوله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾. فقد اكتفي بذكر "الله" في الرؤية المقدمة ثلاث مرات فقط بألفاظ: "بإذن الله، بعون الله وتوفيقه، على بركة الله"!

وبدلا من اتخاذ الشرع مرجعا عند القيام بالأعمال والأخذ بالأحكام والأفكار، اتخذوا "دستور الجمهورية - مخرجات مؤتمر الحوار الوطني المتوافق عليها - القوانين والتشريعات الأساسية - الخطط الاستراتيجية القطاعية والبرامج الحكومية السابقة - خطة التنمية المستدامة العالمية 2030/2016 - مقترحات ورؤى المؤسسات الحكومية - رؤى وتصورات الأحزاب والمكونات السياسية - مجموعة من التجارب والممارسات الدولية الناجحة".

فهل غيّر الحوثيون من الأمر شيئا عما مضى؟ خصوصا أن بسطاء الناس ممن انخرطوا في القتال في صفوفهم أو لم ينخرطوا كانوا يرون أن الإسلام قادم والحكم بما أنزل الله سينطلق للتطبيق فور وصولهم صنعاء، وحين لم يكن وطال أمد

الحرب قالوا مع انتهاء الحرب إذن يكون، فها هم اليوم يصطدمون بالدولة المدنية حاجزا جديدا يحول بينهم وبين ما يرجون. تماما كما ظن غيرهم في حرب 1994م أنه بمجرد دخولهم عدن سيُحكم بما أنزل الله في اليمن، وأن المانع من ذلك قد أزيل!

لا ندري أين تاهت المسيرة القرآنية في الطريق بعد أن انطلقت من صعدة صوب صنعاء وأنتجت ما أنتجت! ما رأيكم إذا علم "شهداؤهم" بأن دماءهم التي سالت أثناء سير المسيرة القرآنية، لم تنتج نصرا ولا عزا ولا قوة، ولكن أنتجت دولة مدنية، ماذا تراهم قائلين أو فاعلين؟!

الدولة المدنية ليست جديدة على الناس في اليمن، فقد كان نظام الحكم الجمهوري القائم من يوم قيامه في 1962/09/26م وحتى اليوم دولة مدنية مع عدم الإعلان عنها. وما البؤس والشقاء والفقر والقهر وتحكم الغرب الرأسمالي إلا من ثمارها.

ها هي أفكار الرأسمالية العفنة صرعى، عوارها بائن أمام أفكار الإسلام، ولا يمكن تمريرها على الناس إلا بالخديعة، وهي لن تنطلي على أهل اليمن وسرعان ما سيذوب جبل الجليد ليظهر ما تحته.

الخلافة الراشدة الثانية بمنهجها وتصورها المسبق للحكم هي ما يصدّع رؤوس الرأسماليين اليوم، فإقامة دولة مدنية في اليمن يضعونه عائقا أمام إقامتها، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس شفيق خميس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر