"الدين المعاملة" كلام فيه نظر
December 09, 2018

"الدين المعاملة" كلام فيه نظر

"الدين المعاملة" كلام فيه نظر

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]. من يأتي يوم القيامة وقد اتخذ غير الإسلام دينا فهو في جهنم من الخاسرين، هذه دعوة لمن يعقل أن لا يفوت فرصة دخوله في الإسلام ويعبد الله تبارك وتعالى حق العبادة، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. اتقوا الله حق تقاته أن يطاع الله فلا يعصى وأن يشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى وأن يجاهد في سبيل الله حق الجهاد لنصرة دينه ونشر دعوته والحفاظ على بلاد المسلمين وجمع المسلمين في دولة واحدة تحت راية رسول الله e، ولا تأخذكم في الله لومة لائم بقول كلمة الحق عند سلطان جائر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقوموا بالقسط ولو على أنفسكم أو آبائكم أو أبنائكم، ولا تموتوا إلا وأنتم مسلمون، حافظوا على إسلامكم وطاعة ربكم فمن مات على شيء بعث عليه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يحب أن يؤتى إليه» رواه مسلم، ينبغي على المسلم أن يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه، فلا كذب ولا خداع ولا غش ولا خيانة لأحد لأن الله لا يرضى منه ذلك، وثانيا لأنه لا يحب أن يعامَل بهذه الصفات الذميمة، فلا يعامِل بها أحداً، والإيمان بالله يقضي أن يصدق عمله قوله وسريرته ظاهره، فالمعاملة بين الناس تظهر بالأخلاق الحميدة من الصدق والأمانة وعدم الغش والخيانة، وهذه قد تجدها عند مختلف أهل الأديان والعقائد، فتجد الكفار الرأسماليين قد أصبح الصدق بينهم وفي مجتمعاتهم سجية لا يفارقهم لرؤيتهم أنه يحقق لهم منافع أكثر من الكذب والغش والخيانة، بينما تراهم في خارج بلادهم ومجتمعاتهم وهم ممثلون لبلادهم يتخذون الغش والكذب والخداع وسيلة وأسلوباً لبسط نفوذهم واستعمار ما يستطيعون من الشعوب، حيث إن تحقيق المنفعة أساس في حياتهم ومبدئهم وطريقة عيشهم في الحياة، فالقول إن الدين المعاملة قول معسول ويصور على غير حقيقته.

وترى غالبية المسلمين هذه الأيام لا تقيم وزنا للصدق والأمانة وعدم الغش وإعطاء الحق لصاحبه، مع أن الالتزام بالصفات الحميدة من بدهيات الإيمان ويعرف بها المسلمون أينما حلوا أو ارتحلوا، إلا هذه الأيام وهذا عائد إلى الفصل بين الإسلام والحياة، الذي هيمن على حياة المسلمين منذ أن أقصي الإسلام عن حكم بلاد المسلمين واستبدلت به أنظمة الاستعمار الرأسمالي، ولا زالت هي المتحكمة والمشكّلة للنظام العام في جميع بلاد المسلمين بدون استثناء، ولا بد من تغيير هذه الأنظمة واستئناف الحياة الإسلامية بتحكيم الشريعة الإسلامية وإقامة الدولة الإسلامية على منهاج رسول الله e، وبيعة خليفة ليحكم بلاد المسلمين في دولة واحدة كما حكم رسول الله eالدولة الإسلامية حينما أنشأها في المدينة المنورة وتبعه الصحابة رضوان الله عليهم واستمرت الدولة الإسلامية إلى أن قضى عليها الكفار وأعوانهم من العرب والترك ضعاف النفوس أثناء الحرب العالمية الأولى وقبلها وبعدها.

نعم الإسلام دين ينظم شؤون حياة الإنسان فهو لا يقتصر على الشعائر التعبدية، بل هو نظام كامل وشامل للحياة فتكون العبادة بإقامة الشعائر التعبدية والعبادة باتباع الشرع وإقامة الدولة التي تنفذ الشرع وتنشر الدعوة، وهذا يكون بلا تفرقة بين الشعيرة والشريعة فهي متكاملة ومن عند الله وبأمر الله، ولا تتحقق طاعة الله ولا تستقيم الحياة إلا بهما، ولا بد من تفعيل هذا الأمر والعمل لتحقيقه ولا يكفي القول أو الاعتراف والمعرفة بالواقع السيئ المشين الذي يعيشه المسلمين اليوم.

ولا يخفى على أحد أمر الله تبارك وتعالى لرسوله الكريم e- وأمر الرسول أمرٌ لنا - في القرآن الكريم بوجوب الحكم بما أنزل عليه، وهو المعصوم e، في سورة النساء وفي سورة المائدة على سبيل الذكر وفي سور أخرى في القرآن الكريم - ولكن على سبيل التذكير - قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 48-50]. أنزل الله تبارك وتعالى القرآن الكريم بالحق والصدق لا ريب فيه لا يطاله شك ولا باطل، مهيمنا ومسيطرا وملغيا للكتب التي سبقته ومصدقا لها، أنها من عند الله، وجاء القرآن العظيم خاتماً للكتب السماوية وأشملها وأعظمها وأحكمها ولا يقبل من أحد إلا التعبد به وإلا الحكم به فهو ختام الكتب السماوية، وقد تعهد الله تبارك وتعالى بحفظه وعدم المساس به فقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فالحكم لا يكون إلا بالشريعة الإسلامية المستنبطة من القرآن الكريم والسنة الشريفة، والحكم يعني تنظيم شؤون حياة الناس ورعاية مصالحهم وإحقاق الحق بينهم وإنصافهم والعدل بينهم والحكم بما أنزل الله، يعني الالتزام بالشريعة الإسلامية ونبذ ما عداها من الأعراف والقوانين والشرائع التي وضعها الناس، ولا يلتفت لها أبدا مهما كانت مسمياتها، والنهي عن اتباع أهوائهم هذه التي أصبحت أعرافاً وقوانين تُتّبع، وما اصطلحوا عليه من شرائع وأنظمة، استبدلوها بشرع الله وأصبحت لهم دينا غير دين الله فلا تتبعها ولا تقم لها وزنا، واحذر هؤلاء الأشقياء ولا تتبع أهواءهم ورغباتهم وخططهم ولا تنظر لمقترحاتهم فهم بعيدون عن طاعة الله ومحبته وحسن عبادته...

﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ينكر الله تبارك وتعالى على من يخرج عن حكم الله المتمثل على كل خير الناهي عن كل شر والمنصف العادل بين الناس على اختلاف أديانهم وأجناسهم، الحكم العدل على من سواه من الأحكام والآراء والتشريعات التي يضعها الناس من عند أنفسهم وتحت أي مسمى، كما يصنع أهل الجاهلية.

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، ومن أعدل من الله في حكمه وتشريعه لقوم يعقلون ويؤمنون، وهو تبارك وتعالى الخالق المدبر الرازق، أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وهو أرحم بخلقه من الأم على وليدها، وهو تبارك وتعالى العالم بكل شيء والقادر على كل شيء علام الغيوب، أعلم بما يصلح خلقه، ولا حاجة له عند أحد من خلقه تبارك وتعالى عما يصفون، قال الحسن البصري: من حكم بغير حكم الله حكم بالجاهلية.

وحين يقال الدين المعاملة وحسن الخلق من الدين، تكاد تكون دعوة تدليس وتلبيس لأنها دعوة مبتورة مغيب أصلها عن سبق إصرار وترصد، فالمجتمعات لا تبنى على الأخلاق بل تبنى على العقائد والأفكار، والمبادئ والأخلاق تبع لها وليست أساساً لها، فالشريعة الإسلامية في بلاد المسلمين لا تحكم ولا تنظم حياة الناس فليس لها سلطان ينظم الحياة العامة ويحكمها، ومن يحكم المجتمعات في بلاد المسلمين خليط من الأحكام والقوانين والأنظمة والشرائع كلها تتميز أنها من وضع الكفار وأنها تحارب الإسلام والمسلمين، وهي أداة بيد الحاكم الظالم المستبد، فمهما تكلم الخطيب فهو نفسه لا يصدق ما يقول، والسامع أشد نفورا وتعجبا منه، فمن يجرؤ على الادعاء أنه يشرع للناس ويحكم فيهم بأعدل من شرع الله وحكم شريعة الله لهم ومن يدعي أنه أعلم من الله بما يصلح خلقه؟!

لا عذر لأحد من المسلمين أن يرضى ويسلم لحكم غير حكم الشريعة الإسلامية وتحت أي ظرف كان، إن قضية الحكم بما أنزل الله يجب أن تكون واضحة لكل مسلم وهي قضيته التي يجب أن تحقَّق في واقع الحياة، وأن الحياة لا تستقيم بدون أن تنظم شؤونها بالشريعة الإسلامية، وأنه لا تقوم للمسلمين قائمة بدون تحكيم شرع الله، والحكم بما أنزل الله فرض كفرض الصلاة، وكل مسلم لا بد أن يُسأل عن القعود عن العمل لاستئناف الحياة الإسلامية كما يسأل عن ترك الصلاة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: 51-52]. ينهى الله تبارك وتعالى عن موالاة اليهود والنصارى وهم أعداء الإسلام وأهله منذ فجر التاريخ ولا زالوا، قاتلهم الله أنى يؤفكون،ويتوعد وينذر من يتولاهم ويركن إليهم ويأمن جانبهم ويتحالف معهم فهو منهم والعياذ بالله، وترى الذين في قلوبهم شك وريبة ونفاق يتأولون موالاة الكفار ومودتهم لحفظ مصالحهم ويتعللون بنوائب الدهر ودوران الدوائر، عليهم دائرة السوء، وفي هذه الأيام ترى الكثيرين ممن يوالون الكفار ويعملون معهم، يدعون إلى الاعتراف بالآخر وهذا أمر محلول عند المسلمين، الآخر هم الكفار وهم إما كافر حربي أو كافر ذو عهد أو ذمي، والذمي له حقوق الرعاية كما هي للمسلم ما دام لا ينقض شروط العهد معه وولاؤه للدولة الإسلامية، والمحارب والمعاهد لكل منهم أحكام شرعية تنظم العلاقة معه، وكان المسلمون دائما ملتزمين بالأحكام الشرعية، وخير دليل وجود شتى الملل والنحل والأديان والمذاهب في بلاد المسلمين، والله على كل شيء شهيد.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إبراهيم سلامة

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر