الدولة المشبوهة الرأسمالية بعباءة إسلامية
January 11, 2022

الدولة المشبوهة الرأسمالية بعباءة إسلامية

الدولة المشبوهة الرأسمالية بعباءة إسلامية

مع اقتراب الأمة لوعيها العام لحتمية عودة الخلافة الإسلامية نجد بعض الناس يبحثون عن المخلّص من زمرة الحكام القائمين على من يصلح لهذه المهمة، ويمنون النفس بأن يكون الرئيس التركي أردوغان هو من يصلح لهذه المهمة فنجدهم يبررون له كل أفعاله ويحاولون تلميعها، ويتخيلون أنه يعمل بالخفاء إلى عودة الإسلام إلى سدة الحكم، واستئناف تطبيق شرع الله!

ولكن بحنكة الذئب، ومكر الثعالب عمل أردوغان على إيهام البعض بطرق غير مباشرة أن تطبيق الإسلام لا يكون إلا بالتدرج، لتفادي العالم الرافض لقيام الدولة الإسلامية وللحيلولة دون انقضاضه عليها على حين غرة. فنجد المؤيدين لمنهج أردوغان يبررون تطبيقه للقوانين العلمانية الصرفة بأنه نوع من أنواع الخداع للغرب، وأن كل الأعمال التي يقوم بها متمثلة بحكومته التي تعمل خلف الكواليس لعودة الإسلام إلى سدة الحكم.

ومن هذا القبيل ما أورده الكاتب الأردني داود عمر داود في مقالة في "القدس العربي" بعنوان: "معركة المصير واستئناف الحياة الإسلامية"، حاول فيها ربط فكر أربكان وتأثره بفكر حزب التحرير، على حد زعمه، ففكر الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير رحمه الله المستمد من الكتاب والسنة، وكل من يقرأه يتأثر به لأنه منهج رباني يمثل البلسم لجراح هذه الأمة والعالم، ولا شك في ذلك مطلقا، ولكن حمله ثقيل لأن كل طواغيت العالم تمنع ظهوره، وتشن الحروب من أجل منع ظهوره في كيان تنفيذي، لأن هذا الفكر الذي انفرد به حزب التحرير بالسعي لتطبيق الإسلام فكرة وطريقة، سيخلعهم من جذورهم بمجرد وجوده على الساحة الدولية متجسداً بهذه الدولة الإسلامية العظيمة التي تطبق أحكام الشرع.

ومع أن الكاتب قال صراحة بأن أربكان سعى لتأسيس اتحاد إسلامي، ومنظمة أمم متحدة خاصة بالمسلمين، وإنشاء حلف عسكري إسلامي مثل حلف الناتو، وإصدار الدينار الإسلامي لمنع الغرب من نهبنا، وإنشاء سوق اقتصادية مشتركة، وإلغاء الجمارك والجوازات والتأشيرات بين البلاد الإسلامية، فإن جميع ما سبق هو عبارة عن محاولة لجمع بلاد المسلمين في كيان خاص على هيئة الكيانات الرأسمالية، وكأنه ليس لنا نظام إسلامي فريد من نوعه لا يشبه بهيكله أي نظام سياسي، وهو نظام الخلافة الذي فصله الشيخ تقي الدين رحمه الله تفصيلا رائعا بتأصيل شرعي في كتاب نظام الحكم، فأربكان أراد أن يقيم دولة إسلامية متماهية مع العلمانية، فيطبق فيها بعض الأحكام الشرعية مع الحفاظ على شكل الدولة الرأسمالية. غير أن إقامة الدولة الإسلامية لها طريقة واضحة وجلية في فكر الشيخ العلامة تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير رحمه الله تعالى.

وكان هدف أربكان من محاولاته تلك هو سحب البلد للقبول بالعلمانية التي تدور في فلك الإنجليز. فوجود هذا الرجل جعل المسلمين يلتحقون بالنظام ويقبلون العلمانية المحايدة ويقبلون العملية الديمقراطية، ولكن عندما ظهر خطر النفوذ الأمريكي من خلاله أو من خلال وسط حوله أو من خلال استمالته كون أمريكا دعمت خطواته في قبرص، ولذلك نجد أن الجيش التركي الذي كان يدين بتبعيته للإنجليز قد تخوف من ميول أربكان نحو أمريكا فقام فورا بإقصاء حكومته التي لم تعمر أكثر من 13 شهرا، وأجبره على الاستقالة. واعتبرت هذه المرحلة من مراحل الفشل الأمريكي في نقل تركيا لقبضتها، وليس كما يدعي البعض أنه أقيل لرغبته في تطبيق الإسلام.

ومع اعتلاء أردوغان سدة الحكم استطاعت أمريكا انتزاع تركيا من قبضة بريطانيا عبر معارك سياسية طاحنة، كان آخرها الانقلاب الأخير الذي مكنها من القضاء على أي وجود إنجليزي في تركيا. ولكن هناك أموراً على الساحة الدولية تغيرت ما بين زمن أربكان وزمن أردوغان؛ ففي السابق كانت أمريكا تسعى لسحب السنة إلى جانبها وإخراجهم من عباءة بريطانيا، واليوم تحقق لها هذا بعد أن سيطرت على أكثر البلاد الإسلامية وخاصة السعودية، وإنهاء الوهابية، وتغيير ولاء الحكام في السعودية ليخضعوا للسياسة الأمريكية، ولا يخفى هذا على أحد اليوم.

وإذا تناولنا ما جاء به الكاتب (على أنه قد يحمل شيئا من الصحة) دون أي تحامل، فهناك ثلاثة احتمالات لا رابع لها:

١- أن يكون صحيحاً ما يقال عن الرئيس التركي بالعمل لعودة الخلافة واستئناف الحياة الإسلامية. وهذا بعيدٌ كل البعد عن الحقيقة فقد استلم الحكم رئيساً للوزراء منذ عام 2003، وبعد تحويل الحكم إلى النظام الرئاسي استمر في الحكم رئيساً للجمهورية منذ عام 2014، ونجد أن كل الإنجازات التي حققها على صعيد الجمهورية التركية قد أنجزها بالعلمانية ويصرح بأعلى صوته عبر لقاءاته مفتخرا بذلك، وهذا ما قاله عبر قناة العربية في لقاء معه قبل أربع سنوات عندما سأله المذيع أن الكثيرين يجدون صعوبة بالجمع بين الإسلام والعلمانية، فأجابه: "أجد صعوبة في تفسير فهم العالم الإسلامي في الربط بين الإسلام والعلمانية، حيث قمنا بتأسيس حزبنا وعرفنا العلمانية، ووضحنا علاقة الإسلام وصلته بالإرهاب لذلك ميّزنا بين أن نكون مسلمين كأفراد وبين النظام العلماني، أنا مسلم أحكم تركيا بنظام علماني وهي تعني التسامح من قبل الدولة، والدولة تقف على نفس المسافة من كل الأديان والطوائف. هل هذا مخالف للإسلام؟" انتهى.

فهو يعلنها صراحة أنه يحكم بنظام علماني بحت وليست لديه النية لتطبيق نظام آخر وإن كان هو مسلماً!

ومن ناحية أخرى فقد مضى على توليه منصب رئيس الجمهورية أكثر من سبع سنوات ونجده في كل عام أبعد عن الإسلام من العام الذي قبله! ففي الناحية السياسية نجد الطائرات تنطلق من أراضيه لتقتل المسلمين في سوريا وليبيا والعراق، وهو الذي بنى الجدار الفاصل على طول الحدود مع سوريا ويقتل كل من يحاول تجاوزه من جيرانه المسلمين مطبقاً التعليمات الأمريكية في محاربة الإسلام والمسلمين دون أقنعة بل بكل صراحة يعلنها. وللأسف يبرر له البعض ما يفعله بكل قناعة!

أما الناحية الاقتصادية فإننا نعلم كيف قام بضربته الأخيرة لتحقيق مكاسب سياسية قبل الانتخابات لضرب خصومه ولو تم ذلك بكسر الشعب وتجويعه، فبعد قيامه بالإصلاحات الجديدة القائمة على الربا الصريح، داعياً الناس لوضع أموالهم وسحب قروض بنكية ربوية ويضمن لهم العوائد الربوية، وبعدها نجد أن أسعار كل شيء ترتفع أكثر فأكثر؛ فقد تم رفع تعرفة الكهرباء والغاز والمحروقات بنسب تفوق 50%، وارتفاع هذه المواد يؤدي إلى اشتعال الأسعار بطريقة مرعبة، أي يمن عليهم بعطايا بيمينه ويسترد أضعافها بشماله! فهل هكذا تكون رعاية الشؤون؟! أم هي إنجازات خاصة استعداداً للانتخابات القادمة عام 2023م ليبقى في الحكم فيما تدعمه وتقف وراءه أمريكا؟!!

وبعد هذا الاستعراض نجد أن هذا الاحتمال بعيد كل البعد عن الحقيقة، وإنما أردوغان يداعب مشاعر الأمة التواقة لعودة الإسلام.

٢- أنه رجل مسلم يحكم بالعلمانية وليس له أي طموح أن يكون خليفة للمسلمين، ولا يعمل لتطبيق الشرع الإسلامي. وهنا أيضا نجد أنه لو كان كذلك لتغيرت أعماله التي ينسبها للإسلام كقوله: "سوف أواصل صراعي مع الربا حتى أخلص شعبي من هذا الوباء العظيم"، وقوله: "الربا هو السبب والنتيجة هي التضخم". (خطابه في 2021/12/19)

وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا نجد الغرب يشوه صورة أي رئيس تكون له شبهة الانتماء للإسلام، ومن ثم يخرجونه من سدة الحكم فورا، بغض النظر عن الجهة التي يدين لها بالولاء، وهذا ما حصل مع كثير من الشخصيات مع أنها كانت تنصاع للنظام الدولي وتنفذ أوامر أمريكا وغيرها، ومع ذلك تم استبعادها، ولكن لا نجد ذلك يحصل للرئيس رجب طيب أردوغان؟! لماذا؟

فتجده يعتلي منابر تدعم بظاهرها الإسلام، ويقوم ببعض الحركات التي تظهر الإسلام ولو بشكل بسيط، ثم لا نجد أن أمريكا تعمل على إسقاطه، بل يتلقى الدعم تلوَ الآخر!!

مع أنه لو تبنى أو طبق الحكم بما أنزل الله لاتبعته الأمة بكاملها في ليلة وضحاها لِما تحمل من رغبة صادقة لعودة الحكم الإسلامي وأيام العزة والكرامة، فالأمة تقف إلى جانب من يريد تطبيق الشريعة واستئناف الحياة الإسلامية، وستبذل الغالي والنفيس من أجل ذلك. فلو فكر وخطى خطوة واحدة بهذا الاتجاه لرأى بأم عينه هذا المشهد العظيم من هذه الأمة المعطاءة، ولكن لا نجد أي حراك لأمريكا ضده، بل دعم اقتصادي وسياسي وعسكري ومواقف دولية ترفع من شأن تركيا وتدفع بها إلى مصاف الدول الاقتصادية الكبرى.

٣- والاحتمال الأخير مع أني أرجو أن يكون غير وارد لما يحمل من مكر عظيم ضد هذه الأمة. حيث إن الغرب يعلمون أن دولة الخلافة الراشدة بإذن الله قادمة، لذلك هم يقربون شخصية حاكمة لتكون قريبة للأذهان العامة على أنه يصلح لأن يكون خليفة وهو أبعد ما يكون عن ذلك، والذي هو يتوافق مع شخص أردوغان، وذلك لأمر خفي قد يكون صمام الأمان عند قيام دولة الخلافة الحقيقية فيعلن هو أيضا قيام خلافة إسلامية ويطبق الشرع ولكن بغية خنق الخلافة الحقيقية وتشتيت الأنظار وهو معروف للناس ومسوق له سابقا.

والخلافة الحقيقية قد تكون جديدة على الساحة، ومع وجود نصوص صريحة منها حديث الرسول ﷺ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا»، إلا أن بُعد الناس عن الدين عبر مئة عام ويزيد جعل فيهم ضعفا فكريا كبيرا ولا يضعون هذه النصوص موضع التطبيق.

فشخصية أردوغان تصلح لهذا الموقف لما يمتلكه من دهاء ومكر وهم يثقون به ثقة كبيرة جدا حيث ينفذ كل ما يطلب منه بشكل دقيق جدا، وهم على ثقة بأنه لن يقيم الإسلام مهما تعرض لضغوط، فهو يعمل على إرساء العلمانية وتنفيس الشعوب الإسلامية من أي ضغط وحرف رغبتهم لعودة الإسلام إلى سدة الحكم. فوجوده يشكل صمام أمان من ناحيتين:

1- عمله على دمج فكرة العلمانية مع الإسلام والتي ينادي بها ويعتبر تركيا مثلا يقتدى به وأنه يحقق المساواة والعدل والرفاهية والعيش الهني،

2- أنه في كامل الجاهزية ليلعب أدواراً تسند له لوأد الإسلام.

أيها المسلمون: إن مكر الغرب فاق كل تصور، وهو حتماً لا يغفل عن مثل هذه الشخصيات لو كانت مخلصة، فلا تنخدعوا بظاهرها وكونوا أصحاب بصيرة مستنيرة، وكونوا مع من يسعى لإعادة تطبيق الشرع واستئناف الحياة الإسلامية. وهذا الفرض له طريقة واحدة من فكرة الإسلام نفسها خطها رسولنا الكريم وجعلها طريقا مرسوما نتبعه طاعة لله ولرسوله لإقامة دولة الحق التي وعدنا الله سبحانه بها وبشرنا بها الرسول ﷺ في الحديث الشريف: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، فاعملوا مع العاملين ولا تكونوا من الخاسرين.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر